مسرواية (كل من عليها خان) للأديب السيد حافظ (التاريخ رفيق السرد الحافظي على مدد الرواية) رؤية/ شيماء أحمد رُميح- دراسات في أعمال السيد حافظ (303)

السيد حافظ
sayedhafez948@gmail.com

2023 / 4 / 26

دراسات في أعمال السيد حافظ (303)
السرد الروائي ما بين خلخلة التأريخ وتجاوز الذاكرة
مسرواية
(كل من عليها خان)
للأديب السيد حافظ
(التاريخ رفيق السرد الحافظي على مدد الرواية)
رؤية/ شيماء أحمد رُميح
التَّاريخ وعلاقته بالأدب عامة، والأدب الروائي خاصة، وبأدب كاتبنا (السيد حافظ) بشكل أخص.

إن الكاتب يبحث في التاريخ عن الحقيقة، ويفضح زيف الزيف فتأخذ منه المعلومة مشفاة من الأكاذيب، كاتب لا يهاب الحق، ولا يجمل الواقع يضعه بين يديك بلا خيال يزينه ولا تحفظ يحد من مرارة تقبله!

منه هو "السيد حافظ" : " ليل القاهرة ساكن وحار وغير مريح، فالناس بين الجوع والمجاعة.. كل شيء في مصر ليس بعيدا إلا الحب.. مازال الحب يدفع المصريين للغناء الحزين أو العشق الذي يقاوم المرض والموت والاكتئاب"

الكاتب مملوء بالتاريخ، يكتبه بشغف، فروايته مرجع تاريخي ماتع، يحدثك عن إخناتون، توت عنخ آمون، المستنصر، أبو زيد الهلالي، صلاح الدين الأيوبي، حتى لم ينس تاريخ بدء الخليقة، فيحدثك عن قابيل و هابيل ويسرد لك الحكاية بأسلوبه السلس، ويباغتك بأن أهل مصر حين اختاروا اسما يسمون به أولادهم، معظمهم اختار اسم" قابيل" وكأنهم يمدحون الشخصية الشريرة على مر العصور!

- نحت الأدباء منذ القدم لوحات أدبية متعددة، فنجد الملحمات الشعرية، والمعلقات وداووين العرب المخلدة، والغزوات والفتوحات و أيضا الثورات الشعبية والداخلية والعالمية مدمجة في صورة أدبية سلسلة، يسرت على القارئ هضم التاريخ، وكانت أداة للوصل بين الماضي والحاضر، فالأدب آنية التاريخ التي يسهل من خلالها هضم المعرفة دون تقعر أو تكلف، تنصهر فيها رؤية اجتماعية فكرية تاريخية نفسية بديعة.

لذا فرض عين على كل كاتب أن يغذي قلمه وفكره وينهل من العلوم الإنسانية؛ لكي تتشكل لديه رؤية ثاقبة في سرد فرضياته الفكرية بالحجة والبراهين كما فعل كاتبنا هنا في مسروايته(كل من عليها خان).

(كل ما عليها خان)

العنوان الذي استقر عليه الكاتب ضمن عدة عناوين، كعادته يترك للقارئ حق الاختيار؛ اعتبارا لشراكته معه في رحلة السرد المسروائي العجيب.

اللغة:

جاء السرد باللغة الفصحى، لغة بلاغية مطعمة بالخيال والبيان، والسجع والتناص.

والحوار كان معظمه باللغة العامية التي وظفت لخدمة الشخصيات والعمل.

التناص في سرد الكاتب:

- يتميز سرد الكاتب بالتناص القرآني ولا ينفصل عنه، في اختيار عنوان الرواية، أو القطع السردية البليغة.

انظر لهذه القطعة السردية " أنا الذي ألقيت قميصي على وجه الوطن في مظاهرات١٩٧٢ فأرتدَّ الوطن بصيرا في ٦ أكتوبر١٩٧٣م".

- الكاتب قلمه جرئ أيضا، لا يهاب الحق، يقول ما تمليه عليه قريحته.

" الحق هو الخطيئة الكبرى في مصر، الحق أيها الرجل الطيب ليس له مكان على أرض مصر".ص ٢٥٩.

- لم يغفل الكاتب عن تطعيم سرده من حين إلى آخر بالشعر الملائم للحس والانفعال فنجد قصيدة على سبيل الذكر وليس الحصر للشاعرة " ريتا عودة"

" الروح تشتهي عكس الجسد، والروح تعشق ابن الغجر.

- دعم الكاتب الشعراء، و أدمج أبياتهم داخل السرد، موثقا أسمائهم.

الحبكة المتعددة

جاءت الحبكات متعددة؛ نظرا لتعدد الحكايا داخل الرواية الواحدة ، كما وظف الكاتب شخصية "شهرزاد " المرأة الحكيمة (رمانة الميزان) في حكاية وجد والنيروزي.

