كسر مركزية النوع فى الرواية الحديثة -كل من عليها خان- أنموذجًا بقلم:د . عايدى على جمعة - دراسات في أعمال السيد حافظ (314)

السيد حافظ
sayedhafez948@gmail.com

2023 / 5 / 1

دراسات في أعمال السيد حافظ (314)
الشخصيات ما بين المرئي واللامرئي والثابـت والمتغيــر في السرد الروائي
كسر مركزية النوع فى الرواية الحديثة
"كل من عليها خان" أنموذجًا
بقلم:د . عايدى على جمعة
حول الأنواع الأدبية:
تأخذ مسألة الأنواع الأدبية أهمية كبيرة في الدراسات النقدية، وهي " مجموعة من التقاليد والتوقعات التي تساعد على معرفة إن كان ما نقرأه قصة بوليسية، أو قصة رومانسية، أو قصيدة من الشعر الغنائي، أو قصيدة تراجيدية"([1]).
وقد قسّم أرسطو فى كتابه "فن الشعر" الأنواع الأدبية إلى غنائى وملحمى ودرامى([2]).وكانت سطوة الكتاب فائقة، حتى جاءت المدرسة الرومانسية فى أوروبا نفسها وظهرت فكرة تداخل الأنواع بوضوح، وظل النقد الأوروبى يضخ فى اتجاه فكرة تداخل الأنواع حتى الآن. وقد عبر فان تيغم عن ذلك بقوله: "تساقطى تساقطى أيتها الجدران الفاصلة بين الأنواع، لتكن للشاعر نظرة حرة فى مرج فسيح، فلا يشعر بعبقريته سجينة الأقفاص، حيث الفن محدود مصغر"([3]). ويمكن القول إنه "من أفلاطون إلى إيميل ستايجر مرورا بجوته وجاكبسون شِئَ أن يُرى في هذه المقولات الثلاث الأشكال الأساسية أو حتى الطبيعية للأدب"([4]).
و"يقترح ديوميد في القرن الرابع وهو يمنهج أفلاطون، التعاريف الآتية:

غنائي = الأعمال التي يتحدث فيها المؤلف وحده.

درامي = الأعمال التي تتحدث فيها الشخصيات وحدها.

ملحمي = الأعمال التي يملك فيها المؤلف والشخصيات معا الحق في الكلام"([5]).

وهذه الثلاثية "أصبحت أكثر مرونة في الأدب المعاصر، فتداخلت أطرافها وفقدت كثيرا من معياريتها القديمة، كما لاحظ بعض النقاد، لكنها ظلت صالحة لتلمس كثير من الفروق النوعية بين النصوص"([6]).

وقد تم تكريس النموذج الغربي في إبداع هذه الأنواع نموذجا مهيمنا. وبالتالي ما يخالفه في بعض النواحي من إبداع الشعوب الأخرى يتم نفيه فورا. فأصبحنا نجد العرب بلا رواية ونجدهم أيضا بلا مسرح وبلا ملحمة، وليس العرب فقط، وإنما الشعوب الأخرى مثل الهند والصين. ومن هنا فإن فكرة الأنواع الأدبية وقوانينها فكرة غربية بالأساس وهى فكرة ظهر ارتياح البعض لها بسبب ما تبثه من طمأنينة خادعة. وقد "قام الجهد التنظيري في مسألة الأنواع الأدبية على الأنواع الأدبية الأوروبية، دون غيرها من أنواع أدبية غير أوروبية، بحيث إننا لا نعدو الحق إذا قلنا إن قوانين النوع القائمة، وأصوله، قد اعتمدت على إرث تاريخي، له بعد ثقافي جزئي "Micro"، أكثر من اعتمادها على استقراء شامل، على المستوى الكلي "Macro"، لتجليات النوع في البيئات الثقافية المختلفة، وهذا ما رسخته مفهومات تاريخية عن النوع، قام ـ أغلبها ـ على رؤية ثقافية غربية، كانت قادرة على فرض شروط تجلياتها، وجمالياتها على الثقافات الأخر"([7]).

وبدت هذه الفكرة ظالمة لكثير من إبداع الشعوب الشرقية، لأنها جعلت الرواية منتجا غربيا بالأساس كما جعلت المسرح أيضا منتجا غربيا بالأساس وحرمت الشعوب المختلفة من وجود مسرح لديهم. ولكن عند تغيير المنظور الغربى أو تعديله يبدو بوضوح مدى تهافت هذا التوجه، ومدى ظلمه لإنتاج هذه الشعوب ومدى الإفقار الذى حاول أن يلحقه بالثقافة العالمية([8]).

ولكن "لئن كان كل واحد يسلّم بأهمية مفهوم الجنس ومنفعته فلابد مع ذلك من الإقرار بأن ذلك المفهوم قد تغير على مر العصور، وأن مساعى الوصف والحد لم تنته إلى تعاريف واضحة"([9]).

فقد ثارت أوروبا على التصور الأرسطى لفكرة الأنواع الأدبية، هذا التصور الذى يفصل بحدة بين الأنواع الأدبية. "وقد شن بنديتو كروتشيه فى الاستطيقا 1902هجوما على المفهوم لم تقم بعده قائمة"([10]). وعند بندتوكروتشيه أن الفن " حدس أو حدس غنائى، ولما كان كل أثر فنى يعبر عن حالة نفسية، وكانت الحالة النفسية فريدة وجديدة أبدا، فإن الفن يتضمن حدوسا لانهاية لعددها ولا يمكن أن يجمعها تصنيف، إلا أن يكون هذا التصنيف مجمعا من عدد لا نهاية له من الزمر، ولن تكون هذه الزمر عندئذ زمر أنواع بل حدوس"([11]).

فالنوع فى أساسه رؤية للعالم، ومن هنا فإن التدخل فى بنيته القارة هو نتيجة طبيعية لرؤية مختلفة للعالم. ومن هنا فإن فكرة الثبات التاريخى فى الأنواع الأدبية لاقت هزات متنوعة، عبر التاريخ وذلك من خلال عمليات التراسل الكبرى والواضحة بين الأنواع الأدبية. "إن كل عصر من شأنه أن يكون قادرا على اختراع أجناس جديدة موافقة لحساسيته، ولما يجرى فى الوقت، محبطا بذلك كل تصنيف نهائي"([12]).

والنوع "كينونة اجتماعية ـ تاريخية وكذلك كينونة شكلية، وينبغى أن تعالج تحولات النوع فى سياق علاقتها مع التغيرات الاجتماعية"([13]). وفي هذا الصدد فإن فن الرواية له خصوصية خاصة لأن "الرواية هى الفن الوحيد الذى يعيش فى صيرورة دائمة، ولا يزال غير مكتمل"([14]). وإذا كانت الرواية فنا غير مكتمل على حد تعبير ميخائيل باختين فهى من هذه الزاوية فى صيرورة دائمة تظهر فيها تجليات شديدة الاختلاف والتنوع.

رواية كل من عليها خان وكسر مركزية النوع:

وهذا العمل الأدبى "كل من عليها خان" للأديب المصرى السيد حافظ له بنية تركيبية خاصة تجعله يقف دليلا على اتساع العمل الأدبى لما تواضع عليه البعض لأنواع مختلفة. وبذا ينقض فكرة الفصل الحاد بين الأنواع الأدبية.

فالمتلقي يدخل عالم هذه الرواية ولديه توجه بأنه يتلقى عملا روائيا، لأن الغلاف مكتوب عليه "رواية"، ولكن هذا التوجه لايلبث أن يجد ما يناوئه فى متنها حتى يصل المتلقى إلى سؤال مشروع. وهو هل هذا العمل يعد رواية بالمعنى المكرّس له فى الأدب؟.

فعند قراءة الكتلة النصية لهذا العمل تبدو صعوبة التصنيف واضحة، ففيه شهادات وفيه رواية متوالدة داخل رواية وفيه سبع مسرحيات ذات طول مختلف عن المسرحيات التقليدية وفيه أصوات ذات تعدد واضح وفيه قصائد قصيرة لشعراء متنوعين. وفيه كتابة تليفزيونية وإذاعية وكتابة تاريخية.

ومن المعروف أن معنى الرواية يتسع كل لحظة إنتاج رواية، فقد تسربت مياه كثيرة تحت الجسر جعل من محاولة القبض على تعريف جامع مانع للرواية عملا يكاد يكون شبه مستحيل.

ولكن رغم ذلك فإن أعمال السيد حافظ، خصوصا فى هذه السباعية التى تتحدث عن روح سهر وتجلياتها، والتي يعد هذا العمل "كل من عليها خان" محطته الرابعة تخلخل الجسر نفسه وتضعه فى أماكن مراوغة ولا تكتفى أبدا بعملية تسريب مياه ولو كانت غزيرة من تحته.

وهنا تظهر بوضوح عملية counter attack حيث يحمل العمل فى بنيته العميقة عناصر مضادة له، فيدور صراع بين العمل ونفسه.

ولذا فإن هذه الرواية تثير سؤالا مضمونه: هل نحن أمام جنس أدبى جديد؟ أم نحن أمام فوضى نوعية؟. وفي هذا الصدد يبدو أن الخروقات النوعية فى هذه الرواية تأتي وكأنها عمل منظم ومقصود. وهناك تجاوب عميق بين الأنواع فيها. وهنا تبدو مسألة مضمون الشكل ذات أهمية بالغة، فلكل شكل مضمونه. حيث تتشكل الدلالة من خلال هذا الشكل. أو بالأحرى تؤثر هوية النوع الأدبى على عملية إنتاجه من ناحية المبدع وعلى عملية تلقيه من ناحية المتلقى.

فإذا كان العمل المنتج هو فى شكل رواية فإن ذلك يجعل عملية التوقع عند المبدع والمتلقى ذات أفق خاص بشكل الرواية. كما تبدو مسألة التقاليد السائدة أو الرؤية الاجتماعية للعالم ذات أهمية كبرى فى الكشف عن إمكانية خروج الكاتب عن هذا السائد أو جبنه أمامه. لأن الكتابة التى تستطيع مجابهة العالم الاجتماعى والتاريخ الحضارى والاجتماعى للثقافة الاجتماعية السائدة تختلف بلا شك من كاتب لكاتب.

وهناك مناطق كتابية فى مجتمعنا قد تودى بحياة كاتبها نفسه إذا دخل فيها بغير حذر. ولم يكن الكتّاب دائما ذوى قدرة على تحمل عبء هذه المواجهة ذات الشراسة الفاتكة.

