جامى فو والسرد النفسى

كريم عرفان
karimerfan83@gmail.com

2023 / 2 / 4

دراسة نقدية لرواية " جامى فو " للأديبة والروائية / مصر العربى

جاء عنوان النص الروائي "جامي فو" – لم أره من قبل – Ja mais vu للكاتبة والأديبة / مصر العربي ليشير بشكل واضح إلي انتماء الرواية إلي تيار الوعي والذي هو "نتاج طبيعي للقرن العشرين كتب له الظهور قبيل الحرب العالمية الأولي ويسمي هذا النوع الجديد بالرواية الذاتية أو الرواية النفسية ، ويعد وليم جيمس "William James" أول من استخدم هذا المصطلح في كتابه مبادئ علم النفس 1890م مشيراً الي التدفق العشوائي للإنطباعات والمشاعر من خلال الوعي البشري."(1)
والملفت أننا سنجد البصمة النسائية واضحة جداً في مجال الرواية النفسية فسنجد في طليعة الادباء والروائيين الرواد الأديبة دوروثي ريتشاردسون Dorothy Richardson.
وكذلك الروائية الشهيرة فيرجينيا ولف Virginia Wolf.
والتي قطعت شوطاً بعيداً في مجال الأدب النفسي وهو الشئ الذي يعبر عن مدي الاتصال الوثيق بين المرأة وإبداعها من ناحية وبين النفس البشرية وعالمها من ناحية أخري.
فالنص الروائي جامي فو قد أتي مشبعاً تماماً بالرؤي والتحليلات النفسية والسيكولوجية والتي جاءت شديدة العمق ، فيكفي مثلاً أن نري اقتناع "وعد" الشخصية الرئيسية في الرواية بعلم النفس وايمانها العميق بعلماء النفس المشهورين وأقوالهم ، فسنجد النص الروائي يقول خرجت وعد من المكتب بعما عرضت نفسها للإحراج لكنها لم تكن غاضبة بالقدر الذي يتناسب مع موقف كهذا وإنما كانت تتوقع منه رداً مماثلاً ، غير أنها كانت مقتنعة بما قالته "ماري ليون" دكتوراه في السيكولوجيا ، "يرتبط كل إنسان بالآخر في سلسلة الحياة ، والكلمات هي أكثر شيء يخدم هذا الإرتباط" ومثلما قال "جاك لاكان" العالم النفساني الشهير. "نحن نتكلم لأننا بشر ، نحن كائن متكلم". ص152
ونتيجة لذلك فإننا سنجد الكاتبة والروائية / مصر العربي قد اعتنقت أسلوب (السرد النفسي) وهو "واحد من أهم الأساليب السردية التي عنيت (بالعرض والاخبار) عن كل ماهو نفسي ، اذ يتم فيه التركيز علي الشخصيات ذات الكثافة السايكولوحية لما تنطوي عليه من مشاعر وأفكار وصراعات نفسية تعكس أزمات ورغبات وحالات شعورية ولا شعورية مضطربة" (2)
وقد جاءت ظاهرة "جامي فو" أو المألوف النفسي لتكون العنصر الهام والركن الرئيسي في هذا العمل الروائي "فظاهرة جامي فو أو المألوف المنسي" بالفرنسية Jamais Vu أي (لم اره من قبل) هي حالة نفسية يكون فيها الانسان غير قادر علي تذكر شيء مألوف له اذ يشعر بأنه لم يصادف هذا الموقف من قبل ، علي الرغم من أن عقله الباطن يخبره عكس ذلك. مثل أن يكون الانسان في مكان مألوف له أو يتحدث مع شخص مقرب ثم يتنابه شعور فجائي بأنه لا يعرف هذا المكان أو هذا الشخص وغالباً ما يكون هذا الشعور لمدة قصيرة ، وتوصف هذه الحالة غالباً بأنها عكس ديجا فو" (3)
وقد تحدثت الرواية عن هذه الظاهرة وعرفتها بالتفصيل وقد القت ظاهرة جامي فو بظلالها علي هذا العمل الروائي فنجد ذلك في احد المشاهد الهامة والمحورية وذلك عندما رأت وعد الشخصية الرئيسية في العمل فقد "كانت وعد تحدق بها تعرفها جيداً ، وجهها مألوف لكنه منسي وكذلك صورتها ، فجأة تفتق ذهنها وتذكرت ، لم تكن سوي دكتورة ميرفت زميلتها وزميلة دكتور حسام في شركة الأدوية القديمة ، كيف يمكن أن تنسي وجه من ساهمت في تدمير حياتها" ص 153