إن النفس البشرية وهنة وقت الفتن، وإذا دُنست بالخطيئة فهي نوعان:

الأول : يتمادى ويسد أذنيه عن تأنيب الضمير،

والثاني: نفسه لوامة تجلده من حين لآخر في إقرار واعتراف بالخطيئة وهبوطه في الوحل، يرجو أن ينوء عن دناسته، فتقول "سهر" لزوجها المغفل: " يا غبي! ابعد النار عن الفراشة كي لا تحرقها فتندم، لم أعد أستطيع مقاومة رغبتي في الحصول على فتحي قلبا وروحا وجسدا، لم يعد لدى القدرة على المواجهة" ص١٤٤

الحقيقة هذه العبارة نقطة فاصلة لأي رجل يتساهل في الاختلاط بين أهل بيته وبين أصدقائه، وناقوس خطر يدق البيوت الزوجية أن احذروا من المقارنات الحسية والمادية التي قد تحدث وقت الاجتماعات المتكررة والغير منضبطة بحدود، فمن حسن القوامة بناء سياج من الحدود يحمي بها الرجل زوجه من الوقوع في الذلل، ناهيكم عن الإغداق العاطفي وسد الثغرات الجلية في شتى أمور الحياة بينهما.

كعادة مسروايات الأديب / السيد حافظ، تجد الشعر و القصص والمسرحيات عناصر بازغة في حضرة الرواية، وحكايات جيران "فتحي رضوان" توالت على مدار الرواية، والحقيقة...هذه الحكايات لم تشبع حس القارئ داخلي كون رتمها سريع جدا، هارب من التفاصيل الحسية بقدر ما هو سرد لقصص دارجة، وعلى نقيض ذلك جاءت المسرحيات باذخة التفاصيل و الزرع المعلوماتي بشكل بارع، شيق، وغالبا خفيف الظل بما يتناسب مع السرد المسرحي، و كان الحوار عاميا مناسبا لكل شخصية.

(حكاية وجد والنيروزي)

سأقترض الجملة الملازمة للكاتب"وما أدراك ما وجد"

هذه الحكاية التي حيكت بعناية فائقة؛ لتشي عن معاناة الشعب المصري، و إغراقه في مستنقعات الضيم والذل والفقر المدقع والخيانات من كل حدب وصوب.

( المستنصرية ١٠٦٧)

برع الكاتب في التشريح الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لتلك الفترة المريرة في تاريخ مصر، قسوة البيئة والطبيعة الجغرافية وقتما شح النيل بمائه، و تعرت النفوس بالشراهة والضيم، ويكأنه يوم القيامة، وكل فرد ينفس : نفسي نفسي!

ونحن في حضرة السرد على متن رحلة شاقة، لعمر لم نعشه، ناطقا بالخيانة، فالتاريخ عائد بالضرب والقول والفعل عليك في دورته حول البشر، وكأنه يخرج لسانه : هل تأمل بجديد يا صاح، كل من عليها خان!

يسرد لنا الكاتب في حكاية وجد عن "أنور المؤذن" حينما أرسل قطة مذبوحة لفتاته التي غُرم بها كنوع من أنواع التودد والتهادي، وهنا إشارة لحالة الفقر التي وصلت إليها مصر وقتذاك.

" كل الناس بتاكل في مصر القطط، احنا زيهم خلاص مفيش ماعز ولا مواشي" ص١٦٤.

والمتعمق في حكاية "وجد" يجد أنها حكاية دسمة غنية بالتفاصيل المؤرخة لسنوات عجاف؛ ولفتة من حين لآخر بأن التاريخ يعيد نفسه مع كل حقبة زمنية مع الفارق أسماء وشخوص مختلفة بيد أن سيكولوجية الشعوب ذاتها لا تتغير.

(الأدب الساخر)

كوميديا سوداء يا عزيزي، ونحن كشعب صُنِف بخفة ظله، وصناعة النكات وقت الأزمات والكوارث.

الحكايات جاءت بلسان ساخر يهذي بمرارة المحب المخلص لوطنه والساخط عليها لما فيها من سوداوية، فالحانوتي يذبح كل مريض فيه الروح ؛ ليعد منه وليمة، هذا اللحم البشري الذي بيع عشرات المرات حيّا وميتا.

" في نص المسرحية الخاصة بحكاية "وجد" يذكر لنا الكاتب على لسان رجل(٣):

" بيقولك شهبندر الذهب عايزين لحمة حلوة تكفي خمسين واحد من تجار الذهب"

كارم : لحمة لخمسين واحد دا كتير.

شهاب: فكر معايا فكر معايا .. مين طخين كده وحلو يكفي خمسين واحد أكل".

أما عن بيعه حيّا: فقد كانت الفتيات ثمنا لوجبة العائلة و مقايضة الأب ابنته بالقمح، أو ارغامه على ذلك.

" لا أريدك أن تبادلني القمح بابنتك مسك البنات" وجد".

ص١٧٥.

أيضا سخَّر الكاتب حورات المستنصر والقارئ بفكرة جديدة ساخرة، يحيك فيها سرد قماشته العريضة للمستنصر الذي مكث سبعة أعوام يجوع شعبه ويتخاذل دون موقف إيجابي.