وعند بيار زيما أن "المجتمع يتمظهر فى النص الأدبى، من خلال مسار تناصى، هو المسار الحوارى الاستيعابى، (النقدى ، المعارض والمتهكم) الذى تسلكه نصوص الآخر"([15]).

والشكل هنا لا شك يلفت النظر. لأن الكتلة النصية لما استقر عليه المؤلف وهو جنس الرواية كما كتب على الغلاف تأتى متكسرة، ويترواح سردها من خلال عملية قطع على مدار سبع مرات لكى يتخللها مسرودات منتمية لأنواع أخرى. وهذه المسرودات تأتى بطريقة حادة فى انتمائها للأعمال الأخرى، مما يثير سؤالا جوهريا، مضمونه ما مدى قدرة الأنواع الأدبية فى صورتها الحادة على قبول تسكين مثل هذه الكتابة فيها؟.

لأنه "ما من نظرية تستطيع أن تستنفذ كل المعانى والقيم الكامنة، حتى فى عمل أدبى واحد، فالعمل الأدبى لا يكف عن إدهاشنا بما لا نتوقعه منه وإلا كف عن كونه عملا أدبيا"([16]).

وهنا تظهر أهمية فكرة المهيمنة التى نادى بها الشكلانيون الروس، وقد صاغ رومان جاكبسون هذه الفكرة بقوله: " قد تتعرف المهيمنة بأنها العنصر المركزى فى العمل الفنى: تحكم العناصر الأخرى وتعينها وتحولها. هى التى تضمن تماسك البنية. المهيمنة تخصيص للعمل. يهيمن عنصر لسانى خاص على العمل برمته، يفعل فى العناصر الأخرى فعل الآمر الناهى الذى لا راد له، يكون تأثيره فيها مباشرا"([17]).

في ضوء ما سبق "يمكن أن نعاين الأثر الواحد من زوايا أجناس عدة تتقاطع داخله وراء عنصر مهيمن يتحكم في نظامه"([18]).

وهنا يظهر رأى رولاند بارت الذى يرى أن فكرة الأنواع قد انتهت فى مقابل حضور فكرة الكتابة. ([19]). وفكرة الكتابة تستوعب مثل هذه الإبداعات التى تحمل فى كتلتها العميقة عناصر تناقضها أو Counter Attack ، فهناك تناقض على مستوى النوع يهاجم النوع المركزى الذى يسعى الكاتب لتثبيته.

"إن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا، فالحدود بينها تُعبر باستمرار والأنواع تُخلط أو تُمزج، والقديم منها يُترك أو يُحور، وتُخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معه المفهوم نفسه موضع شك"([20]).في ضوء ذلك تظهر رواية كل من عليها خان للكاتب المصري السيد حافظ وهي تكسر بنية النوع الأدبي.

تتحدد فكرة رواية "كل من عليها خان" من خلال اعتقاد قديم له مؤمنون به حتى الآن، وهى فكرة تناسخ الأرواح. وفيها "الإنسان تنتقل روحه إلى غيره، وهذا ما يدعى بالتقمص. هناك شعوب يؤمنون بها بشكل كلي، ونحن منهم. نؤمن بالتقمص في الحياة السابقة حتى المتقمص يتعرف على أقربائه السابقين. فقد يكون عمر الطفل 5 سنوات يتعرف على ابنه الكبير من الحياة. ويقال إن المتقمص لا يغير جنسه، فالرجل يبقى رجلا وكذلك المرأة تبقى امرأة، وإذا كان الرجل سيئا تنتقل روحه إلى امرأة وتظل امرأة عقابا له"([21]).

وكل تناسخ سيحمل حكاية تامة لتجل من تجليات سهر بطلة الرواية عبر الزمان، حتى تتناسخ روحها سبع مرات كاملة. وحكاية وجد مع نيروزى في عصر المستنصر بالله الفاطمي هى التناسخ الرابع لروحها. ولا شك أن هذه الفكرة تشير إلى دائرية التاريخ على أرض مصر وتناسخه، فما حدث على أرض مصر منذ فجر تاريخها يتكرر حدوثه بصور مختلفة، تجعل من فكرة التناسخ فكرة رمزية تطل بأجنحتها دائما.

وقد طبعت هذه الرواية كما جاء فى رقم الإيداع الخاص بها عام 2015. وهذا العام كان ضمن الموجة العاتية من الموجات المتتابعة لثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 التى أطاحت بحكم مبارك الذى ظل يحكم مصر على مدار ثلاثين عاما كاملة، والموجة العاتية الثانية من الثورة المصرية وهى ثورة 30 يونيو 2013م التى أطاحت بحكم الإخوان المسلمين فى مصر متمثلا فى الرئيس محمد مرسى الذى حكم مصر عاما واحدا. وهذه الفترة الاجتماعية والسياسية فى تاريخ مصر لها تداعيات هائلة على الشعب المصرى. ولم تكن رواية كل من عليها خان ببعيدة عن التأثر بهذه الموجات المزلزلة التى كشفت عن جوهر الشعب المصرى فى رغبته العميقة فى الحرية ونهوضه بصنع التاريخ.

تقول وجد مخاطبة الخليفة المستنصر أثناء قيادتها لثورة النساء من أجل التغيير:

" وجد : لقد فاض بنا الكيل. ذنبنا وذنب كل من ماتوا في رقبتك..

يسقط .. يسقط هذا النظام.! (تهتف النساء خلفها) يسقط تجار مصر (تهتف النساء خلفها) .. تسقط تسقط الوزارة.. عيش حرية عدالة اجتماعية.. ذنبنا في رقبتك!" ([22]). فشعار ثورة يناير"عيش حرية عدالة اجتماعية" يستغله المؤلف هنا، ويجعل فجر مفجرة الثورة ترفعه شعارا لثورتها في العصر الفاطمي. ولا تخفى رمزية الاسم هنا، ففجر مفجرة الثورة ترمز إلى فجر الحرية الذى بدت ملامحه تلوح في الأفق.

ومن هنا فقد كشفت هذه الرواية عن ملامح ثورية أصيلة وكاشفة من خلال تراسلها مع الواقع المصرى فى عهد المستنصر بالله الفاطمى، حيث ظهرت فى عهده الشدة المستنصرية، وتراسلها فى الوقت نفسه مع الواقع المصرى فى اللحظة الراهنة على لسان السارد المحوري فتحي رضوان الذى نهض بسرد شريحة كبيرة مما ينتمى للعصر الحديث وارتداداته الكاشفة لواقع نماذج مصرية أصيلة متمثلة فى جيرانه، هذه الارتدادات التى ترشح لثورة عنيفة لا تبقى ولاتذر. فالبنية المركزية التي ترويها شهر زاد عن روح سهر التي تجلت في تناسخها الرابع في وجد بنت عمار الحلاق تأتي متكسرة، فهى لا تأتى كتلة واحدة، وإنما تتوزع على مدار العمل كله، حيث يقطعها ظهور مسرودات أخرى من أنواع مختلفة ثم تعود وتنقطع وهكذا. وقد بدت العملية المقصودة لتكسير خطية الزمن، وتكسير الرؤية المركزية للراوى من خلال تبدل الرواة. وتكسير النوع نفسه وذلك عبر المراوحة بين أنواع كثيرة ومتعددة فى هذه الرواية الجامعة. وكأن المؤلف يحلم لعمله أن يبتلع الأنواع ومن ثم يبتلع العالم.

وظهرت المراوحة بين حضور الراوى المركزى وغيابه مما تواءم مع حركة الحضور والغياب للنوع الأدبى المهيمن. الذى كان يفسح المجال لحضور أنواع أدبية أخرى. فالكتابة الحداثية " لا تؤمن بالحدود إنها كتابة عبر حدودية عبر نوعية، عبر شكلية، عبر جنسية، عبر ثقافية عالمية، مهمتها السطو على ممتلكات الآخرين، ومن هنا لايستطيع القارئ أن يتبين هويتها الأصلية، يختلط الرسمى بالشعبى والهامشى، الشعرى بالسردى، والأدبى بالفلسفى، والتاريخى والدينى بالأسطورى والوثنى، وأصبح النص المعاصر نصا محيرا وهادما لضوابط وأشكال اشتغال اللغة فى غالب الأحيان باسم الحداثة والتجديد"([23]).

عنوان الرواية:

وفى العنوان "كل من عليها خان" يأتى الضمير بلا مرجع سابق، فلم يحدد العنوان المقصود بالضمير فى "عليها". وهنا تسهم معرفة المتلقى بإنتاج السيد حافظ وطبيعته فى التوجه إلى مصر باعتبارها المكان المحوري فى روايات السيد حافظ، خصوصا تلك المجموعة السباعية. كما أن الانتهاء من قراءة الرواية سيمنح المتلقى مرجعا للضمير الوارد فى العنوان بأثر رجعى. والعنوان وكلمة رواية المكتوبة على الغلاف يوجهان القارئ إلى دوائر دلالية معينة تتحرك فى دائرة كبرى هى خيانة كل من على المكان المحدد فى هذه الرواية. وتظهر عملية التحفيز لذهن المتلقي من خلال حذف المفعول به فى العنوان، لأن العنوان لم يذكر المفعول به للفعل "خان". فيتحرك الذهن عبر مدلولات كثيرة متنوعة يحاول بها تسكين الفراغ الناتج عن حذف المفعول به. لأن الذهن سيتحرك للبحث عن من الذي خانه هذا الكل أو ما الذي تمت خيانته؟.

ويظهر بوضوح فى هذه الرواية مدى الاهتمام بالمتلقى. ومنذ العنوان حاول الكاتب أن يحد من سلطاته فى اختيار العنوان منفردا وأشرك معه المتلقى فى عملية اختيار العنوان. وهذه الشراكة من جانب المتلقى فى اختيار العنوان تحمل فى طياتها بوضوح اختلاف القراءة والتأويل تبعا لاختلاف العنوان. وتشرك الرواية القارئ فى اختيار عنوان من سبعة عناوين مقترحة. ولكن هذا يأتى بعد ظهور العنوان المركزى "كل من عليها خان" على غلاف الرواية. بعده تأتى ستة عناوين متتابعة يطلب المؤلف من القارئ اختيار العنوان الذى يوده، لكن الملاحظ أن اختيار القارئ لن يغير من الأمر شيئا. لأنه ببساطة لن يستطيع إرجاع النسخ المطبوعة والمتداولة فى السوق إلى المطبعة مرة أخرى من أجل تغيير العنوان. ولو حدث أن مجموعة من القراء اختاروا عنوانا وآخرين اختاروا العنوان الثالث وآخرين اختاروا العنوان الرابع وهكذا، فالحيرة ستكون شديدة فى تثبيت العنوان المقترح.

