- اليها - الصعبة ... الخطرة

منى حلمي
dr_monahelmy@yahoo.com

2022 / 3 / 25

" اليها "
الصعبة .. الخطرة
----------------





فى 21 مارس 2022 ، تكون قد مرت سنة ، على رحيل أمى ، نوال السعداوى .
أحقا فاتت سنة ، على غيابها عن آفاق عيونى الباكية ، النازفة لا بالدموع ، ولكن بالدم
الحامل فصيلتها النادرة ؟؟.
فصيلة دم نادرة ، تمنح نفسها بسخاء كل منْ يحتاج ، لكى يعيش ، ويرجع الى بيته
والى أحبائه ، سالما ، معافيا .
ماذا أكتب عن أمى " نوال " ، وهى لن تقرأ سطورى عنها ، واليها ؟؟.
منذ بدأت الكتابة ، منذ سنوات طويلة ، لم أكتب حرفا واحدا ، الا وكانت هى القارئة
الأولى . رغم انشغالها ، وتعدد أنشطتها ، كلنت تخصص وقتا لقراءة ما أكتبه . تقرأ بدقة ،
بدهشة ، بزهو الأم الكاتبة الأديبة ، التى أنجبت طفلتها المحبة للكتابة والأدب منذ صغرها .
وامتزج هذا الزهو بالاطمئنان على مستقبلى . فأمى تتسائل دائما فى حيرة : " كيف يعيش
الناس الذين لا يكتبون ؟ ". وعندما تيقنت أن الكتابة والشِعر والكلمات ، أشجار وارفة مثمرة الأغصان ، زرعتها ، وسقيتها ، وأجيد تسلقها ، ارتاحت الى مصيرى .
أورثتنى الكتابة عن قصد ، وعمد ، وخطة مسبقة . فأمى " نوال " ليست بالمرأة التى تأتيها الأشياء دون ارادتها . ليست أمى بالمرأة التى تنتظر فى قلق ، احتمالات يمن القدر بها أو يبخل ، وفى الحالتين تسجد شكرا وامتنانا ، للغيب وحكمته الغامضة .
أرادت طفلة كاتبة ، وابنة شاعرة ، وكان لها ما أرادت .
حقا كانت أمى ، المرأة التى اذا أرادت يوما شيئا ، فلابد أن يلبى القدر .
عفوا ، أمى ، " نوال " ... لو أننى عجزت عن التعبير بالقدر الكاف واللائق بكِ . فكيف
لقطرات ماء أن تحيط بالبحر ، وهل لجملة موسيقية واحدة مهما كان جمالها ، وتفردها ، أن
تبوح بكل أسرار الموسيقى ، وتفك سِحر الغِناء ؟؟.
صعبة أنتِ ، يا أمى ، ولابد أن يكون الكلام عنكِ ، أو اليكِ ، صعب مثلك . كيف لا تكونين
صعبة ، وأنتِ ترددين البديهيات التى يولد بها الأطفال ، قبل أن تُغسل عقولهم ، وتلوث قلوبهم ، من الكبار ، منذ الميلاد وحتى الموت ؟؟.
كبار ، يزرعون ، ويغزلون ، وينسجون ، ويصنعون ، ويصدرون " الكهنوت " فى كل شئ حولنا . كبار الواحدة أو الواحد منهم ، يفتخر بأنه " يطيع .. ترس فى ألة .. فرد فى قطيع ".
خطرة أنتِ ، يا أمى ، ولابد أن يكون الكلام عنكِ أو اليكِ ، خطر مثلك .
وكيف لا تكونين خطرة ، وأنتِ بين ناس تخاف المشى ، تتسلقين دون تعب الجبال
الشاهقة ، تدخلين بمفردك بدون أسلحة الى أرض الثعابين السامة ، والى الأسد الجائع فى
عرينه ... تتجولين حينما يفرض حظر التجول ... تهاجمين خفافيش الليل فى أوكارها ، وتبنين بيتك بجانب عش الدبابير ، تسبحين ضد التيار بمايوه غير شرعى ، لا تبالى بالموروثات من الأفكار والسلوكيات والمعايير .
امرأة لا يغرقها سحب الماء والدوامات ، أسماك القرش المفترسة الفتاكة ، لا تقدر عليها ..
