صعود اليمين الفاشي في إسرائيل (5)

نهاد ابو غوش
abughoshn@yahoo.com

2023 / 9 / 20

هذه القوى والاتجاهات باتت جزءا رئيسيا من الخريطة السياسية الإسرائيلية، وانتقلت عمليا عبر السنوات من الهامش إلى مركز القرار، ولعل أبرز إنجاز لممثلي هذا التيار يتمثل في وصول أحد قادته وهو نفتالي بينيت رئيس حزب يمينا إلى منصب رئاسة الوزراء، لكن الطريقة الانتهازية التي جاء من خلالها (بالتحالف مع قوى الوسط ويسار الوسط) كلفته مستقبله السياسي وانفراط حزبه حتى وهو على رأس الحكومة ما اضطره للتنحي في نهاية المطاف، فخلال وجود بينيت على رأس حكومة التغيير (بينيت – لابيد) تفككت كتلته بخروج ثلاثة من أصل سبعة أعضاء عن قرارات الكتلة، وإجرائهم اتصالات مع الليكود، وهؤلاء الثلاثة هم عميحاي شيكلي، وعيديت سيلمان، ونير أورباخ.
- مثل فوز قائمة الصهيونية الدينية بأربعة عشر مقعدا في الكنيست 25 نقلة نوعية في مسيرة قوى اليمين المتطرف، وتتويجا لحالة مستمرة من التفاعل والحراك الداخلي وعمليات الاندماج والانحلال، بالتزامن مع تبلور الرؤى السياسية والفكرية المتطرفة لهذا التيار، وإذا كان ثمة دور مشهود لنتيناهو في جهود توحيد هذا التيار، فإن ذلك لا ينفي وجود هذا التيار على أرض الواقع قبل تدخل نتنياهو وبمعزل عن جهوده لتوحيد قوى التيار.
سموتريتش وبن جفير
مع أن هاتين الشخصيتين اقترنتا ببعضهما بعضا، وظهر بطلاهما كتوأم سياسي شديد التطرف، فهما حاضران دائما في مواقع المواجهات مع الفلسطينيين، ويتخذان المواقف الأكثر حدة وتطرفا بين مواقف قوى الائتلاف الحكومة، إلا أن خلافات شخصية وأيديولوجية حادة ميزت علاقتهما، خصوصا لدى محاولات بن جفير أكثر من مرة الانشقاق بعد تلمسه شعبيته وشعبية حركته "عوتسماه يهوديت". يبدو بتسلئيل سموتريتش أكثر التصاقا بمؤسسات اليمين المتطرف وتاريخه السياسي والأيديولوجي وكأنه الامتداد الطبيعي لمن سبقوه من قيادات على شاكلة غؤولا كوهين ورحبعام زئيفي وآفي إيتام واوري أرييل. إلى ذلك يقدم سموتريتش نفسه كصاحب "رؤية" ضمّنها في مقالة نشرها في مجلة "هشيلوح" عام 2017. سموتريتش الذي ينكر وجود شعب فلسطيني، وقد استفز العالم بأسره حين ظهر خلال مؤتمر صحفي في باريس أمام خريطة لإسرائيل الكبرى تضم كل أراضي فلسطين والأردن وبعض أجزاء السعودية وسوريا ولبنان، تقوم رؤيته على فكرة "حسم الصراع" بدل مواصلة إدارته، وأن لا حقوق سياسية جماعية في "أرض إسرائيل" إلا لليهود، وعلى العرب الموجودين القبول بذلك فتمنح لهم صفة مقيم، أو يهاجروا لتجسيد حقوقهم خارج هذه البلاد، وإلا فإن الجيش هو الذي سيتولى حل المشكلة، أي سيتولى ترحيلهم قسرا ، ولعل خير تعبير عن أفكار هذا الوزير القيادي وخطته التصفوية هي تصريحاته التي أعقبت محرقة (بوغروم) حوارة في 26/2/2023 والتي أيد فيها أفعال مجموعات المتطرفين بعملية إحراق القرية الفلسطينية، والتي ما لبث أن تراجع عنها وعدّلها مدعيا أنه يقصد ضرورة اضطلاع الجيش وليس المستوطنين بهذه المهمة.
أما بن جفير، وهو سليل حركة كاخ، فقد اشتهر في بداية حياته السياسية من خلال تسجيلات موثقة بدفاعه عن جريمة باروخ غولدشتيان في الحرم الإبراهيمي، مدعيا أن الأمر الرباني "لا تقتل" يقصد به تحريم قتل اليهود ليهود، وكذلك بتهديداته للوصول إلى رئيس الوزراء الأسبق اسحق رابين قبل اغتيال هذا الأخير بأسابيع قليلة، ومع أنه بات صاحب شعبية جارفة في أوساط التيار الصهيوني الديني، فلا يعرف عنه مساهماته الفكرية والنظرية، ولكنه اشتهر بحضوره الميداني في مواقع المواجهات مثل قيامه بافتتاح مكتبه في حي الشيخ جراح الفلسطيني المهدد بالإخلاء، وبسجله الجنائي الحافل الذي بلغ 53 ملفا جنائيا لدى الشرطة، فضلا عن تخصصه كمحام في الدفاع عن المتهمين بارتكاب جرائم عنف وإرهاب ضد الفلسطينيين.
الاستيطان قاعدة التطرف
لطالما ارتبط النشاط الاستيطاني ووجود المستوطنات بحد ذاتها بصعود موجات التطرف، وزيادة نسبة القوى اليمينية المتطرفة إلى مجمل الخريطة السياسية في إسرائيل. وسوف نجد في أنماط تصويت المستوطنين فضلا عن المواجهات المستمرة بين تشكيلاتهم شبه العسكرية وجمعياتهم ومؤسساتهم من جهة وبين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ما يعزز فرضية ارتباط اليمين الاستيطاني بالتطرف السياسي والأيديولوجي، لكن هذا الارتباط لا يقود بالضرورة إلى وجود "تطابق" بين التطرف والاستيطان، وإنما إلى وجود تقاطع واسع بين المفهومين، وذلك لأن بعض المستوطنات تضم سكانا محسوبين على الأحزاب الدينية المتزمتة "الحريديم" وتحديدا حزبي شاس ويهدوت هتوراة، أما المستوطنات الكبرى التي هي في الواقع مدن استيطانية، وكذلك الضواحي الاستيطانية المحيطة بالقدس فلا تختلف اتجاهات التصويت لدى سكانها عن تلك الدارجة في المدن والبلدات المختلفة داخل الخط الأخضر. وفي المقابل سنجد امتدادا وحضورا لافتا لتيار الصهيونية الدينية في عديد مدن وبلدات الداخل.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World