فالعنوان المركزى الذى تم وضعه على الغلاف "كل من عليها خان" إذا اعتمده المتلقي سيوجه قراءته بطريقة ما لتصور الأحداث والشخصيات والتكنيكات الروائية الأخرى. أما إذا اختار عنوانا آخر مقترحا من العناوين الستة الباقية التى اقترحها المؤلف فستأخذ قراءته منظورا آخر وهكذا. بل إن وجود العناوين السبعة وعرضها على القارئ ليختار منها يجعل المتلقى يضع فى اعتباره القراءات المختلفة لهذا العمل، ويوجدها كطبقات قرائية عميقة أو كدوائر متداخلة تمنح الرواية اتساعا وعمقا. ومن الملاحظ أن العناوين السبعة تنتمى لدائرتين دلاليتين كبيرتين، الدلالة الأولى هى التى تحملها صيغة كل من عليها خان/ كل من عليها جبان / كل من عليها هان/ كل من عليها بان. هذه الصيغ الأربع تتراسل مع "كل من عليها فان" وهى آية قرآنية مقدسة من سورة الرحمن. ويلاحظ الترتيب الدلالى فيها فالخيانة تذكر بعملية الخسة والجبن التى تؤدى إلى الهوان فتؤدى إلى البينونة عن تراب هذا الوطن أو ظهور خيانته للجميع بصورة بيّنة. فى حين تأتى الدائرة الدلالية الثانية من منظور آخر وهو "فنجان شاى العصر" و"الرائى([24])".

بعد ذلك يقول " صديقي القارئ:

يمكنك الآن أن تختار عنوانا من السبعة، وتبدأ في قراءة الرواية بالعنوان الذي اخترته أنت.. دعك من اختياري فأنت من الآن شريكي"([25]) وهنا يظهر ضمير المخاطب. "إن ضمير المخاطب، وكل ضمير آخر من ضمائر السرد، لا يمكن أن يعمل وحده بمعزل عن الضمائر الأخرى، كما أن ضمائر السرد جميعا، ليست سوى عنصر واحد من عناصر أخرى متراكبة ومتفاعلة، يتألف منها العمل القصصي في النهاية."([26]). ومن الملاحظ أن العناوين السبعة هى من وضع المؤلف وليست من وضع القراء. فدور القارئ هو فى اختيار عنوان من بين بدائل مطروحة. وهذا الاختيار سيكون له فقط وغير مفروض على الآخرين. ومن هنا فإن الحرية التى يمنحها المؤلف للقارئ هى حرية مقيدة. فقد منحه سبع دوائر يتحرك فيها فقط. بل ويتحرك ـ فى الغالب ـ وحده. ويبدو نوع من التراسل فى ذلك مع كثير من الفكر الإسلامى الذى يرى أن القرآن نزل على سبعة أحرف. والكثير من فكر المتصوفة خصوصا ابن عربى الذى يرى أن القرآن له سبع طبقات من المعانى تتراوح بين الظاهر والباطن([27]). وفى القرآن الكريم سبع من المثانى. وفى الكلام الشعبي الشائع أن القطة لها سبعة أرواح. والله خلق سبع سماوات طباقا. وفي مقابل السماوات السبع نجد أيضا الأراضين السبع. ومن هنا فإن هذا العنوان بتشكيلته تلك يستدعى جانب الظاهر والباطن. وبعد قراءة الرواية سنجد التجاوب مع العدد سبعة في متنها، فهناك سبع سنين عجاف، هي ما اصطلح على تسميته في التاريخ بالشدة المستنصرية التي تتراسل مع السنوات السبع العجاف في عهد النبي يوسف عليه السلام، وتستدعيها الرواية بصورة واضحة، وسبع برديات تنقل صوت المصريين الجوعى للنبي يوسف بن يعقوب عليه السلام، وهذه البرديات السبع تتوزع على مدار الرواية، وهناك سبع مسرحيات وسبع دراسات ملحقة بالرواية لسبعة كتاب. مما يجعل تجاوب متن الرواية مع عنوانها قائما.

نص الرواية:

يبدو التراوح بين بنية الحكاية المركزية القديمة من ناحية وبنية الحكاية المركزية الحديثة من ناحية أخرى. فالبنية المركزية القديمة تتحدد من خلال حكاية وجد مع نيروزى وما تكشف عنه هذه الحكاية من واقع سياسى وواقع اجتماعى شديد التهرؤ والهشاشة فى عهد الدولة الفاطمية، خصوصا فترة حكم المستنصر بالله الفاطمى. التى شهدت مجاعة تامة أكلت الأخضر واليابس واستمرت على مدار سبع سنوات عجاف كاملة وصلت فيها روح الشعب المصرى إلى الحلقوم. وكان ذلك بسبب من جشع التجار حتى باع المصريون أولادهم وبيوتهم مقابل حفنة من قمح.

وهنا تقيم هذه الرواية تراسلا بين هذه الفترة من ناحية وفترة سيدنا يوسف من ناحية أخرى. فدائما تبدأ باجتماع ياقوتي التاجر اليهودي بفتح الله شهبندر التجار وكبار التجار لكي يعتمدوا خطة ياقوتي في عملية التجريد المدروسة للشعب المصري من كل مايملك مقابل حصوله على لقيمات لا يقمن صلبه. وكانت كلمة ياقوتي دائما ما تأخذ خطتها مما فعله يوسف عليه السلام ـ من منظور الرواية ـ بالمصريين من قبل.

أما البنية المركزية الحديثة فتتناول حياة البطل فتحى رضوان مع حبيبته سهر التى تتجاوب شخصيتها مع شخصية وجد فى بنية الحكاية المركزية القديمة. وكانت شهر زاد هي الجامعة بين البنيتين المركزيتين: القديمة والحديثة.

والبنية المركزية الحديثة للرواية والتي يذهب بالنصيب الأكبر فيها سرد فتحي رضوان وسرد شهر زاد وسرد سهر نجد في سرد فتحي رضوان رواية داخل الرواية. هي الرواية التي يكتبها فتحي رضوان تحت عنوان "مذكرات رجل يضاجع الوطن والتاريخ"([28]). وهي رواية عن قصة قابيل وهابيل، وما شجر بينهما من خلاف كان نتيجته اغتيال قابيل لهابيل بسبب نارمر أخت قابيل التي زوّجها آدم لهابيل. ولكن قابيل رفض ذلك وقتل أخاه وتزوج نارمر عنوة، ولكن اللعنة ظلت تطارده، ولم يستطع أن يقيم اتصالا حميما معها. ويبدو تجاوب قصة قابيل وهابيل مع البنية المركزية الحديثة للرواية باعتبارها خلافا بين أخوين على المرأة. لأن سهر بطلة الرواية متزوجة من منقذ ولها مع فتحي رضوان خليل قصة حب تصل إلى أعمق الأعماق. ولم يقتصر هذا التجاوب على تجاوب روح سهر مع وجد وإنما سبقتها تجاوبات أخرى على مدار التاريخ المصرى.

وكان لوجود أكثر من سارد دور فى عملية الخلخلة للمركزية النوعية في هذه الرواية. فكان هناك سارد خفي يتخذ من الضمير الثالث "هو" نسقا معتمدا، ينقل مسرودات الشخصيات المركزية، وينظم عمليات الظهور والخفاء لأصواتها، فمثلا يقول عن فتحي رضوان خليل: "جلس فتحى رضوان خليل يكتب ........" ([29])، ويقول عن شهر زاد " شربت شهر زاد الشاى ومددت ساقيها.." ([30]).

ثم يترك سلطة الحكي للشخصيات فتطل علينا بأصواتها، فأحيانا يتمركز السارد في شخصية شهرزاد. وقد بدأت شهر زاد الحكى بطلب وجّهته لها سهر كى تحكى لها عن روحها الرابعة.

وأحيانا فى شخصية فتحى رضوان، وأحيانا في شخصية سهر، وفي أحايين كثيرة يأتي السرد على لسان شخصيات أخرى متنوعة. وفى أحيان أخرى ينحسر تماما دور السارد، فتطل الشخصيات الفاعلة فى محاكاتها للفعل نفسه، وذلك كما يظهر فى الشكل المسرحى الذى يستعين به هذا العمل، وأحيانا تأتي قصائد لشعراء متنوعين فجأة، أو مقالات أو برديات فيها نداء جماعي ليوسف الصديق.

وعلى الرغم من أن بنية الرواية وطبيعتها تتسع لابتلاع الكثير من الأصوات والفنون مما يجعلها معرضا حافلا فإن الأمر هنا يتجاوز ذلك لأن الفنون الأخرى التى تظهر من خلال هذه الرواية تأخذ مجالا واضحا فى البنية الروائية وتكسر كتلتها المركزية. وتظهر بنية هذه الفنون بطبيعتها المكرس لها. ولذا تصبح هذه الرواية معرضا للتعددية الصوتية فتظهر حالة الديمقراطية في خطاب المؤلف، حيث "إن القول السردي يكتسب فنيته بديمقراطيته، أي بانفتاح موقع الراوي على أصوات الشخصيات، بما فيها صوت السامع الضمني، فيترك لهم حرية التعبير الخاص بهم، ويقدم لنا منطوقاتهم المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة وبذلك يكشف الفني عن طابع سياسي عميق قوامه حرية النطق والتعبير"([31]).

ومن هنا فإن السياق الحواري بين النصوص المختلفة هو المهيمن فتطل نظرية باختين بقوة حيث "إن العنصر الأساسى فى نظرية باختين هو فكرته القائلة بأن غالبية ملفوظات الخطاب لا يمكن أن تدرك إلا فى سياق حوارى"([32]). وهنا يبدو السؤال الجوهرى عن مدى الانسجام بين هذه الأنواع المختلفة المتصارعة فى هذا العمل "كل من عليها خان" للسيد حافظ. ويبدو للمتلقي أنه على الرغم من الاختلافات النوعية الواضحة والفجوات الزمنية الهائلة فإن ذلك جعل هذا العمل يكتسب دلالة خاصة من خلال ذلك. "وإذا كان الربط (الاتساق) يظهر فى المستوى السطحى للنص من خلال الجمل فإن التماسك (الانسجام) يظهر فى المستوى العميق للنص الذى يوضح طرق الترابط بين التراكيب التى ربما لا تظهر على السطح"([33]). ويتواءم هذا العمل مع الواقع الاجتماعى فى كثير من تجلياته التى تنحو نحو إبداع يمثل واقعنا الاجتماعى والسياسى فى هذه اللحظة التاريخية وبذا لا يخضع بالضرورة للتصور الغربى السائد ـ خصوصا ما كرّسه أرسطو والكلاسيكية ـ لفكرة الأنواع الأدبية.