امرأة تتكلم ما سكت عنه الكلام ، فى الوقت الذى يجب أن يُقال ، لا شئ ينال من روحها
المرحة الساخرة ، كل اشراقة شمس كان يوما جديدا ، ممتلئا بالثراء ، والبهجة ، محفزا على
الحركة ، والعمل المثمر .
ماذا أكتب " عنها " ، و " لها " ، وتاريخ الزمان يطوى السنة الأولى بعد الرحيل ؟؟.
أحقا عشت " بعدها " ، سنة كاملة ، تنفست ، وأكلت ، وشربت ، وكتبت ، واستمعت الى
الأغنيات ، وشاهدت الأفلام ، ورتبت غرفتها المواجهة لغرفتى ، تؤنسنى صورها وكتبها
وأقلامها وأوراقها ، وخط يدها فى الأجندات ، ورائحة ملابسها ، ونمت وأنا أحتضن خصلات
من شًعرها الفضى ، تحرس منامى المؤرق ، تغطينى بالبطانية القطيفة ، تضع بجانبى الماء
والدواء ، تغلق الستائر ، تحظر هجوم الكوابيس على عيونى الباكية دما ، لا يشتهى
التوقف ، تطفئ الأنوار ، وتتلاشى فى الظلام ؟؟؟؟؟.
أحقا ، مرت سنة كاملة ، و" هى " ، لا تسمعنى ضحكتها ترقص لها الشمس ، ولا أرى
عينيها تطل منهما أسرار الكون ، ولا أشتبك مع أحلامها المتمردة ، المنقوشة على قميصها
الوردى ، لا نشرب معا الشاى ، ونأكل الجبن القريش ، نشعل البخور المعطر بالعنبر
والياسمين ، نسخر من حماقات العالم ، أتأمل أصابعها النحيلة المتخمة بالخيال المتحفزة
لعناق الصفحات البيضاء ، وأحدق فى خطوط كفيها المتعرجة المتشابكة ، خط العمر
سارح ممتد لا نهاية له ، خط الفرح قطارها لم يخلف موعدا ، نتبادل نظرات غامضة ،
نتحدث عن ذكريات منحوتة على جدران القلب ، كما وجع الأمهات اللائى يعشن بعد
فلذات أكبادهن ، بسبب دمار حرب ، أو غدر مرض ، أو لعنة حادث .
لست على يقين ، أن كل هذا قد حدث بالفعل . وان حدث ، يكون المعجزة الكبرى لم
أجرؤ على مرورها بخاطرى . معرفتى بها ، تؤكد أننى عشت المعجزة ، ومازلت .
فى الحقيقة ، لست مندهشة . " هى " فى الأصل ، " معجزة " ، وفصول حياتها منذ
ولدتها أمها " زينب هانم شكرى " ، " معجزات " ، و " غرائب " ، و" أحداث لا تصدق"،
و" مصادفات يرتجف لها الجسد ، و " مواقف تتحدى المنطق " ، تحير أعظم العقول ، ولا
تدركها حكمة الفلاسفة .
وأن تختار الأم " زينب " ، اليوم 22 من شهر أكتوبر ، لتضع الطفلة الأولى للأسرة ، هو
فى حد ذاته ، أمر غريب . اختارت اليوم الذى تتعامد فيه الشمس ، على وجه الملك رمسيس
الثانى فى المعبد الكبير بأى سمبل ، فى أسوان ، جنوب مصر . وهى الظاهرة الفرعونية
الفلكية العجيبة التى حيرت العالم ، والتى تتكرر مرتين فى السنة ، مرة فى 22 أكتوبر ،
ومرة فى 22 فبراير .
ألهذا السبب ، كانت الطفلة تشعر بعلاقة قوية محيرة ، بينها وبين " الشمس " .
تكبر ، ويكبر معها هذا الشعور . كانت تجلس ساعات تحت آشعة الشمس ، دون أن تتعب ،
أو تخاف أن تسمر بشرتها ، السمراء بالفطرة ، تنتظر الشروق كأنما تنتظر ولادة جديدة ، أو
سر خفى ينكشف ، أو فكرة رواية تخترق زجاج النافذة مع آشعة الشمس ، أو قرار متردد
يطمئنها أنها على صواب ؟؟؟.
أمام الناس ، اسمها " نوال " . لكنها أسمت نفسها فى بطاقة شخصية من تأليفها ،
" ابنة الشمس " . وليس مستغربا ، أن يكون أحد كتبها المفضلة لديها بعنوان " امرأة تحدق
الشمس " .