فالذي حدث هنا هو حالة صراع بين الوعي واللاوعي فالعقل الباطن أو اللاواعي ينكر ميرفت تماماً ويريد نسيانها وحذفها نهائياً وإلغاء وجودها من حياة وعد..
أما العقل الواعي فهو يعرف تماما من هي د/ ميرفت ويدرك ما فعلته بوعد.
وهنا حدث التضارب اللحظي والارتباك المؤقت بين الوعي واللاوعي ، هذا الصراع المؤقت بين الوعي واللاوعي يتسبب في هذه الظاهرة.
ثم ندخل عالم النص لنكتشف أن أول ما سيلفت انتباهنا في النص الروائي "جامي فو" هو اسم الشخصية الرئيسية "وعد" وهو الامر الذي يميز الابداع النسائي بوجه عام والعمل الروائي "جامي فو" بوجه خاص من حيث تفجير الدلالات والاشارات من الاسم الواحد والمفردة الواحدة..
فاسم وعد قد منحنا إشارات ودلالات كثيرة ومتعددة فالوعد هو الشئ الإيجابي الذي سيمنح في المستقبل وهو علي عكس الايعاد الذي يأتي بالمعني السلبي والعقوبة يقول الشاعر
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهو الامر الذي سنراه في اللغة وأيضاً سنتلمسه في النص الروائي نفسه ، فالرواية تحدثت عن وعد الشخصية الرئيسية ووصفتها بالهدية وذلك جاء علي لسان زوجة راشد لما ارادت أن تقوم بتزويجه زوجها. والوعد أو الهدية يستلزم وجود أربعة أركان المانح ، المنحة ذاتها ، الممنوح له ، الزمن.
أما المانح فهو القدر وهو ما جاء صراحة علي لسان امير في ختام الرواية.
" لم يعد وجودي معك اختيار ، فأنت قدري هل يستطيع المرء فكاكاً من الأقدار"
ثم المنحة ذاتها وهي وعد الشخصية الرئيسية وهي كما ذكرنا من قبل قد وصفت بالهدية من قبل زوجة راشد.
أما الممنوح له فهو أمير لذلك أول ما سيقرأ المتلقي الرواية ويطالع النص فسيبحث تلقائياً عن الموعود له وهو أمير وإن كان النص قد عرض بشخص آخر وهو راشد.
وسيستنتج ان النهاية ستكون إيجابية من خلال الاسم وأن أمير سيحصل علي هديته من خلال ارتباطه بشخص وعد وهو ما حدث.
ونأتي الي العنصر والركن الرابع الهام وهو الزمن ... ذلك الزمن الذي فرق بين أمير ووعد ثم عاد ليجمعهما ثانية ، والزمن له دوره الكبير في الرواية وتم ذكره وذكر تأثيره علي شخصيات العمل الروائي كثيراً وتم التعبير عنه بشكل جلي ولكن أهم رؤية للزمن عندما تجسد في صورة مادية في شكل هدية مادية ملموسة وهي الساعة التي أهدتها وعد أمير.
يقول النص:
"وقد لفتت انتباهها ساعة عجيبة ، ساعة مثبتة علي ما يشبه الرمال والبحر قابع في الخلفية ، محاطة ببلورة دائرية ومثبتة علي عمود نحاسي يشبه جذع النخلة" ص 98.
اذن فنحن أمام ثالوث أو مثلث مكون من القدر – وعد – أمير.
واكن هناك مثلث آخر يطالعنا في هذا النص الروائي وهو مثلث مكون من زوجة راشد – وعد – راشد اذ رغبت زوجة راشد ان تحل محل القدر وتختار زوجة لزوجها راشد ولم تجد أفضل من وعد هدية تهديه إياها.
ولكن هذا المثلث ما لبث أن أضمحل وتلاشي أمام اختيار القدر وفوز أمير بهديته في ختام الرواية.
مصادر______________________________________________________
1- الرواية الجديدة – د/ أشرف إبراهيم محمد زيدان
2- رسالة دكتوراه للباحثة الدكتورة / شيماء حسن جبير الساعدي بعنوان السرد النفسي في الرواية العراقية الحديثة
اشراف أ.د. سمير كاظم الخليل
3- ويكيبديا.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World