ويبدو السرد الحيادى مهيمنا على السرد فى الكتلة السردية التي تختص بالروح الرابعة لسهر من خلال تجسدها فى وجد بنت الحلاق فى العصر الفاطمى، "إن السرد واسع المعرفة بلسان الشخص الثالث نوع من أنواع اللغة الشارحة (الميتالغة)"([34])، حيث تأتينا عن طريق سرد شهر زاد التى تقص علينا حكاية وجد، وهى ليست مشتركة فى هذه الحكاية لا من قريب ولا من بعيد وإنما تنقل سردها العليم لنا. ولكن عند التعمق في قراءة الرواية يجد القارئ تجاوبا عميقا بين شخصية شهر زاد من ناحية وشخصية فجر زوج فتح الله شهبندر التجار والتي قادت ثورة النساء في العصر الفاطميمن ناحية أخرى. كما يجد هذا التجاوب بين الشخصيات النسائية المهيمنة في الرواية، حيث ظهر في الكتل السردية القديمة : وجد/ نيروزي مدى التراسل بين وجد وفجر وكأنهما وجهان لشخصية واحدة، وظهر في الكتل السردية الحديثة: سهر/ فتحي مدى التجاوب بين سهر وشهر زاد، وكأنهما وجهان لشخصية واحدة، وبالتالي تظهر الشخصيات النسائية الأربع وكأنهما أربعة وجوه لشخصية واحدة. والملاحظ ان الذى يقص على سهر حكايتها هى شهر زاد، وهذا الاسم يتجاوب بوضوح مع شهر زاد ملكة الحكايات المدهشة كما ظهرت فى ألف ليلة وليلة. وهى تبدو هنا فى ثوب الراوى العليم الذى يعرف كل شئ عن روح سهر وتجلياتها عبر العصور من خلال فكرة تناسخ الأرواح.

أما الكتل السردية التي تأتي على لسان فتحي رضوان فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها يأتي بالضمير الأول "أنا" وهو سرد فتحي رضوان عن نفسه، وقسم قديم يأتي بالضمير الثالث "هو" وهو الرواية التي يكتبها فتحي رضوان داخل الرواية بعنوان "مذكرات رجل يضاجع الوطن والتاريخ"، وهي مرصودة لنقل قصة قابيل وهابيل، وهناك قسم حديث "نحن والقمر جيران" في سرد فتحي رضوان يرصده للحديث عن جيرانه في الإسكندرية حينما كان صغيرا، وفيه يكون الضمير الثالث "هو" مهيمنا. وهنا يبدو التراوح بين الموضوعية والذاتية فى السرد. وقد بدت بوضوح عملية التناوب السردية فى هذه الرواية خصوصا فى كتلتيها السرديتين الكبريين، فعالم الدولة الفاطمية وما نهض به من تجل للروح الرابعة لسهر فى شخصية وجد حبيبة نيروزى كان السرد فيه من نصيب المرأة متمثلة فى شهر زاد. أما العالم الحديث وما نهض به من تصوير البنية الاجتماعية المترهلة فى الوقت الراهن فقد نهض بشريحة كبيرة جدا منه الرجل متمثلا فى فتحى رضوان حبيب سهر.ومن الملاحظ أن جو الحب الذى تسبح فيه الرواية في كتلتها المركزية الحديثة لا يقيم اعتبارا كبيرا للوضع الاجتماعى للحبيبين. فسهر متزوجة وفتحى رضوان متزوج ولكن هذا الزواج لا يمنع الاثنين من ممارسة الحب فى أقوى مظاهره.وكأن هذه الرواية تسبح فى جو ما قبل التحليل والتحريم.

ويبدو الاهتمام بالمتلقى واستحضاره فى الطبقة السطحية من الخطاب، فى نهاية كل شريحة من الحكاية المركزية حينما يتوجه إليه بالخطاب بقوله "فاصل ونواصل". وحينما ينتهى من الفاصل النثرى، ويعود لاستكمال الحكى فى الحكاية المركزية يخاطب المتلقى خطابا صريحا، ويقول له "اقرأ الآن". "إن انبثاق ضمير المخاطب المفاجئ في سياق سرد بضمير المتكلم أو الغائب، غالبا ما يعني مشاعر أكثر تكثيفا، أو انخراطا انفعاليا حادّا في الموقف الموصوف."([35]).

وقد ظهر بوضوح المكان المعادى فى هذه الرواية، حيث ظهر من تجلياته المكان المنفى، فقد فر نيروزى ووجد إلى أسوان هربا من البطش والعسف من التجار. كما ظهر أيضا من تجلياته مكان الهروب، وهو المكان تحت الأرض عند الشيخ الكفيف الذى آوى نيروزى ووجد وأمها وأباها خوفا من الاضطهاد. كما تحولت مصر كلها فى الكتل المركزية القديمة من هذه الرواية إلى مكان معادٍ لسكانه، فقد كان السكان لا يأمنون أبدا على أنفسهم، وكان الخطف ظاهرة موجودة تهدد الناس جميعا، وانتشرت ظاهرة أكل لحوم البشر بصورة هائلة. وظهر المكان باعتباره مكان غربة بالنسبة لشخصيات متعددة فى هذه الرواية. فنيروزى غريب عن موطنه الأصلى ووالد وجد غريب هو أيضا عن موطنه الأصلى وأبو زيد الهلالى سلامة وهو من شخصيات الرواية غريب هو أيضا عن موطنه الأصلى. وشخصيات أخرى متعددة في "كل من عليها خان". كما ظهر عنف المكان وعدوانيته الشديدة في إيران أيضا من خلال الحديث عن حسن الصباح وقلعة الموت. وفي الكتل المركزية الحديثة تحول المكان في الإسكندرية موطن بطل الرواية فتحي رضوان إلى مكان شديد الإجهاد لسكانه، فمعظمهم لا يملكون سكنا آدميا. معظمهم تكدسوا في غرفة واحدة من شقة مشتركة مع آخرين. وقد أكلهم الفقر الذي لا يرحم. وانتهى مصيرهم نهايات غير مرضية. وهم يتجاوبون مع الشخصيات البائسة من عامة الشعب في سرد شهر زاد عن حال المصريين في الشدة المستنصرية. وفي الكتلتين شخصيات مغتربة جاءت إلى المكان ولاقت من قسوته ما يفوق التصور. وإذا كانت القاهرة الفاطمية هي المكان المحوري في سرد شهر زاد فإن الإسكندرية هي المكان المحوري في سرد فتحي رضوان. مما جعل البؤس يتجاوب بين أهم مدينتين في مصر، وبالتالي عبر الأماكن فيها، ويتجاوب أيضا عبر الأزمان. كما ظهر المكان المتميز جدا في مدينة دبي التي يعيش فيها الأبطال المركزيون لهذه الرواية، سهر وفتحى وشهر زاد وغيرهم، وانطلق السرد من هذا المكان الذي شهد تجليات الحب الحميم بين سهر وفتحى. وكان نادي الجولف والفندق الفاخر وشقة سهر وشقة فتحي من تجليات المكان في مدينة دبي.

ومعظم الشخصيات في هذا المكان شخصيات مغتربة عن أرضها، فسهر ومنقذ زوجها وشهر زاد من الشام وفتحي وزوجته من مصر. وقد جاءوا جميعا إلى دبي من أجل لقمة العيش. ولم يُظهر المكان في الكتل السردية الخاصة بدبي عنفا خاصا به ضد شخصيات الرواية.

وقد كان للزمان في هذه الرواية ملامح خاصة، فعلى الرغم من أن الرواية لا تستغرق مدة زمنية كبيرة، لأنها في جوهرها حكاية شهر زاد لسهر عن روحها الرابعة، وسرد فتحي لشريحة من حياته في دبي، وسرد سهر عن نفسها وحبها لفتحي فإن عمليات الارتدادات الكثيرة والمتنوعة والفجائية جعل البنية الزمنية تمتد وتتعمق. فقد تم استدعاء بدايات البشرية من خلال رواية فتحي رضوان خليل داخل الرواية الأصلية عن قابيل وهابيل والتي جعل عنوانها "يوميات رجل يضاجع الوطن والتاريخ"، وتم استدعاء زمن النبي يوسف من خلال صوت ياقوتي التاجر اليهودي ومن خلال البرديات السبع التي يتوجه فيها المصريون إلى النبي يوسف عليه السلام. وبالطبع نذرت الكتل السردية القديمة نفسها لنقل فترة السنوات العجاف في عهد المستنصر. وظهرت الفترة الزمنية الحديثة من خلال سارد مفارق يسرد عن شهر زاد وفتحي رضوان خليل وسهر. وهنا يتضح أن "الرواية دون سائر الأجناس الأدبية الجنس الذى يتصرف فى الزمن بأكبر قدر من الحرية"([36]).

وتبدو الشخصيات في هذه الرواية ذات كثرة واضحة وتنوع كبير. وفيها شخصيات قامعة هى شخصيات التجار الذين كان لهم أكبر دور فى حدوث المجاعة الرهيبة وشخصيات العسكر والجنود، وهناك شخصيات مقموعة تتلقى أشد الألم بسبب من هذه الشخصيات القامعة مثل شخصية وجد ونيروزى وغيرهما من الغالبية الغالبة من الشعب المصرى فى تلك الآونة من عصر الدولة الفاطمية والتى تطل كخلفية عميقة للأحداث.

وكان تركيز الرواية على شخصيات المهمشين كبيرا سواء في القديم أم في الحديث. وكانت الكتل السردية التي نهض بها فتحي رضوان بعنوان"نحن والقمر جيران" مرصودة للشخصيات المهمشة التي تسكن في حي محرم بك في الإسكندرية، وهي شخصيات تتلقى أشد أنواع الألم بسبب فقرها المدقع، وقد بدوا وكأنهم يعيشون بيننا، "إن إحدى أكثر الوسائل شيوعا لفحص الطابع "الأدبي" لمسرحية أو رواية هي معاملة شخصياتها وكأنهم أناس اعتياديون. ويبدو من الصعب تقريبا تجنب مثل هذا الموضوع"([37]).