أمام الناس ، كانت " أمى " . وهذه كانت لعبتنا الصغيرة ، أو خدعتنا النبيلة ، أوالكذبة ،
الصادقة عشناها قدر ما سمح الزمن . كان " تزويرا رسميا " على الملأ ، فى وضح النهار ،
انطلى على الجميع ، ولم يثر شكوك أبرع الخبراء .
أما الحقيقة ، فهى أنها كانت " طفلتى " البكر ، والوحيدة ، أنجبتها دون رجل ،
لم تشعرنى بألم الولادة ، وحتى عنى رحلت ، أبقينا على الحبل السُرى ، غير المرئى .
هى " طفلتى " ، أزهو بها ، أسميتها " نانا " ، فى السجل المدنى لقلبى ،
أحملها معى فى كل مكان ، ومنحتها كل أمومتى العزباء ، رغم أننى من النساء المنشغلات
جدا بذواتهن ، يعشقن الوحدة ، والصمت ، والاعتكاف ، لا أريد التزامات ، ولا مسئوليات ،
ولا مشاعر تسبب لى القلق ، والأرق . وأكثر ما يزعجنى ، وأعتبره من منغصات الوجود
الكبرى ، أن أحتمل العيش مع أطفال .
لكنها " طفلة " ، تتمناها كل أم ، طفلة تناسبنى ، لا تحملنى أية أعباء ، هادئة ،
تصحو وهى تغنى ، متمايلة على ايقاعات حلم لا يفارق الوسادة ، متأملة ، لا تلعب بالعرائس
ولكن بالأسئلة الممنوعة عن الأطفال ، المحرمة على الكبار .
" طفلة " مسئولة عن نفسها ، عن أوقاتها ، عن جسدها ، عن تنظيف غرفتها ، وترتيب
أشيائها كما يحلو لها .
لا تريد الا أقلاما وأوراقا وغرفة خاصة بها ، لا يدخلها أحد ، الا مداعبات الشمس ،
وايحاءات المطر ، وأن أحتضنها مرتين فى اليوم . مرة عندما تفتح عينيها مع شروق
الشمس ، ومرة عندما تغلقهما مع غروبها . ومن حين لآخر ، أشترى لها الجوافة ، والبلح
الزغلول ، والتين البرشومى . وآخر كل أسبوع ، أصنع لها فطيرة الذرة ، تأكلها بشغف
وهى شاردة ، يمتزج فى عينيها حزن ومرارة . وحين أسألها تقول : " ريحة فطيرة الذرة
بتفكرنى بأمى ". بعد رحيل أمى ، نوال ، لم أعد أستطيع تحمل رائحة فطيرة الذرة ، رغم
أننى أحبها ، وأشتهيها . ويزداد الأمر صعوبة ، لأننى أحب جدتى ، كما لو كنت عشت معها ،
زمنا طويلا . جدتى لأمى " زينب " ، نزف آخر فى قلبى لن يتوقف . لكننى من أجلها ، ومن
أجل أمى ، سأحتمل الألم ، وأصنع فطيرة الذرة ، لتكون هديتى لها ، فى عيد الأم ، الموافق
21 مارس ، ذكراها الأولى .
" طفلتى " كانت ، لكن هى التى كانت تهذبنى وتعلمنى أعظم ما فى أمهات الكتب ،
وتزودنى بالحكمة الساقطة سهوا أو عمدا من الفلاسفة . أرضعتها من أمومة غير متفرغة ،
أرضعتنى من طفولة لا تغيب ، لا تشب عن الطوق.
و" أمى " ، أنا التى اخترتها من بين ملايين النساء . كنت على وعى تكون مليارات
السنين ، أننى و بعد الانفجار العظيم ، " موجودة " دائما فى مدارات لانهائية .
" هائمة " ، بشكل ما ، فى الفضاء الكونى ، لا أتوقف عن السفر والتجول الدوران والبحث
الدقيق ، عن " الجسد " الذى أنفذ اليه ، وأستقر داخله على كوكب الأرض . جسد يشبهنى ،
له فصيلة روحى ، وحركة دمى ، يمكنه حمل تمردى ، واحتمال عصيانى ، وترجمة وجودى
الى شكل بشرى ، وعلى هيئة امرأة .