وعن جشع التجار في هذه المرحلة يسرد الكاتب على لسان كروان: " دول اللي بائعين مصر في بطونهم ومخبيين القمح وبيبيعوا القمح بالكيلو الواحدة بزيادة بألف المئة من تمنها" ص١٧٨.

- من رحم المرحلة القاسية والمريرة يُولد أبطال أنقياء، يوجد في المسرواية موقف حكيم لأبي"وجد" الحلاق الذي هُدد بقطع قوته وتمت مساومته ومقايضته بابنته "وجد" ، ورغم قسوة الجوع، قرر بمحض إرادته تزويج ابنته "وجد" للرجل الذي يحبها وتحبه، وهذا يؤكد على علو عاطفة الحب والرقي عند البعض رغم انحدار الأخلاق والمساومات و الفر والكر الإنساني من بوتقة الجوع مهما كان الثمن المدفوع والتضيحة بالبشر مهما بلغ صلتهم وقرابتهم.

يقول الكاتب لزوجته على لسان الحلاق: " يا امرأة اعقلي سيخطفون ابنتنا منا، سيخطفون وجد، دعينا نزوجها من رجل يحبها.. أنا أعرف هذا الرجل.. انظري في عيني "نيروزي" شاهدي هذا الحب لابنتنا"

(التاريخ رفيق السرد الحافظي على مدد الرواية)

يصف السرد أيديولوجية الشعب المصري وقت الشدة المستنصرية كأنه يصف حالنا في الألفية الثالثة، مازال الشعب يهمش العلماء، ويتجاهل رجال الدين، ويمجد التوافه والجهلاء، بل يصنع منهم أغنياء.

فيذكر لنا الكاتب في ص١٩٠" سألني صديقي: ما الحل؟ قلتُ نهاجر يا صديقي هذا بلد معصوب العينين ويحب الجهاد ويكره العلماء والشعراء والثوار".

- مقالات الصحفي" فتحي"

مقالاته المتنوعة تلك القماشة الواسعة التي استغلها الكاتب للزرع المعلوماتي في المسرواية، واتخذ منها متنفسا لبعض خواطره وآرائه ،كما سرد لنا قصص التاريخ بشكل درامي رائع وجاذب.

لا يستطيع الكاتب الانسلاخ كليا من أبطاله، يطاردونه ويطاردهم، والغلبة لذاتية السرد؛ فيبزغ الصحفي المؤرخ والمثقف والمملوء بهم الوطن والتاريخ والتأريخ.

تحت المجهر:

فتاوى الشيخ "اسحاق" الظالمة التي ابتدعها؛ ليسدد بها رمي السلطان بالباطل، كانت تمثل رجال الدين الفاسدين والخونة في كل زمان ومكان.

السؤال الذي يفرض نفسه:

لم "فتحي" ناقم على الوطن كوطن، رغم أن الوطن شخوص وأناس وأراضٍ؟!

أين هو من المثل الشعبي" حبيبك تبلع له الزلط"

سبه لمصر، ووصف مقاهيها بالمعفنة، والسخرية منها باسم"ميسر" يشي باضطراب أفكاره، هل هو محب غيور؟

هل أفكار "فتحي" تتشابه مع أفكار الرجل الذي يدعي حب زوجته، ثم يضربها ويعنفها بدافع الغيرة أو الإهمال؟

أيحب الشخص ويضرب في آن واحد؟!

أم أنه بالفعل عجز عن حبها؟

أم أن ثورة الغضب المتأججة بصدره دفعته لذلك؟

هنا اختلاف ثقافة الحب والتعبير عنه جلية، المحب الذي يربط جأشه عند الغضب، الرجل يمسك عليه يده ولسانه حين يسخط من امرأته، فلم لا يمسك" فتحي" لسانه على مصر؟

شخصية " فتحي" هل تعاني شيزوفرينيا المشاعر؟ ما بين غوص في الخطيئة وصحوة الضمير؟

هل يعاني اضطرابا ما بين تعلقه بالوطن، و سخطه عليه؟

بالأخير.. فتحي شخصية مصرية تحاكي الكثير من الشخوص المصرية، يسبها ويشتمها ويكره من يعاديها، ثم يعود يغازلها كمحبوبة، ثم يهجوها ويعنفها!"

- كل من عليها خان

بعد تعيين الشيخ اسحاق شيخا للأزهر من قبل خونة يدعمونه لخيانته، وخيانته كانت متفردة في الوضاعة، فهو خائن عقيدة وخائن وطن.

-الكل يلهث وراء السلطة رغم زيفها و خداعها" والسلطة يا شيخ مجاهد.. نار ونور، قوة وظلم.. السلطة هي القهر والعهر. والسلطة عمياء عرجاء حمقاء، أولا ضحك وآخرها بكاء.."ص٢٥٦.

-اختتم الكاتب المسرواية بخاتمة مرضية، بزغ فيها النور بعدما حل الظلام لسنوات، مدعما دور المرأة المصرية الإيجابي وقتذاك.

رؤية : شيماء أحمد رُميح



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World