وللمرأة في هذه الرواية حضور واضح ويكفي أن التى قامت بالثورة على المستنصر اسمها فجر زوجة شهبندر التجار، وقد دفع شهبندر التجار وزنها ذهبا مهرا لها، ولا تخفى دلالة الاسم وتراسله مع فجر الحرية وأن الحرية تستحق وزنها ذهبا. "فجر أنثى. تزوجت وكان مهرها وزنها ذهبا دفعها شهبندر التجار." ([38]). وقد تراسلت إيجابية فجر زوج شهبندر التجار مفجرة الثورة ضد الحكم الفاطمي الفاشل مع الإيجابية الواضحة التى سجلتها الثورة المصرية فى 25 يناير وفى 30 يونيو، حيث كان للمرأة المصرية دورها الإيجابى الواضح فى المد الثوري الذى أبهر العالم.

ويرى ماركس أن "الطبقة المالكة وطبقة البروليتاريا تمثلان نفس الاستلاب للذات الإنسانية. غير أن الأولى تشعر بالرضا فى إطار هذا الاستلاب الذاتى لأنها ترى فيه قوتها الخاصة وتحتوى على مظهر الوجود الإنسانى، فى ذاتها، أما الثانية فتشعر أنها مسحوقة، فى نطاق هذا الاستلاب وترى فيه عجزها، وواقعا لحياة غير إنسانية أيضا، إن هذا على حد تعبير هيغل، يكمن فى التخلى، والثورة على التخلى، ثورة تجد البروليتاريا نفسها مدفوعة إليها بالضرورة، عن طريق التناقض الناجم عن طبيعتها الإنسانية بالتناقض مع وضعها الحيوى الذى يشكل نصا صريحا وباتا وعالميا لهذه الطبيعة"([39]).

المسرحية:

يحمل هذا العمل أيضا بين جوانبه سبع مسرحيات متنوعة. وهذه المسرحيات نثرية بالأساس، وتتميز بالقصر الشديد، حتى تصل فى بعض الأحيان إلى أقل من صفحة واحدة، ولكنها تحمل بنية مكتملة. وهي مسرحيات تتميز بجو الفجيعة، وكان حضورها موائما للدلالة العامة في هذه الرواية التي تنقل جوا فجائعيا فائقا خصوصا في البنية المركزية القديمة التي تحكيها شهر زاد عن روح سهر التي ظهرت في وجد وذلك في العصر الفاطمي.

و "يطلق البعض لفظة "دراما" على مثل تلك المنظومات "المسرحيات" التي تقدم أشخاصا وهم يؤدون أفعالا"([40]). ومعظمها نجد فيه صوت الشخصيات محدودا. حيث تبدو الشخصيات فاعلة أكثر منها ناطقة، وهناك سارد ينقل لنا ماتقوم به. ذلك فى المسرحيات القصيرة جدا التى تستغرق صفحة واحدة. ومعظم هذه المسرحيات يحمل إدانة لهذا العالم. وقد تنحسر الشخصيات انحسارا يكاد يكون تاما و"بدون الفعل لن تكون هناك تراجيديا، ولكن يمكن وجود تراجيديا بدون شخصية"([41]).على نحو ما نجد في المسرحية التالية:

مسرحية قصيرة جدا

تظهر على المسرح ثلاث بقع حمراء..

تقترب بقعة الضوء الخضراء بجوارهما ..

يحدث ارتجاف وصراع بين الألوان..

ينخفض الضوء الأخضر حتى يختفي مع أصوات طلقات الرصاص ..

يظهر الضوء ..

يقوم الضوء الأحمر الثلاثي بنفس الصراع حتى يختفي الضوء الأبيض..

مع صوت إطلاق الرصاص تسقط لافتة من أعلى المسرح كتب عليها:

"البقاء للأقوى"

ستار"([42]).

وإذا كانت المسرحية فى جوهرها تنقل لنا شريحة من الحياة فإن هذه الشريحة فى هذه المسرحيات القصيرة جدا تأتى فى غاية القصر. ومنها المسرحية السابقة. ومتن المسرحية هنا يشير بوضوح إلى خشبة المسرح كما جاء في السطر الأول.

وإذا كان الحوار هو من أهم مايميز فن المسرحية فإنه في هذه المسرحية ينحسر تماما مفسحا المجال للسرد، وهو من أهم مايميز فن القص. وهنا يحدث تداخل فني حيث يوجه العنوان "مسرحية قصيرة جدا" عملية التلقي تجاه الفن المسرحي ومن أبرز خصائصه الحوار ليجعل السرد له الهيمنة. وهو سرد يتميز بالسرعة والحركة نتيجة اتخاذ الفعل المضارع نسقا معتمدا. وهنا يبدو التداخل النوعي بين فن المسرحية من ناحية وفن القصة القصيرة من ناحية أخرى.

وتظهر عملية الصراع بوضوح في هذه المسرحية هذا الصراع الذي يسفر عن نتيجة مهمة وهي البقاء للأقوى، وهذا يتجاوب مع حركة الصراع على مدار صفحات الرواية.

وفي ص97 مسرحية قصيرة جدا. وفيها نساء يقتلن الرجل الأول والثانى والثالث والمسرحية عبارة عن صفحة واحدة. وفيها يبدو تراسل النساء مع سنوات الجدب وقتلها للرجل أحد عنصري الخصوبة في هذا العالم. فالرجل والمرأة هما عنصرا الخصوبة، وهنا تقتل النساء الرجل، فتظهر العلاقة بينهما في أسوأ حالاتها. ولا شك أن هذه الدلالة تتجاوب مع الدلالة العامة في الرواية، حيث يظهر الجدب في سبع سنين عجاف تتكرر على مدار التاريخ المصري. وإذا كان الفن المسرحي يظهر بوضوح من خلال سبع مسرحيات مكتوب عليها مسرحية قصيرة جدا، فإن الكتلة السردية المرصودة لنقل حكاية الروح الرابعة لسهر التي تجلت في وجد، وكان ظهورها في العصر الفاطمي كثيرا ما تتحول إلى قالب حواري طويل، فتنقل لنا جوا مسرحيا واضحا، وتصبح اللغة الحوارية هى الأساس، حتى يختفى دور السارد فى كثير من الأحيان مفسحا المجال لعملية نقل الحدث التى تنهض بنقله الشخصيات المتحاورة، فتطل مسألة الموضوعية والتمثيل الرمزي للشخصيات بوضوح كما هو موجود في العمل المسرحي. ومن المعروف هيمنة بنية الحوار على فن المسرحية، فى مقابل هيمنة البنية السردية على الرواية. و"عند صاحب الجمهورية (فى الكتاب الثالث) أن المحاكاة لا وجود لها إلا إذا امّحى الشاعر فأوهم أنه يحاكى محاكاة تامة، كما هى الحال فى المسرح. أما إذا تكلم الشاعر أصالة عن نفسه، فى حكاية لا تختلط بها حوارات، فأنت فى القصة"([43]).

ومن هنا فإن صوت كل شخصية يبدو متميزا بوضوح وناقلا لفكرة صراع الرؤى وفكرة اختلاف المنظور لدى الشخصيات. ففي ص71 كمثال حوار مسرحى عن الغلاء، حيث تحولت الرواية إلى مسرحية فى هذا الموقف مما يساهم فى نقل الصورة النابضة للمجتمع.

و أحيانا في حميا نقل هذه الشخصيات لوجهة نظرها نجدها تتمرد على المؤلف نفسه، فتظهر الخارقة السردية، و"والخارقة السردية تعني (أشكال التداخل بين عالم القصة المضمنة وعالم القصة الإطار) وتحطيم الحدود المنطقية بينهما، مثل خروج الشخصية القصصية من عالم الحكاية أو أن يقتحم الراوي حدود القصة المروية كأن يدعو الراوي القارئ إلى مشاهدة شئ في العالم"([44]).والخارقة السردية في هذه الرواية تصبح مكونا بنيويا منها، فهي لا تأتي مرة واحدة وتنتهي.

" حسن : هل يخرج الأمير ويتركنا . . إذا سمح لي مولاي الخليفة..؟

الجمالي : سأخرج ولكن لا تطيل. مولانا لديه اجتماع بعد عشر دقائق.

حسن : اطمئن سأدعه في رعايتكم وأمانتكم بعد عشر دقائق.

حاجب الخليفة : أأقتله يا مولاي..؟

حسن : لا ....

الجمالي : (للحاجب مهددا) هو هيمشي وأنت حتفضل معايا. شوف أنا حأعمل إيه؟

حاجب الخليفة: شايف بيهددني يا مولاي الأمير حسن الصباح..؟؟

حسن : ما تخفش .. مؤلف الرواية صاحبي وحيتصرف معاه..." ([45]).

فهنا يتم كسر صرامة النوع حينما يجعل الشخصيات فى الجانب المسرحى الذى تحولت فيه الرواية تتمرد على المخرج والمؤلف. فيأخذ القارئ بعيدا عن الجو التراثى الذى استغرق فيه ويذكره بحاضره. وبذا "يحدث أن يلتقي المتن بالهامش في المتن ليصيرا جزءا من السرد، وهنا يتماوج المتخيل الروائي في حضور وغياب مع الواقع اليومي ومع السيرة الذاتية للمؤلف، وهذا ما يضارع في المسرح مبدأ التغريب بكسر الجدار الرابع، لكن الجدار هنا جدار روائي يتهادى ويقوض كما لو أنه يذكر القارئ ـ رفقا به ـ أنه بين دفتي متخيل، له أن يشارك بنسج خيوطه، وبالفعل أتاح له الكاتب هذه الفرصة التي لم يكن يحلم بها مع كاتب آخر ليصير شخصية من شخوص العمل، حتى شارك في مقاضاة المؤلف على نبشه بالسطور المفقودة عمدا من تاريخ مصر"([46]).وتبدو رغبة المؤلف الحقيقى/ السيد حافظ فى التجرد من ذاته المتكلمة لكى يراها فى عيون شخصيات روايته. وهنا يبدو نوع من الديمقراطية حينما تتم إزاحة المسيطر الحقيقى على مجريات الحكى ورسم الشخصيات، فيمنح لهذه الشخصيات الورقية صوتا حيويا تعبر به عن رفضها لما يفعله المؤلف بها.

ولم يحمل هذا العمل بين طياته مسرحية واحدة تتوزع على أجزاء منقطعة بفن السرد، ولكنها مسرحيات متعددة مكتملة رغم قصرها الشديد.