ورأيت تلك السمراء الفاتنة ، بحرف النون الذى أعشقه ، عينان غارقتان فى أشجان الليل
وأفراحه وحيرته ، رشيقة القوام ، لا تضع الكحل وأحمر الشفاه ، لا تلبس الكعب العالى ،
بسيطة المظهر ، متفوقة فى دراستها ، تقود المظاهرات ضد الانجليز والقصر الملكى الفاسد ،
تلعب التنس ، تناقش الأساتذة برقة وثقة ، ليس فى حقيبتها مرآة أو مشط ، هادئة الصوت ،
جادة الجوهر ، لا تحب المياعة والهزار المعبق ، بروائح الفساد والكذب والتهذيب المزيف ،
وازدواجية المعايير ، أسموها فى طب قصر العينى " نوارة الكلية " .. " زعيمة الكلية " ، لم
يعرفوا أنها منذ نعومة أظافرها ، تكره الألقاب ، والزعامة ، والزعماء .
أتتبع خطواتها أينما ذهبت . بعد الكلية ، تذهب الى البيت ، وفور وصولها ، تستعد
لتجهز الغذاء مع أمها ، لأسرتها المكونة من 11 شخصا ، الأب " السيد السعداوى " الذى
اعتقد أنها " نبوءة " ، والأم " زينب " والتى تقول دائما : " نرمى نوال فى النار وترجع
سليمة " ، وست بنات ، وثلاث أولاد .
أتجسس عليها ، دون أن تدرى ، أو تلاحظ . أليس من حقى التأكد من مصيرى ،
بعد مليارات من السنوات الهائمات ؟؟.
بعد الغذاء ، لا تسمح لأمها أن تفعل شيئا ، الا أن تستريح مع الأب ، فى غرفتهما
ذات الشرفة المطلة على نعناع ، زرعته " زينب هانم " بيديها .
أقطف غصنا من النعناع ، وأقف أشاهد " أمى فى المستقبل " ، وهى تغسل الصحون ،
وتنظف وتغسل وترتب ، تتحدث قليلا مع أخواتها واخوتها ، تطمئن أن كل شئ على
ما ترضاه ، وتخلد سعيدة الى النوم ، أصيح غير مصدقة : " وجدتها .. وجدتها ".
لم أشعر أننى بحاجة الى التدخل فى تحديد أبى " البيولوجى " ، فأنا واثقة من اختيارات
" نوال " أمى ، قلب من حرير ، وعقل من حديد ، وأعرف صفات الرجل التى تجذبها ،
تنسجم مع خيوط الحرير ، وتلين بسلاسة صلابة الحديد . أى رجل ، أى أب ، يرضيها ،
دون شك ، يرضينى .
قصة الحب بين " نوال " ، و" أحمد حلمى " ، كانت حديث كلية الطب ، لماذا تترك
" نوال " كل المعجبين بها فى الكلية ، ولا يمسها الا " أحمد " ؟؟.
قالت لى أمى : " لما أحمد كان يدخل المدرج ليلقى كلمة ضد الانجليز ، كنا نسكت كلنا ،
تقدرى تسمعى دبة النملة .. هدوء ، وسامة ، ثقافة ، وطنية ، كان له حضور حتى لو كان
صامتا ، وكان أديبا لامعا ، أسس مجلة " شعلة التحرير " ، وهو منْ شجع الطالب يوسف
ادريس على الكتابة فى المجلة ، وشجعنى أنا أيضا ، أول قصص " أحمد " فى المجلة كانت
" كلب وغلام " ، أنبأت عن كاتب عظيم لو أنه أكمل الطريق ..... ". تسكت أمى ، تشرد فى
أفق بعيد ، ثم تعود : " راح مع الفدائيين يحارب فى معركة التل الكبير ، قبل أن يتخرج ،
ومات أعز أصدقائه بين يديه .. ورجع شخصا مختلفا ، يشعر أن كل شئ حوله كذبة كبيرة ،
بداخله مرارة ، ويأس ، ورغبة فى الاختفاء أو الانتهاء ".
قالت أمى : " أتتزوجينه وهو مازال طالبا لم يتخرج من كليته ، وأنتِ تخرجت وأصبحت ِ
طبيبة ؟ ".
