القرآن محاولة لقراءة مغايرة 61

ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info

2022 / 5 / 28

وَلا تَقولوا لِمَن يُّقتَلُ في سَبيلِ اللهِ أَمواتٌ بَل أَحياءٌ وَّلاكِن لّا تَشعُرونَ (154)
إذن من متطلبات الصبر ألا يقال عمن يقتل في حرب ضد «الَّذينَ كَفَروا» أي غير المسلمين، سواء كانت دفاعية أو هجومية أو استباقية، أي دفاع سابق للهجوم ضد عدوان محتمل، ألا يقال عن القتلى في مثل هذه الحروب (المقدسة) بأنهم أموات أو قتلى، بل هم شهداء، أحياء عند ربهم يرزقون ولكنكم أيها المسلمون لا تشعرون بحياتهم، مع هذا عليكم أن تؤمنوا بهذه الحقيقة.
وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِّنَ الخَوفِ وَالجوعِ وَنَقصٍ مِّنَ الأَموالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرينَ (155)
«لَنَبلُوَنَّكُم» أي لَنَختَبِرَنَّكُم، لَنُمَحِّصَنَّكُم، لَنَمتَحِنَنَّكُم أيها المسلمون، والمتكلم هنا الله، وبصيغة الجمع مرة أخرى، وجرى استخدام أداتي توكيد للفعل، لام التوكيد في مطلعه، ونون التوكيد المشددة في نهايته. والتأكيد يمكن أن يكون بمعنيين، المعنى الأول حتمية حصول ذلك، والثاني تعبيرا عن شدة وهول الابتلاء والامتحان والتمحيص. ثم تنوع الابتلاء، ابتلاء بالخوف بسبب الحروب التي يفقد الإنسان فيها الشعور بالأمن أول شرط سعادة الإنسان، ثم ما تسببه الحروب من انهيار للاقتصاد المعبر عنه بالجوع، والجاري تأكيده بنقص الأموال، ونقص الثمرات، ثم وقع (نقص الأنفس)، أي القتل بين (نقص الأموال) و(نقص الثمرات)، وبسبب قيمة حياة الإنسان وأولويتها، ما كان ينبغي أن يحشر (نقص الأنفس) بين (نقص الأموال) و(نقص الثمرات). لكن ربما جرى بقصد تهميش موضوعة القتل وتضييعها بين النقصين آنفي الذكر، لأن حياة الإنسان يجب أن تكون في حالة (الجهاد في سبيل الله) عديمة الأهمية تماما، ولو كان الاستشهاد حقا في سبيل الله، فمن أولى وأحب من الله إلى المؤمن أن يضحى من أجله بالحياة؟ لكن يجب التضحية بكل شيء، بما في ذلك الحياة، من أجل محمد ودين محمد.
الَّذينَ إِذا أَصابَتهُم مُّصيبَةٌ قالوا إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعونَ (156) أُلائِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِم وَرَحمَةٌ وَأُلائِكَ هُمُ المُهتَدونَ (157)
جميلة هاتان الآيتان لو استخدمتا بمعانيهما الحقيقية، فهنا نجد تصويرا للمؤمنين الذين آمنوا بربهم وبقضيتهم وبدينهم ونبيهم، وهانت بذلك عندهم الحياة وكل المصائب، عندما تكون في عين الله، فهم يواجهون أصعب المصاعب وأقسى المصائب بعبارة التسليم لله بقولهم «إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعونَ»، فهم يقرون بأنهم مملوكون لله مبعوثون للوجود من الله، وأنهم بالنتيجة راجعون إليه لا محال، صانعهم ومالكهم، سواء بالموت الطبيعي، أو القتل، والقتل في سبيله هو أرقى أنواع الموت، لأنه موت إرادي، وموت واع، وتضحية للإنسان بأغلى ما عنده، ألا هي حياته. ويوعدون إذا ما تعاطوا مع المصائب على هذا النحو أن ستكون «عَلَيهِم صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِم وَرَحمَةٌ»، وأن يقلدوا وسام أنهم «هُمُ المُهتَدونَ». وبلا شك إن التضحية من أجل ما يستحق التضحية قيمة إنسانية عليا، وذلك فالمضحي بأي شيء، إنما يضحي لإيمانه أن المضحى من أجله أغلى من المضحى به، وأعلى درجات التضحية هو تضحية المضحي بحياته، وبالتالي تكتسب التضحية قيمتها لأن الذي يضحى من أجله هو عند المضحي بحياته أغلى من حياته هو. سواء كان اسم المضحي الحسين بن علي أو تشي ڠيڤارا أو سپارتاكوس، أو مدافع عن الوطن، أو منقذ لحياة بشر من الحرائق والغرق والكوارث الطبيعية. لكنه قد سالت بحار من دماء عبر الثلاثة آلاف سنة من عمر الأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية. فمن يتحمل مسؤولية كل القتل (في سبيل الله)، وما هو في سبيل الله، فكل من المُقاتِل والمُقاتَل، والقاتِل والمقتول، يعتقدون جازمين أنهم يُقاتِلونَ في سبيل الله، ويَقتُلونَ في سبيل الله، ويُقتَلونَ في سبيل الله.
إِنَّ الصَّفا وَالمَروَةَ مِن شَعائِرِ الله فَمَن حَجَّ البَيتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أَن يَّطَّوَّفَ بِهِما وَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَليمٌ (158)
الآيتان اللاحقتان لما مر، هذه الآية ثم التي بعدها يمثلان طفرتين فجائيتين إلى موضوع آخر، ولم يستوف موضوع هذه الآية حتى تأتي الطفرة التالية في الآية بعدها. فمن الصعب أن نتعرف على العلاقة بين موضوع المصيبة والابتلاء والقتال في سبيل الله، وموضوع الصفا والمروة والسعي بينهما وشعائر الحج والعمرة. على أي حال جاء هذا جوابا من السماء، أي من الله، على سؤال طرحه المسلمون، فيما إذا «يَطَّوَّفونَ» أو «يَتَطَوَّفونَ» (بفك الإدغام)، أو ما يُعبَّر عنه اليوم في كتب الفقه بـ(السعي) بين الصفا والمروة، كما كان يُفعَل ما قبل الإسلام أو ما يسميه الإسلام بـ(الجاهلية)، فجاء إقرار هذه الشعيرة، كواحدة من شعائر الحج، ويسميها القرآن بـ«شعائر الله»، وهي الجاهلية البديلة عن (الجاهلية الأولى)، كما تنعت في إحدى آيات القرآن، مما يمكن الاستنتاج منه، أن ما كان جاهلية أولى، لا بد أن تتبعها ثانية وثالثة. فهل كان الإسلام إذن الجاهلية الثانية؟



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World