وفى الكتل السردية نجد الراوى يعيد علينا ما حدث فى حين نجد الأشخاص بفعلون في الكتل التى تنتمى للمسرح فى هذه الرواية. ومن هنا فإن الحوادث تعاش ولا يتم تذكرها. وهنا يبدو تطعيم الشكل الروائى بالشكل الدرامى فتصبح الرواية الدرامية لها الهيمنة "فى محاولة إقصاء السارد عن مسرح الحدث وتحييده وتهميشه، فى الاتجاه نحو الشكل المسروائى، وهى تندرج ضمن محاولات التجريب الروائى"([1]).
والعلاقة وشيجة بين فن المسرحية من ناحية وفن الرواية من ناحية أخرى حيث "إن الرواية نشأت عن الدراما مما جعلها تشتمل على العناصر المسرحية وهى إبداع أدبى متكامل يتخذ من العنصر الدرامى مكونا من مكوناته، أما المسرحية فهى مادة يبنى عليها العرض، فهى لا تقول كل شئ، وفى الرواية يمكن أن يجرى الحديث على لسان المؤلف أو على لسان الشخصيات ويستطيع المؤلف أن يعلق على الأحداث والشخصيات والمواقف فى حين يتعذر هذا التعليق فى النص المسرحى"([2]).

ومن هنا فإن لجوء المؤلف للشكل المسرحي يجعل هذه الرواية لا تسير في اتجاه واحد، ويجعل المتلقي يتقلب على أشكال نوعية مختلفة، تسهم في تشكيل الدلالة، كما يجعل المتلقي يرى الشخصيات وهم يفعلون.

الشعر:

هناك عدد (10) اقتباسات شعرية نثرية مزروعة عبر الكتل المتكسرة للرواية. وهذه الاقتباسات الشعرية تتميز بالقصر الشديد، ويتراوح طولها من ثلاثة سطور إلى أحد عشر سطرا. وهي ليست للمؤلف، وإنما لشعراء يذكر الكاتب اسم صاحب السطور الشعرية أسفل كل اقتباس. وهذه الاستدعاءات مكتوبة بخط أسود سميك يجعلها تختلف عن الخط الغالب المتبع في الكتابة المختلفة عن الشعر. وكانت المرأة شاعرة حاضرة في هذه الاقتباسات، فقد اقتبس لريتا عودة وإلينا مدن. وكانت الاقتباسات كلها من شعر الفصحى، وتنتمي لقصيدة النثر ما عدا اقتباسا شعريا واحدا ينتمي للعامية المصرية من إنتاج الشاعر محمد تقي الدين، وهو أطول الاقتباسات إذ وصل إلى أحد عشر سطرا.

وتأتي الاقتباسات الشعرية مزروعة عبر الرواية حتى ص238، بعدها تنحسر عن باقي الرواية التي تصل إلى 342 صفحة.

هذا عن الشعر الصريح، لكن تظهر بعض الملامح الشعرية القوية من خلال عمليات بوح المحبين خصوصا في سرد فتحي رضوان خليل وسرد نيروزي، إذ تكتسب كلماتهم طاقة شعرية مشعة.

وهنا يطل السؤال عن مدى ارتباط هذه المقتبسات الشعرية السبع بشخصيات الرواية، وبالنظر إلى البنية السطحية للرواية نجد ارتباط هذه المقتبسات الشعرية بشخصيات أخرى غير شخصيات الرواية، فهي مرتبطة بالشعراء الذين قالوها، وكتبت أسماؤهم أسفل كل مقتبس، كما أنها مرتبطة بالدواوين التي نشرت فيها والسياق الذي أبدعت من خلاله وتجاوبت معه. ولكن على مستوى البنية العميقة للرواية نجد نوعا من التجاوب والصدى لأحداثها. كما أن وجود هذا النوع الأدبي عبر مفاصل الرواية أسهم بدوره في تصفية الحكي، وانحسار الأصوات كي يبقى صوت واحد نقي، هو صوت القصيدة الغنائية، ثم لا تلبث الرواية أن تنقلب لكتلة نوعية أخرى، وكأننا في معرض له كتل نوعية مختلفة ولكنها في النهاية تتجاوب في رسم ملامح مأساة ممتدة على أرض هذا الوطن. ومن هنا كان الإسهام في توسيع الدائرة الدلالية العامة كي تشمل أنواعا أدبية وشخصيات أخرى غير شخصيات الرواية الأساسية.

القصة القصيرة:

ولم نعدم وجود نوع القصة القصيرة جدا في رواية كل من عليها خان، ولكنها لم تسجل حضورا ذا كثافة عالية وإنما أتت مرة واحدة. فقد جاء تحت عنوان: قصة قصيرة جدا

" كان الوطن يدخن سيجارة رخيصة على المقهى حافي القدمين.. توجهت إليه.. اختفى في لحظة وتبقى مكانه حذاء ممزق مهلهل وجريدة يومية أمسكت بها..

وجدتها بيضاء"

وقد جاءت هذه القصة في ص239 من الرواية التي تقع في 342 صفحة، وهنا تبدو مأساة وطن متجاوبة مع مآسي الرواية المستمرة عبر الزمن. ويبدو بوضوح مبدأ التكثيف الذي يميز القصة القصيرة جدا. وقد ظهر التكثيف من خلال القلة الواضحة لعدد الجمل المستخدمة، فقد وقعت القصة كلها في سطرين وجملة واحدة. ولكن المعنى الذي يستطيع القارئ أن يتفاعل معه كبيرجدا. فالشخصيات المذكورة في هذه القصة القصيرة جدا لا تزيد على شخصين، الشخص الأول هو الوطن. وهو تشخيص والشخص الثاني هو السارد المشارك.

التشخيص للوطن يبدو الوطن فيه في حالة فقر شديد، هذا الفقر فقر في الروح قبل أن يكون فقرا ماديا، فهو يدخن سيجارة رخيصة على المقهى حافي القدمين، مما يشير إلى حالة التسكع، والسيجارة الرخيصة والحفاء تدل على انهيار حضاري للوطن، وحينما ذهب إليه السارد باعتباره واحدا من أبنائه لم يجده، وهنا تكتسب كلمة اختفى مركز الثقل في هذه القصة القصيرة جدا، بما فيها من عمليات الخفاء والتجلي، فهو اختفى متجليا، لأنه فكرة في الضمير لا تنتهي، وحينما يختفي معنى الوطن تبقى ملامحه الفارغة في حذاء ممزق مهلهل وصحيفة يومية. وتصل المفاجأة إلى قمتها حينما نجد الصحيفة التي تركها الوطن بيضاء. مما يشير بطريقة ما إلى فقدان الذاكرة الوطنية.

أما الشخصية الثانية فهي شخصية السارد المشارك، وقد شارك هذا السارد بثلاث جمل تبدأ بالفعل الماضي. توجهت/ أمسكت/ وجدت. وهي أفعال تشير إلى نوع من إيجابية السارد المشارك، ولكنها تنتهي بخيبة أمل، فقد بذل السارد جهدا حينما توجه إلى الوطن، وكان إيجابيا حينما أمسك بالجريدة، ولكن خيبة أمله ظهرت عندما أمسك بالجريدة، لأنه وجدها فارغة.

تبدو الرمزية في خيبة أمل لدى أبناء الوطن في وطنهم. الوطن بدا في حالة يرثي لها. لكن لم يشر السارد إلى المسؤول عن ذلك. مما يجعل سوء الحالة شاملة وحياة الوطن في المستنقع لدرجة عدم التفكير في الأسباب وطريقة الخروج من الأزمة. ويعمل خيال المتلقي بكل طاقته كي يملأ الفجوات الكثيرة في هذه القصة القصيرة جدا، وهذا من سمات التكثيف في القصة القصيرة. ومن سمات التكثيف أيضا في القصة القصيرة جدا وحدة الحدث. فالحدث هنا واحد. وهناك اكتناز في الوصف، فلم يتم وصف المكان وصفا تفصيليا، وتم الاعتماد على ذكر المقهى حيث تثير هذه الكلمة في الذهن تصورًا معينًا للمكان وطبيعة ما يدور فيه. وملامحه وطبيعة الشخصيات التي تظهر فيه. وما يتميز به من أفعال مصاحبة له. وانتهت القصة بالمفارقة الساخرة، فحينما ذهب السارد إلى الوطن اختفي، وحينما أمسك بجريدة الوطن وجدها بيضاء.

ويظهر بوضوح تسريع الحدث في هذه القصة عن طريق اتخاذ الجمل القصيرة نسقا معتمدا، وانحسار أدوات الربط اللغوية، واستخدام الحذف، والترتيب التصاعدي للحدث. كل هذا كان له دور في عملية الإدهاش. كما يبدو التداخل بين نوع القصة القصيرة جدا من ناحية ونوع قصيدة النثر من ناحية أخرى.

ففيها الكثافة والمفارقة الساخرة والانزياحات اللغوية والحذف والإيقاع وغياب الحوار لصالح السرد والتركيز المكاني والزماني وبدت النهاية جاذبة للقارئ لأنها تميزت بالإدهاش والمفارقة الساخرة. وتفاعل فن القصة القصيرة جدا مع الأنواع الأخرى في الرواية وترك بصمته، فكانت شبكة الرواية ذات خيوط نوعية متنوعة. هذه الخيوط النوعية المتنوعة قد تنحسر فيها الأصوات حتى يظهر الصوت الواحد المفرد كما ظهر في هذه القصة القصيرة جدا، وكما ظهر في الكتل السردية التي تنتمي لفن قصيدة النثر، وقد تكثر الأصوات وتتعدد بصورة لافتة على نحو ما نجد في الكتل السردية الحوارية فيها.

السيرة الذاتية:

يأتى سرد المؤلف عن نفسه وحكايته مع الجوائز حينما يذكر أنه حتى كتابة هذه الرواية لم يحصل على تقدير من وطنه ملقيا باللوم على من يحكّمون أعماله، لأن أعماله لن يفهمها النقاد التقليديون الذين يحكّمون فى الجوائز، وبالتالى فلا غبار على أعماله، وإنما الغبار على المحكمين "قالت الكاتبة الناقدة شيرين سلامة: يا أستاذ حافظ أي لجنة لم تمنحك جائزة، فهذا لأنك تهدم كل المعرفة القديمة لدى النقاد التقليديين"([3]).

ويستدعى صوت عادل كامل صاحب رواية مليم التى لم يحصل على جائزة الملك فاروق حينما تقدم لها هو ورفيقه نجيب محفوظ. ونجد ملامح سرد السيرة الذاتية في سرد فتحي رضوان عن نفسه، وسرد سهر عن نفسها، فقد ظهر الراوى الذى يحكى أحداثا حدثت له، ويخيل للقارئ أنها حقيقية وذلك بأثر من السياق الاجتماعى الحاف والذى يختبره القارئ.