وقال أبى : " يا نوال ، احنا عاوزين مصلحتك ، هتربطى حياتك بشاب لا نعرف مصيره ،
قدامك مستقبل عظيم ، انتى طول عمرك عاقلة ، الجواز مسئولية ، ومحتاج تكافؤ ، والحب
فى حالتك دى يا نوال خطر ومجازفة ".
قلت لأمى : " يعنى جوازك كان تحدى ".
قالت : " انفصلنا بعد ست شهور من ولادتك ... خسرت التحدى ، بس كسبتك انتى يا مُنى ،
اظاهر ان " أحمد " اعترض طريقى ، فقط عشان تيجى انتى ، بس ده ميمنعش ان أبوكى
انسان فى منتهى النبل الانسانى ، فى غاية الكرم والرقى ".
أحقا ، مرت سنة من تاريخ الزمان ، على اختفاء " أمى " ، بعد أن تشاركنا الأنفاس
معا ، وتقاسمنا ربما بقسمة غير عادلة ، الخبز ، عذوبة الأوقات ومرارتها ؟؟.
سنة فاتت ، وأنا لا أعرف أين راحت ، أين ذهبت ، أى طريق مشت ، عند أية محطة
توقفت ، فى أى بيت دخلت ، على أى سرير نامت ؟؟؟؟.
ما أقسى أن أفقد " طفلتى الوحيدة " ، فى ظروف غامضة . صحيح هى طفلة مسئولة ،
تجيد رعاية نفسها . لكنها من حين لآخر ، كانت تتستمتع بأن أمشط لها شِعرها ، أحكى لها
نكتة ، أو قصة قبل النوم ، أذكرها بموقف مضحك تعرضت له ، أو سيرة فيلسوف أحبه ،
أو ممثلة أعشقها ، أعد لها فنجانا من القهوة المحوجة بالمستكة والحبهان ، أختصر لها فيلما
سكن وجدانى ، أدلك جسمها بزيت جوز الهند ، أسمعها أغنيات " ليلى مراد ، ، و " عبد
الوهًاب " ، وأشدو لها بصوتى بعضا من كنوز " فريد " ، و" أسمهان " .
بعد رحيل الأم ، والأب ، استأجرت أمى ، شقة فى حى الجيزة ، لنسكن معا ، ورغم أن
الشقة كانت صغيرة ، وضيقة ، غرفتين وصالة فقط ، على مقاسى أنا ونوال فقط ، الا أنها
خصصت الغرفة الأكبر لعيادتها واستقبال المرضى ، وأيضا هو مكتبها عندما تجلس للكتابة.
الطفلة داخلى تتسائل دائما : " ما هذه المرأة .. التى تقضى الوقت صباحا فى عملها ، ثم
تأخذنى من الحضانة أو المدرسة ، الى البيت ، نأكل معا ، وفى المساء تعالج المرضى ،
وتكتب ؟؟ .. وما هذا البيت الغريب الذى أعيش فيه ، لا رجل ، لا أب ؟؟ ".
من شهرة أمى ، وأنها كانت المرأة الوحيدة الطبيبة ، فى المنطقة ، كان سائقو
" التروللى باصات " حينما يتوقفون فى المحطة أمام بيتنا ، رقم 25 شارع مراد ، ينادون :
" مين نازل محطة الدكتورة نوال " . أحيانا كنت أستقل " التروللى باص " ، لا لشئ ، الا
لأسمع هذا النداء المنطلق بشكل عفوى شعبى ، من أبسط الناس ، وتقبله الجميع بصدر
رحب . كنت أريد أن أرفع صوتى قائلة ، وأنا نازلة من " التروللى باص " : " دى محطة
ماما ". لكننى لم أفعل . استمتعت بالأمر ، وزهوت به ، سرا فى أعماقى .
فى هذا البيت رقم 25 شارع مراد الجيزة ، شقة 18 ، تكونت وعاشت أسرتى الجديدة ،
أهم وأصعب وأحلى سنوات العمر .
كنا " نوال " ، و " مُنى " .. وأضيف اثنان " شريف " ، و" عاطف " .
