قرار تخفيض انتاج أوبك +, كان سياسيا ام اقتصاديا؟

محمد رضا عباس
rajak52@aol.com

2022 / 10 / 10

قرار منظمة أوبك بلص بتخفيض انتاج النفط مليونين برميل في اليوم الواحد لم يكن عداوة بأمريكا والغرب وانما جاء بسبب ضرورات السوق . دول النفط الخليجية سوف تبقى في حاجة الى حماية الولايات المتحدة الامريكية حتى النهاية , وهذا تعرفه دول الخليج نفسها وتعرفه امريكا , وان الحملة النارية التي اطلقها بعض الساسة الامريكيون ضد السعودية ما هي الا تسويق سياسي , خاصة وان الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة لم يبقى لها الا ثلاث اسابيع . الديمقراطيون يريدون ان يظهروا للناخب الامريكي انهم يدافعون عن جيوبهم في ظل ارتفاع اسعار البنزين , وهذا ما يريده المواطن الامريكي, بنزين رخيص. امريكا ستبقى في الخليج ويبقى التعاون الخليجي الامريكي قويا ما دامت هناك مخاطر تتهجس منها امريكا ومنها الخوف من التمدد الايراني , حماية تدفق النفط من الخليج الى ارجاء العالم , يضاف الى ذلك توجيه انتاج وتصدير النفط الخليجي حسب الارادة الامريكية . على سبيل المثال, عند احتلال روسيا جزيرة القرم , زادت المملكة السعودية انتاجها من النفط بضغط من الادارة الامريكية وعلى اثره انهار سوق النفط العالمي . كانت الغاية هي حرمان روسيا من الواردات النفطية و تعطيل قدرتها على تمويل العمليات العسكرية في القرم , وبطلب من الادارة الامريكية , قامت المملكة العربية السعودية بتخفيض انتاجها من النفط خلال جائحة كورونا بعد ان انهار سوق النفط العالمي , وخفضت المملكة انتاجها حتى توازن السوق من الجديد. اذن , العلاقة الصميمية بين امريكا و دول الخليج ستبقى قوية باستمرار , وما ظهور بعض الخلافات بين الاثنين الا نتيجة ضغوط سياسية تزول بزوال السبب .
هذه المرة لا تختلف من مرات الماضية , قيادة أوبك بلص شعرت ان السوق العالمي لا يتحمل انتاج 43.8مليون برميل في اليوم الواحد , خاصة وان هناك ركود اقتصادي يحوم حول عدد من الدول المستوردة للطاقة . ان انتاج النفط دون النظر الى حالة الاقتصاد العالمي المستقبلية قد يؤدي الى انهيار سوق النفط مرة ثانية , وهي حالة لا تريد الدول المصدرة للنفط العودة اليها . انهيار سوق النفط خلال جائحة كورونا ادى بالعراق الى توقف جميع مشاريعه الاستثمارية واخر دفع رواتب واجور موظفي الدول , واضطرت الامارات الى الاقتراض الخارجي , والى السعودية عرض جزء من ارامكو , فخر السعودية , الى البيع.
اعتقد ان 100 دولار للبرميل الواحد يرضي الطرفين, البائع والمشتري , واذا زاد السعر عن هذا الحد بسبب خطا توقعات مستقبل الاقتصاد العالمي , فان أوبك بلص سوف تفتح صنابيرها مرة اخرى وتعود الاسعار الى وضعها المتفق عليها . ان دعوة رئيس المجلس الاقتصادي الوطني الامريكي برايان ديس الى تطبيق قانون "ابيك" ضد الدول المصدرة للنفط بتهمة احتكار سوق النفط غير واقعية , حيث لا توجد اي اشارة ان أوبك بلص تريد الاحتكار الذي يضر الجميع . بالحقيقة ان اول المتضررين من هذا القانون هي الولايات المتحدة الامريكية والتي تستخدم سياسة الاحتكار مع الدول الغير موالية لها . اليس تهديد بعض اعضاء الكونغرس الامريكي بقطع صادرات المواد الاحتياطية الى المملكة العربية السعودية يعد نوع من الاحتكار ؟ اليس فرض سقف لأسعار النفط والغاز الروسي نوع من الاحتكار؟ اليس منع الادارة الامريكية شركاتها بيع رقائق معينة تستخدم في تطوير الحوسبة والذكاء الاصطناعي للشركات الصينية نوع من الاحتكار ؟ الاحتكار لا يشمل البائع فقط , وانما المشتري ايضا , حيث ان القوانين العالمية تحرم على المشترين فرض اراداتهم على البائعين .
كما واعتقد ان قرار أوبك تخفيض الانتاج بمقدار مليونين برميل في اليوم الواحد معقول اذا علمنا ان الولايات المتحدة الامريكية هي نفسها تحاول تخفيض النمو الاقتصادي بسبب ارتفاع معدل الاسعار فيها (التضخم). فمنذ حوالي ستة اشهر و البنك الاحتياطي الامريكي (البنك المركزي) يرفع سعر الفائدة من اجل اطفاء حرائق ارتفاع الاسعار من خلال عدم تشجيع المواطنين والشركات الاقتراض وزيادة الطلب العام على السلع والخدمات . وعليه وطالما وان الولايات المتحدة الامريكية هي نفسها تريد الركود في اقتصادها , فانه يصبح لا معني من بقاء أوبك تنتج وتبيع النفط بنفس الوتيرة مما يترتب على ذلك تخمت السوق من النفط و تراجع اسعاره . انه العرض والطلب . ارتفاع عرض التفاح في السوق يؤدي الى انخفاض سعره , والعكس صحيح . وطالما وان النفط مادة يمكن خزنها لوقت الحاجة , فان من مصلحة الدول المصدرة للنفط التحكم بإنتاجه وعرضه في الاسواق وقت الحاجة.
ومع تحديد كمية انتاج النفط في الاجتماع الاخير لمنظمة أوبك , فان الولايات المتحدة تستطع تعويض نقص انتاج أوبك بما لديها من خزين استراتيجي وبما لديها من احتياطات نفطية ضخمة وبما لديها من خيارات اخرى للنفط مثل الطاقة الشمسية والهوائية . كما وان الانخفاض في الانتاج سوف لن يؤثر على سعره , حيث مازالت اسعار الفحم والغاز اكثر ارتفاعا من اسعار النفط . هدف امريكا من الضجة ضد المملكة العربية السعودية هو على قول المثل العراقي ( اضربك يا بنتي حتى تسمع جنتي ) , اي انه مجرد تخويف لبقية اعضاء أوبك والدول الاخرى التي ما زالت لديها علاقات اقتصادية مع الروس, فيما ان هدف أوبك من تخفيض الانتاج النفطي هو افشال مشروع الغرب القاضي بوضع سقف اعلى للطاقة . وفي الاخير لا عقوبات على المملكة العربية ولا نقص في سوق الطاقة . الادارة الامريكية سوف لن تستطع وضع سقف اعلى لأسعار الطاقة لصعوبة تحقيقه , ولا يمكنها وضع المملكة العربية السعودية في خانة" محور الشر" لعمق العلاقة بين البلدين والتي تمتد الى ما يقارب القرن من الزمن .
ا



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World