كما أن عنصر الاختيار يبدو بوضوح فى هذه السيرة، فالسارد لم يختر كل ما مر به فى حياته من أحداث، أو بمعنى أدق لم يتناول كل ما يريد تصديره للمتلقى من أحداث حياته. وتبقى مسألة التراسل الكتابى بين الحقيقة من ناحية والخيال من ناحية أخرى ذات فعالية واضحة. كما أن السيرة الذاتية يبدو من ملامحها هيمنة الزمن الماضى، لأن ما كرسه المفهوم الغربى للسيرة الذاتية هو التقاط أحداث مر بها السارد من حياته. وهنا تبدو مسألة فى غاية الأهمية وهى الفجوة الزمنية بين زمن الحدث من ناحية وزمن الكتابة من ناحية أخرى. وهذه الفجوة تجعل هناك تسريبات مضللة تمر من تحت الجسر. لأن الكاتب مهما كانت ذاكرته فائقة لن يستطيع استرجاع ما حدث بحذافيره، وإنما يسترجع تأثر نفسه بما حدث. وهذا التأثر تزداد حدته أو تقل بمرور الزمن، وهنا يبدو التأثر بحدث ما كتابيا مبالغا فيه بمرور الزمن أو مبالغا فى التقليل منه.

كما تثار فى هذا الجانب فكرة مدى قدرة اللغة على تمثيل الواقع أو على نقله أو على طريقتها فى التعامل معه. فاللغة رغم أهميتها الشديدة فى حياة البشر تبدو فى كثير من الأحيان عاجزة عن نقل هذا الواقع بأمانة. ومن هنا فإن مسألة كذب اللغة لها حضورها القوى بلا شك.

وإذا كان فن السيرة الذاتية يحمل التركيز الشديد على شخصية الفرد فإن هذا التركيز أسهم في تشكيل الدلالة العامة لأنه جعل المأساة شاملة للخاص متمثلا في الفرد والعام متمثلا في المجتمع بل وحركته التاريخية الممتدة.



السيناريو:

وكان السيناريو ذا حضور واضح في هذه الرواية حيث " يلزم الكاتب أسلوب كتابة "السيناريو" أو "اسكريبت" العمل الذي يقدم للمخرج تصورا عن حركة الشخصيات وزمان ومكان نوع الحدث، فينص قبل بداية الحكاية على زمان الحدث ومكان وقوعه مستخدما تقنيات كتابة السيناريو نحو:

الزمان/ ليلا

المكان/ بيت شهر زاد في دبي"([4]).

ولا تكاد تخلو كتلة سردية في هذه الرواية من فن كتابة السيناريو "حيث لم يغفل كتابة السيناريو وفق مشاهد تحتفي بتحديد الزمان والمكان لتعرض حيثيات المشهد وحواره بعد ذلك، فازدادت وتيرة السرد بهذه التقنية الخفية "كتابة السيناريو" التي بدت طيعة مرنة بين أنامل لا تعرف عجزا أو تقصيرا"([5]). فهو يكتب في أعلى يمين الصفحة أو في منتصفها تحديدا للزمان والمكان، فنجد في ص87 مثلا في أعلى اليمين:

الزمان/ ليلا.

المكان/ الشارقة .. شقة فتحي

وفي منتصفها نجد:

الزمان/ ليلا

المكان/ بيت سهر

وهذا التحديد ينتمي لفن كتابة السيناريو، حيث يقوم كاتبه بعمليات تحديد لفريق العمل التمثيلي. وهذا التحديد يشمل أشياء كثيرة منها الزمان والمكان والإضاءة ووضع الكاميرا وما يظهر فيها وطريقة نمو الشخصية وغير ذلك. وكان لفن السيناريو دور واضح عبر الرواية، لأنه بما له من تحديد زماني ومكاني يجعلنا ندخل قلب الحدث فنتمثله، وفي الوقت نفسه لا ينسينا الجو التخييلي في الكتابة، وبهذا التفاعل بين التخييلي والواقعي يتكون الأفق القرائي للمتلقي.

الكتابة التاريخية:

ظهر عدد (7) برديات على مدار الرواية، وكلها خطاب للنبي يوسف عليه السلام من المصريين، يلتمسون منه الرحمة، ويستشف منها الهجوم الشديد عليه لأن المصريين في هذه السنين وصلوا إلى درجة فائقة من سوء الحال، وكان سلب ما في أيديهم يحدث بطريقة ممنهجة كما ترى الرواية. وكانت هذه البرديات تظهر بعد مؤامرة ياقوتي التاجر اليهودي مع تجار مصر ورسمه لخطة العمل مع المصريين. وهذه البرديات أوردها الثعالبي تحت عنوان "تقول الأوراق القديمة"([6]). فالثعالبي لم يذكر كلمة بردية. من هنا فإن كلمة بردية على الفور تشير إلى التاريخ الفرعوني، فمن المعروف أن المصريين القدماء سجلوا جانبا من نشاطهم العلمي على ورق البردي. ولذا فإن كلمة بردية تستدعي التاريخ بمجرد ذكرها. وفي هذه البردية من سمات الكتابة التاريخية التركيز على الشخصية البارزة، وهي هنا يوسف عليه السلام، ومن المعروف تاريخيا وجود بني إسرائيل في مصر في الزمن القديم، وتؤكد المصادر الدينية هذا الوجود. وهذه البرديات السبع تعد وثيقة تاريخية تتجاوب تماما مع أحداث الرواية المرصودة للسرد عن الروح الرابعة لسهر. كما تظهر الكتابة التاريخية كتعليق خارجي يأتي بين قوسين على نحو ما نجد في ص55 ومذكرة تاريخية عن الجامع الأزهر.

( الجامع الأزهر / 972م هو من أهم المساجد في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي، وهو جامع وجامعة منذ أكثر من ألف سنة، وقد أنشئ على يد جوهر الصقلي عندما تم فتح القاهرة 970م، بأمر من المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر، وبعدما أسس مدينة القاهرة شرع في إنشاء الجامع الأزهر، ووضع الخليفة المعز لدين الله حجر أساس جامع الأزهر في 14 رمضان359هـ ـ 970م، وأتم بناء المسجد في شهر رمضان 361هـ ـ 972م، فهو بذلك أول جامع أنشئ في مدينة القاهرة.. المدينة التي اكتسبت لقب مدينة الألف مئذنة.. وهو أقدم أثر فاطمي قائم بمصر.............."

تظهر سمات كتابة التاريخ من حيث التحديد للزمان والمكان واللغة الأقرب للعلمية حيث ينحسر المجاز بصورة واضحة مفسحا المجال لعملية التدقيق والموضوعية. ولذا ظهر التسلسل الزمني المصاحب لعملية كتابة التاريخ. وسرد الحدث في تطوره. ولكن الملاحظ أن هذا الاقتباس لا يشير إلى مصدر تاريخي محدد، وقد جاء بين قوسين حينما تم ذكر أن الشيخ إسحاق وهو أحد الشخصيات الدينية في الرواية قد تخرج في الأزهر. كما تظهر سمات الكتابة التاريخية في ص68من حيث التوثيق في الاقتباس الذي اقتبسه من كتاب شخصية مصر الجزء الرابع لجمال حمدان:

" قمت من النوم إلى المكتبة، وفتحت الجزء الرابع من كتاب شخصية مصر .. كتب فيه جمال حمدان:

خلال أكثر من 5000 سنة لم تحدث في مصر أو تنجح ثورة شعبية حقيقية واحدة بصفة محققة، أو بصفة مؤكدة مقابل بضع هبات أو فورات قصيرة متواضعة أو فاشلة ..........".

وقد "بدأت الرواية العربية الجديدة تعتمد بصورة كبيرة المادة التاريخية أساسا لحبكاتها الحكائية"([7]). وتظهر المادة التاريخية بوضوح في هذه الرواية، خصوصا فترة الشدة المستنصرية التي امتاحت الرواية منها مادتها الحكائية.

وقد نهضت الكتابة التاريخية بدورها في الرواية، حيث تجاوبت بما تحمله من توثيق وموضوعية مع الكتل السردية الخاصة بالحكاية المركزية التي تنقل حكاية وجد ونيروزي. وألقت بحياديتها نوعا من الثقل الموضوعي على جو الرواية العام، فجذبتها أكثر إلى واقعية الأحداث. كما منحت للكتل السردية المرصودة للحكي عن الأحداث المعاصرة مرجعية تاريخية تجعل الرؤية للواقع المعاصر تتعمق بأثر من الخلفية التاريخية المطلة والفاعلة في أحداثه، حتى وإن كانت بطريقة خفية أو ظاهرة.

وقد أسهمت الكتابة التاريخية مع غيرها من الأنواع الأدبية الموجودة في هذه الرواية في تقطيع السرد، حيث "إن آلية تقطيع السرد تكوّن نموذجا لما أسميته في دراسة موسعة "فتح النص الروائي"، وهي إحدى الآليات الأكثر جاذبية وانتشارا في النص السردي الحداثي وما بعد الحداثي خاصة، لكنها ضاربة الجذور في أغوار تاريخ السرديات وتبلورها وتطورها" ([8]).

على سبيل الخاتمة:

إن النوع الأدبي يجعل المتلقى يوجه منظور قراءته ليتواءم مع ما يتلقاه من طبيعة النوع. فالشعر له أفق انتظار من القارئ مختلف عن أفق الانتظار لدى من يقرأ رواية، وهكذا. وقد بدا فى هذه الرواية "كل من عليها خان" للكاتب المصرى السيد حافظ كسر مركزية النوع، وذلك من خلال التعددية النوعية، فهناك الرواية والمسرحية والقصة القصيرة جدا، وهناك النقل المسرحى للحكاية المركزية فى هذه الرواية وهى حكاية وجد ونيروزى، حيث كان التكنيك المسرحى هو الناقل لكثير من مشاهد هذه الحكاية المركزية، خصوصا ما كان يدور فى قصر المستنصر بالله الخليفة الفاطمى، ومشاهد جشع التجار وغير ذلك. وهناك القصائد القصيرة جدا التى جاءت عرضا فى الرواية، كما أن جانب السيرة الذاتية لا نعدمه فى هذه الرواية، وهناك كتابة السيناريو والكتابة التاريخية. وهنا يظهر أن "الرواية العربية تستمد عناصر كثيرة من الأشكال السردية التراثية العربية، وأجناس التعبير من شعر ومقامة ورسالة، وسيرة ذاتية مع تحيينها ومدها بنفس جديد"([9]). فالنص ـ كما هو عند جوليا كريستيفا ـ "ليس جوهرا منعزلا عن غيره، وإنما هو تقاطع حوارى للنصوص"([10]). ومن هنا فإن " مفهوم التناص يستهدف البنى وتفاعلها فيما بينها"([11]). وليست هناك تعددية نوعية فقط، وإنما هناك كتل سردية متكسرة على مستوى النوع الواحد وكتل سردية متكسرة على مستوى الأنواع الأدبية المختلفة، ولكن كل هذه الفنون تأتى ضمن البنية العامة لرواية كل من عليها خان للسيد حافظ. وهذا لا شك يعكس رؤية متفسخة للعالم، لا تثق فى الحقائق الكبرى وتنظر بعين الريب لما يدور فى واقعنا. والسؤال الملح عن مدى التراسل بين هذه الرواية ومافيها من كسر مركزية النوع من ناحية وبين رؤية المؤلف للواقع الاجتماعى من ناحية أخرى.