وان ذُكر " شريف " ، لا يعنى الأمر الا " شريفا " واحدا ، على الأقل بالنسبة لى ،
" شريف حتاتة " ، الطبيب والمناضل السياسى والكاتب ، قضى 13 سنة ، داخل المعتقلات
السياسية ، مدافعا عن مظالم الاستعمار وفساد الحٌكام ، وحقوق الفقراء المستغَلين منذ الميلاد
وحتى الموت .. تعرض للتعذيب ، والأشغال الشاقة ، وهو الابن الأكبر من أسرة أرستقراطية
اقطاعية ، والذى تخرج من طب القصر العينى أول الدفعة ونال الميدالية الذهبية لكلية الطب ،
ترك كل الأشياء المرفهة ، والمستقبل الواعد أمامه بالثراء ، وراح السجن باختياره .
خرج من السجن ليلتقى بأمى ، زميلته فى العمل بوزارة الصحة ، ومنذ اللقاء الأول ، دلهما
شئ غامض بأن مصيرهما يبدأ فى عينى " نوال " ، وينتهى فى قلب " شريف ".
وتكرر الأمر مع " نوال " ، حينما اندهش الجميع ، لأنها تركت كل زملائها فى كلية الطب
المعجبين بها ، من أجل أبى البيولوجى " أحمد " الذى لم يكمل تخرجه .
قالوا لها بدهشة لا تخلو من الاستنكار : " معقول يا دكتورة نوال ، تتجوزى واحد
شيوعى لسه خارج من السجن .. انتى كده هتقضى على مستقبلك وسمعتك ".
حتى صديقها حينئذ د . عبده سلاًم ، وكان وزيرا للصحة حينئذ ، قال لها : " خرج من
السجن وجه خطف الجوهرة بتاعتنا ".
كان اختطافا سلميا ، برضا وتشجيع المخطوفة ، وتخطيط عقلها الحكيم ، بعيد النظر ، نافذ البصيرة.
ربما يكون الاختطاف الوحيد فى التاريخ ، لم يطلب " فدية " ، أو شيئا فى المقابل لاعادة
المخطوفة دون اعتداء ، أو تعذيب ، أو ايذاء .
" شريف " ، أو شرف ، كما أطلقنا عليه دائما ، لم يطلب الا بيتا هادئا ، تسكنه امرأة تتحدى العالم من أجله ، ومعا يشكلان جبهة متضامنة ، لاسقاط الأسس غير العادلة ، التى قام عليها العالم .
وجاءت الهدية الكبرى من " نوال " ، و" شريف " ، أخى " عاطف " .
اكتملت أسرتى الصغيرة ، والتى بمرور الوقت كنت أتأكد ، أننى البنت الأكثر حظا فى
الدنيا ، لانتمائى اليها .
كانت شقة الجيزة صغيرة ، لا تحتمل أن توفر لكل فرد غرفة خاصة . أنا ، وعاطف ،
أخذنا حقنا كاملا ، وحظينا بغرفة خاصة لكل منا . وارتضت " نوال " ، و " شريف " ،
التضحية ، وأن يتشاركان فى غرفة ، ليوفران لابنتهما ، وابنهما ، الخصوصية .
فى هذه الشقة الصغيرة ، بدأت مسيرة حياة كبيرة . ربما الغرف ضيقة ، لكن قلوبنا وعقولنا رحبة ، وأحلامنا سقفها السماء .
" نوال " درست الطب ومارسته ، ثم تفرغت للكتابة ..... و" شريف " درس الطب ومارسه ، ثم تفرغ للكتابة ... " عاطف " درس الهندسة ومارسها ، وتفرغ للاخراج السينمائى وكتابة السيناريوهات ، وأنا درست الاقتصاد وتفرغت للكتابة . أسرة لها العجب.
أتذكر أننى كنت أصحو قبل الفجر ، و " شرف " ، يرتدى ملابسه ، وينزل فى الظلام ،
يقود سيارتنا الصغيرة لمدة ثلاث ساعات ، من الجيزة الى قريته " القضابة " مركز بسيون ، محافظة الغربية ، حيث أنشأ عيادة لعلاج أهل قريته . يقود ثلاث ساعات ليلا ، فى الظلام أيضا ، عائدا الى بيتنا فى الجيزة . يفعل هذا ثلاث مرات أسبوعيا . وكنت لا أنام فى تلك الأيام
الثلاث ، الا بعد أن أطمئن على عودته سالما ، وأسمع صوت " نوال " وهى ما بين اليقظة والنوم تقول له : " ادفى كويس يا شريف ، الليلة دى برد أوى ... " ... أو " لو جعان الأكل لسه سخن فى المطبخ " ... أو " متبقاش تتأخر كده يا شريف .. الطريق بليل وحش ".
