المندائيّة الأخلاقيّة والغنوصيّة الإباحيّة

سنان سامي الجادر
mandaean@swedguld.se

2022 / 8 / 28

لقد كنا قد بيّنّا في مقالات سابقة (مصادر1,2,3) الاختلافات الجوهريّة بين الدين المندائي والحركات الدينيّة ذات الفلسفات الهجينة التي يسمونها بالغنوصيّة. وهي تلك الحركات التي تنتمي للفرق المسيحيّة في بدايات الميلاد وصولاً إلى المانويّة, وكذلك مع الحركات الدينيّة الوهميّة المرتبطة باليهوديّة أعتماداً على مخطوطات البحر الميت المزوّرة.

وقد قلنا بأن محاولات جمع المندائيين مع تلك الفِرق, هو لغرض الطعن بالقِدم التاريخي المندائي على المسيحيّة واليهوديّة. حيث أنّ تلك الحركات على العكس من الدين المندائي كانت تعترف جميعها بألوهيّة المسيح أو تتبع التوراة, وأنها كانت تؤمن بثنوية الكون أي بوجود قوّة للخير وأخرى للشر ولا تصل للتوحيد المندائي وتفرّد الخالق. وكانت فلسفتها تعتقد بوجود ملاك ساقط هو الذي خلق البشر بينما تعطي المندائيّة كل الفضل في ذلك للحيّ العظيم وحده, والفِرق الغنوصيّة كانت تعتقد بأن الظلام قائم بذاته وأنّ هنالك مُخلّصاً يساعد البشر, بينما تعتقد المندائيّة بالمعرفة وأنها تزكّي صاحبها للوصول إلى عالم النور. وأخيراً فقد ذَكرنا بأن أتباع تلك الفِرق الغنوصيّة كانوا يَعتمدون على طقوس الصيام المتواصل عن الطعام, ويعزفون عن الزواج والإنجاب لأنهم يجعلون من الجَسَد أداة للظلام, بينما تُشدد المندائيّة على الزواج والإنجاب وتَمتنع عن تعذيب النفس.

وهنالك أيضاً أختلاف آخر كبير جداً, وهو أنّ تلك الفرق الغنوصيّة كانت مُنحطّة في علاقاتها الجنسيّة, وحيث أنهم كانوا لا يتزوجون ولكنهم كانوا معروفين بالزنا وبممارسات جنسيّة فاسقة أدخلوها ضمن طقوسهم الدينيّة للعربدة الجنسيّة والتي تسمّى فيبيونِتس (Phibionites), وكانت لهم أناجيل لم تعترف بها الكنيسة المسيحيّة لأنها تعطي أرشادات عن السماح بالممارسات الجنسيّة وتَضعها ضمن تعليمات المسيح (مصادر4,5,6).

ويُروى بأن أحد القساوسة المسيحيين كان يريد أن يبعدهم عن الرذيلة وسَمَحَ بتزويجهم, فأصبح رمزاً للحب. وهذا كان فالنتينوس في القرن الثاني الميلادي ومنه أتى عيد الحب الفالنتاين!

ويَروي المؤرخ والزعيم المسيحي أبيفانوس (Epiphanius) الذي عاش في القرن الرابع الميلادي: بأن أحدى تلك الفرق الغنوصيّة في مصر بعد طقوسهم الجنسيّة المتحررة, كانوا يتناولون دم الحيض على أنه دم المسيح والسائل المنوي على أنه جسد المسيح, وكانوا يأكلون الجنين المُجهَض للنساء لأنه كان ممنوعاً عليهم الزواج والإنجاب.

وكذلك وثّق زعيم الكنيسة أوغسطين (Augustine) تلك الطقوس الجنسيّة والدعارة للغنوصيّة المانويّة.

وبالرغم من كون المنظمات المسيحية واليهودية يعتبرون تلك الحركات الغنوصيّة ومن يتبعهم بأنهم هراطقة, ولكن الغريب هو أصرارهم ومحاولتهم لجمع المندائيين معها عبر كتاباتهم وباحثيهم, وهو ما يمكن أعتباره إهانة للمندائيين المُحافظين إلى أقصى درجات الطهارة. فهل حقاً لا يعرفون بأن النصوص المندائيّة التي هي كلها أخلاق, تجعل من الزنا خطيئة كبرى مثل القتل؟

وبالتأكيد فأن المندائيين بمحدوديّة باحثيهم وبكون اللّغة العربيّة هي مصدر معلوماتهم الرئيسي فلم تكن هذه المصادر متوفرة لهم لكي يردّوا عليها, وهؤلاء لا يترجمونها للعربيّة عبر أتباعهم, وكما يفعلون مع المصادر المُحرّفة التي تعيد وتصقل -المندائيين الغنوصيين- ولكي يتلقّفها ويرددها المُرددون من الباحثين العرب والمندائيين, وتأخذها الأجيال التي تأتي بعدهم وكأنها أمر مُسَلّم به.

فيما يلي بعض النصوص حول التشديد على تحريم الزنا من الكتب المندائيّة (الأصليّة مصدر7):

1* “تكلّم منداادهيي وأوضَحَ للمُختارين الصالحين: ..
أن نشماثا الرجال الزُناة والنساء الزانيات ..
وكذلك نشماثا الذين عملوا أعمال الشياطين القبيحة
ستفنى جميعها” الكنزا ربا اليمين

2* * ”تَكَلّم رسولُ الحيّ وقالَ لسام بن نوح
قالَ لهُ الرسول الذي أتى من العلياء:-
إلى النار يذهبُ الزُناة.
وغَضبٌ كبير يَنزلُ على السُرّاق.
والذين يُزمّرون بمزمار الشيطان, تأكُلهم النارُ المُوقَدةُ.
والذين يَكفُرُن بسم الحيّ يموتون ميتتين بدل الموت الواحد.
أنتَ لَستَ قاضياً في الأرض ولم يُنادونك لتكونَ حاكِماً في العالم.
ولو كُنتَ حاكماً لما جَلبوا أباثر إلى هُنا.” دراشا اد ملكي

3* ”ثُمَّ جاء أنبياءُ الكَذِب وأتوا بالكَذِبِ والزَيف ….
البعض منهم يُقيم طقوسه بالموسيقى والغناء والرقص والشبق” الكنزا ربا اليمين

المصادر

1. مقالة: الناصورائيّة والمندائيّة ..وليس الغنوصيّة, سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2021/07/29/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%86%d9%88/

2. مقالة: الناصورائيّة التوحيديّة والأديان الثنويّة, سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2021/09/05/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84/

3. مقالة: الناصورائيّة والمندائيّة ..وليس الغنوصيّة (الجزء الثالث), سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2022/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%86%d9%88-2/

4. Sessions on Gnostic Texts Cool Feminist Scholars’ Enthusiasm, JOHN DART, Los Angeles Times

https://www.latimes.com/archives/la-xpm-1985-11-30-me-9713-story.html

5. Summing up the ancient accounts of the Borborites-Phibionites, Roger Pearse

https://www.roger-pearse.com/weblog/2013/12/12/summing-up-the-ancient-accounts-of-the-borborites-phibionites/

6. Sexual Gnosis in Epiphanius of Salamis

https://www.angelfire.com/tx/tintirbabylon/PHIBIONI.HDS.htm#N_11_

7. مقالة: المندائيّة الأخلاقيّة والغنوصيّة الإباحيّة, سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2022/08/20/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%86%d9%88%d8%b5%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84/



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World