لا شك أن الواقع الاجتماعى فى اللحظة الراهنة يحمل الكثير من التكسر والتفسخ ويحمل فى الوقت نفسه الكثير من الثراء. حيث بدت البنية المركزية الشاملة متكسرة إلى حد كبير. وقد تواءم هذا مع تكسر البنية المركزية فى هذه الرواية. وهنا يظهر "إن الإبداع الأدبي ليس مجرد إبداع من لاشئ: إنه "جواب" على الوضع الثقافي وأعمال أخرى، بوعي كما في التناص (inter textuality) أو بغير وعي، وبالمقابل يستدعي العمل الجديد أجوبة إضافية"([12]). وهذا العمل يكشف عن إمكانات جديدة في الكتابة الروائية. وقد " أثبت التعرف المعتاد للنوع الأدبي، أو الفني، عجزه عن استيعاب كل التجليات المتحققة، التي تختلف من بيئة ثقافية إلى أخرى، هذا فضلا عن وجود تنوع كبير في الأعمال الأدبية والفنية، وأساليب إنتاجها، ومفهوماتها التي تخرج عن تعريف النوع القار، والمعتاد؛ إما بسبب تباين الاستعدادات المكتسبة، أو بسبب تغيرها الدائم. وتظل لكل تقسيم نوعي قائم استثناءات كثيرة، لا يضمها المفهوم المعتاد للنوع"([13]). ويظهر بوضوح في هذا العمل الروائي هيمنة العالم المرجعي. وكان لكسر مركزية النوع انعكاس على الأسلوب والمعجم.

"لقد بات الخطاب الروائى العربى أكثر دينامية فى إدماج حقول لغوية وسردية وتخييلية وهو ما يشكل ميسما بارزا فى تطور الرواية العربية بصفتها عالما مفتوحا يؤجل اكتماله، فى غزو مستمر للتقنيات والتخييلات الممكنة وغير الممكنة"([14]).

وفي النهاية يبدو من العرض السابق مدى تكسير مركزية النوع في رواية كل من عليها خان، ورغم ذلك التكسير المتعمد فإن نواة الرواية الصلبة ظلت قائمة لم تنسف، وكانت عمليات التحول بين الفنون الأدبية المكرس لها ذات إسهام واضح في تشكيل الدلالة. وقد انصبت الدلالة في اتجاه تفسخ الواقع وتشظيه ودائرية مأساته التي لا تكاد تختلف عبر العصور. وكانت التحولات النوعية كاشفة في هذا الاتجاه.




([1]) صبحة أحمد علقم، تداخل الأجناس الأدبية فى الرواية العربية: الرواية الدرامية أنموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2006،، ص 10.

([2]) فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، 2010، ص67.

([3]) السيد حافظ، السابق ، ص11.

([4]) د فايزة سعد،"كل من عليها خان": البنية والدلالة وجماليات التشكيل، مقالة ملحقة برواية كل من عليها خان ص 395.

([5]) د جميلة مصطفى الزقاي، البنى السردية في الخطاب الروائي لـ "كل من عليها خان"للسيد حافظ، مقالة ملحقة برواية كل من عليها خان، ص365.

([6]) كمال أبو ديب، الأدب العجائبي والعالم الغرائبي، في كتاب العظمة وفن السرد العربي، دار الساقي، بيروت، لبنان بالاشتراك مع دار أوركس للنشر، أكسفورد، بريطانيا، الطبعة الأولى، 2007، ص40.

([7]) سعيد يقطين، السرد التاريخي، http://www.alquds.co.uk/?p=741227

([8]) انظر كتاب "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب" لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري،350ـ429 هـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، كتاب ذخائر العرب، العدد 57، دار المعارف، 1985.

([9]) عبد الرحمان غانمى، الخطاب الروائى العربى: قراءة سوسيو ـ لسانية، الجزء الأول، سلسلة كتابات نقدية212، الهيئة المصرية العامة للثقافة، الطبعة الأولى، ص 80.

([10]) بيار ف زيما، السابق، ص32.

([11]) بيار ف زيما، السابق، ص 96.

([12]) كاتي وايلز، معجم الأسلوبيات، ترجمة خالد الأشهب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2014، ص35.

([13]) علاء عبد الهادي، السابق، ص22.

([14]) عبد الرحمان غانمى، الخطاب الروائى العربى: قراءة سوسيو ـ لسانية، الجزء الأول، سلسلة كتابات نقدية212، الهيئة المصرية العامة للثقافة، الطبعة الأولى، ص 52.


([1]) جوناثان كلر، مدخل إلى النظرية الأدبية، ترجمة مصطفى بيومي عبد السلام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003، ص102.

([2]) انظر كتاب أرسطو فن الشعر، ترجمة وتقديم وتعليق إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو المصرية، 55.

([3]) بول فان تيغم، المذاهب الأدبية الكبرى فى فرنسا، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت ـ باريس، الطبعة الثالثة، 1983، ص149.

([4]) تزفيطان تودوروف، الأجناس الأدبية، ترجمة جواد الرامي،

http://post2modernisme.blogspot.com.eg/…/…/blog-post_23.html .

([5]) تزفيطان تودوروف، السابق.

([6]) خيري دومة، تداخل الأنواع في القصة القصيرة المصرية، 1960 ـ 1990، حدود النوع ومشكلته، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص9.

([7]) علاء عبد الهادي، مقدمة إلى نموذج النوع النووي، نحو مدخل توحيدي إلى حقل الشعريات المقارنة، مركز الحضارة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2008، ص19.

([8]) انظر في هذا الصدد الفصل الخامس من علاء عبد الهادي، السابق.

([9]) إيف ستالونى، الأجناس الأدبية، ترجمة محمد الزكراوى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 2014، ص14.

([10]) رينيه ويلك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة، الكويت، ص311.

([11]) بنديتو كروتشيه، المجمل فى فلسفة الفن ، ترجمة سامى الدروبى، دار الفكر العربى، ص73.

([12]) إيف ستالونى، السابق، ص201.

([13]) تودوروف، ميخائيل باختين المبدأ الحوارى، ترجمة فخرى صالح، الطبعة العربية الثانية المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1996، ص145

([14]) ميخائيل باختين، الخطاب الروائى، ترجمة محمد برادة ، دار الفكر، القاهرة، ، الطبعة الأولى، 1987، ص12.

([15]) بيار ف زيما، النص والمجتمع، آفاق علم اجتماع النقد، ترجمة أنطوان أبو زيد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2013، ص32.

([16]) جابر عصفور، نظريات معاصرة، دار المدى للثقافة والنشر،الطبعة الأولى ، 1998، ص310

([17]) إيف ستالونى، السابق ، ص47.

([18]) عبد العزيز شبيل، نظرية الأجناس في التراث النثري، جدلية الحضور الغياب، دار محمد علي الحامي، الطبعة الأولى، 2001، ص25.

([19]) انظر رولان بارت، موت المؤلف، ضمن كتاب : درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، 1986، ص86.

([20]) رينيه ويلك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور (عالم المعرفة)، الكويت 1987، ص311.

([21]) السيد حافظ، رواية قهوة سادة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012، ص205.

([22]) السيد حافظ، كل من عليها خان، مركز الوطن العربي، رؤيا، الطبعة الأولى، 2015، ص334.

([23]) آمنة بلعلى، عولمة التناص ونص الهوية، مجلة الخطاب، منشورات مخبر تحليل الخطاب، جامعة مولود معمرى تيزى وزو ، العدد الأول، ماى 2006، ص14.

([24]) السيد حافظ، السابق ، ص3، 4، 5، 6،7،8، 9.

([25]) السيد حافظ، السابق، ص9.

([26]) خيري دومة، أنت ضمير المخاطب في السرد العربي، الدار المصرية اللبنانية، ص206.

([27]) انظر ابن عربى، الفتوحات المكية، الفصل الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

([28]) السيد حافظ، السابق، ص26 .

([29]) السيد حافظ، السابق، ص26 .

([30]) السيد حافظ، السابق، ص48.

([31]) يمنى العيد، الراوي، الموقع والشكل (دراسة في الشكل الروائي) ، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، 1986، ص 11.

([32]) بيار ف زيما، السابق، ص28.

([33]) نعمان بوقرة، لسانيات الخطاب : مباحث فى التأسيس والإجراء، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان، ص57.

([34]) تيري إيغلتون، كيف نقرأ الأدب، ترجمة محمد درويش، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 2013، ص119.

([35]) خيري دومة، السابق، ص. 201.

([36]) مازونى فريزة، انفتاح الجنس الأدبى وتحولات الكتابة عند إبراهيم سعدى، ، منشورات مخبر الممارسات اللغوية فى الجزائر، 2013، ص44.

([37]) تيري إيغلتون، كيف نقرأ الأدب، ترجمة محمد درويش، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 2013، ص67.

([38]) السيد حافظ، السابق، ص86.

([39]) جورج لوكاتش، نظرية الرواية وتطورها، ترجمة نزيه الشوفى، حقوق الطبع والتوزيع محفوظة للمؤلف، دمشق، 1987، ص81.

([40]) أرسطو، فن الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو المصرية، ص73.

([41]) أرسطو، السابق، ص97.

([42]) السيد حافظ، السابق، ص237.

([43]) إيف ستالونى، السابق، ص99.

([44]) انظر محمد القاضي وآخرون، معجم السرديات، دار محمد علي للنشر، تونس، الطبعة الأولى، 2010، ص169، ص170.

([45]) السيد حافظ، السابق، ص256. انظر أيضا ص258.

([46]) د جميلة مصطفى الزقاي، البنى السردية في الخطاب الروائي لـ "كل من عليها خان"للسيد حافظ، مقالة ملحقة برواية كل من عليها خان، ص368.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World