تراودنى هذه الذكريات ، تتداخل التواريخ ، والمشاعر ، الفرح ، الأحزان ، السفر ،
اللقاءات والفراق ، التعب والراحة والارهاق .
شهدت شقتنا الصغيرة ، الملاحقات والمطاردات التى لم تنقطع ضد أمى " نوال " ، من حراس الأنظمة السياسية الذكورية ورجال الدين وشلل كهنة النقد ، ورؤساء التحرير على كافة أشكالهم ، وأدعياء الوطنية والفضيلة ، منذ عهد عبد الناصر ، ومرورا بالسادات التى أودعها السجن ، وصولا الى مبارك حيث اكتمل حصار التعتيم والتشويه . لم يكتفوا بفصلها عن عملها بوزارة الصحة عام 1972، واغلاق مجلة الصحة التى أسستها ، لأنها حاربت ختان الاناث ، وطالبت بايقافه وتجريمه، بل صادروا مؤلفاتها من الأسواق ، ومنعوها من النشر فى مصر ، فاضطرت الى النشر فى بيروت . وبدأت سلسلة من رفع القضايا التى لم تتوقف . وفى 1991، أغلقوا جمعية تضامن المرأة العربية التى أسستها ، ورأستها ، من 1985 . وتكريما لاسمها الشخصى كأديبة عالمية ، كانت جمعيتها أول جمعية ثقافية فكرية ،
مصرية أو عربية ، تحصل على عضوية المجلس الاستشارى للأمم المتحدة . خلال فترة نشاطها ، أقامت الجمعية ست مؤتمرات دولية عن المرأة والفكر والابداع ، وأنشأت دار نشر تضامن المرأة العربية ، وأسست الملتقى الثقافى للشباب والشابات كل ثلاثاء ، وعقدت ندوات أسبوعية كل يوم سبت ، استضافت تقريبا أغلب الشخصيات العامة المؤثرة فى تنوير الفكر والثقافة والفن والصحافة والطب ، وكونت فرقة غنائية موسيقية لتقديم الأعمال الثرية فى التراث الموسيقى العربى ، بالاضافة الى ألحان جديدة من ابداعات العضوات والأعضاء ،
وبادرت بتكوين اللجنة المصرية للوحدة الوطنية ، ووقفت ضد حرب الخليج ، وأصدرت مجلتها الفصلية الشهيرة " نون " .
بالطبع كان لابد كالعادة ، أن يُخرس هذا الصوت ، المزعج ، الذى يربط بين الختان ، وحرب الخليج ، بين القهر الاقتصادى والجنسى للنساء فى البيوت المغلقة بفعل
قوانين الأحوال الشخصية التى توجب الطاعة على المرأة الزوجة ، وتمنح سلطات مطلقة
للأزواج ، والقهر السياسى فى الدولة ، توضح العلاقة بين بيع المرأة وبيع الوطن ، بين
انتاج مستحضرات تجميل المرأة ، وانتاج الأسلحة . وبالمناسبة ، من ندوات فرج فودة
الأخيرة ، قبل اغتياله بفترة بسيطة ، كانت فى الجمعية ، بعنوان " الاسلام السياسى وفقه النكد ".
تعرضت أمى ، بسبب رواياتها ، ومسرحياتها ، لبلاغات متتالية تُرفع ضدها الى النائب العام ، باهانة الرسل والأنبياء ، والتطاول على الذات العليا ، وانكار المقدسات والثوابت الدينية ، وافساد الشباب ، واثارة الفتنة ، والتحريض على الفسق والفجور والانحلال ، اطلاق شهوات النساء ، التآمر على الدين الاسلامى . أخص على سبيل المثال ، رواية
" سقوط الامام " ، ومسرحية " الاله يقدم استقالته فى اجتماع القمة ".
وقبل ذلك ، سجنها السادات عام 1981 ، لمقالات كتبتها تناهض تدعيمه للتيارات
الاسلامية ، واطلاقها فى المجتمع لتنشئ دولة داخل الدولة ، وعارضت سياسة الانفتاح
الاقتصادى الاستهلاكى الطفيلى 1974 ، التى كانت خرابا على الوطن ، بقططها السُمان ،
والأثرياء بلا عمل منتج ، واندثار الطبقة المتوسطة ، وسرقة مدخرات الناس بشركات توظيف
الأموال المؤسسة من زعماء " قال الله وقال الرسول " ، ، وبدء أسلمة شكلية لمصر ،
وتمويل الاعلام الدينى لترويج الاسلام الصحراوى ، الذى يدعو الى تحريم الفن بكل
أشكاله ، وهدم التماثيل والأهرامات ، واعتقال النساء فى البيت ، وتغطيتهن بالحجاب
والنقاب ، وزواج القاصرات ، وتوبة وتحجيب واعتزال الفنانات .
لكن أكثر ما أغضب السادات ، هو أن أمى ، فى أحد الاجتماعات التى حضرتها ، وكان
السادات سيخطب تحت شعار " لا صوت يعلو على صوت المعركة " . وتأخر عن
الموعد بثلاث ساعات ، وبدأ خطبته بأهمية الوقت فى زمن المعركة . وقفت " نوال " وطلبت
الكلمة وقالت للسادات : " ازاى حضرتك تعطينا درسا فى احترام الوقت فى زمن المعركة ،
وقد جئت متأخرا عن موعد الاجتماع بثلاث ساعات ؟؟. مئات من الأشخاص فى كل المجالات
تعطلوا ثلاث ساعات عن أشغالهم فى زمن المعركة ، ما الخسائر التى نتوقعها من هذا
التأخير محسوبة بالقلم والورقة ؟؟ ".
قال الضابط المكلف بالقبض على أمى ، يوم 6 سبتمبر 1981 ، بعد أن كسروا
باب شقة الجيزة ، لأن أمى ، رفضت أن تفتح لهم دون اذن من النيابة : " حاجة غريبة يا
يا دكتورة ، قائمة المعتقلين كانت مكتوبة بالآلة الكاتبة ، وكاملة حسب التعليمات ، وجاهزة ،
عشان الريس يوقع عليها ، 1535شخصا ، نظر بدقة الى القائمة الطويلة ، وسأل أمال فين
نوال السعداوى ؟ ، ثم يأخذ قلما ويضيف اسمك الى القائمة ، بخط يده شخصيا ، طبعا كان
آخر رقم 1536 ".
وفى السيارة الى السجن ، أصرت أمى على تغيير مقعدها ، لتجلس بجوار النافذة ، حتى
تشم الهواء ، وتتفرج على الناس والمناظر ، وكأنها ذاهبة فى نزهة ترفيهية .
فى السجن تنبأت أن السادات سيموت قريبا جدا ، سيموت قبلهم جميعا ، وسوف
يخرجون جميعا للاحتفال .
وتقول أن فترة السجن ( 3 شهور ) كانت من أجمل فترات حياتها . كانت تلعب رياضة ،
وتزرع ، وكتبت على ورق تواليت وقلم حواجب مهرب لها من احدى السجينات ، واحدا من
أروع كتبها وهو " مذكراتى فى سجن النساء " ، والذى كان السبب فى وضع صورتها على
غلاف مجلة التايم الأميركية باعتيارها شخصية العام 1981 ، ودخلت قائمة أهم مائة امرأة
مؤثرة فى القرن العشرين .
من شقتنا الصغيرة فى الجيزة ، كنت أسمع من المساجد المحيطة بنا ، أصوات الشيوخ
يصرخون : " اقطعوا رقبتها الكافرة الزنديقة الفاسقة "........ " أقيموا عليها حدود الله
دون رحمة "... " اشنقوها فى ميدان عام لتكون عبرة " ... وغيرها من أبواق التحريض
على القتل ، كجهاد واجب فى سبيل الله .
وكانت تصلنا التهديدات عن طريق الهاتف ، وخطابات البريد . أرى أمى ، صامدة ،
واثقة ، لا تهتز لها شَعرة ، ولا يرجف لها جفن . وكان " شريف " بجانبها ، يقدم
كل الحب ، والدعم ، والمساندة . يظهر معها ، أو بمفرده ، فى القنوات الاعلامية ،
يرد على الهجوم ، والبذاءات ، والتهديدات ، بشخصيته المعهودة بهدوئها ، وصلابتها ،
ورسوخ حجتها ، وتمكنه من فضح النصب والتجارة بالدين والفضيلة . كما أن خبرته
السياسية الطويلة ، دربته على مثل هذه المواجهات ، ظاهرها دينى ، وباطنها سياسى .
" لن نفترق " .... هذه كلمة " شريف " الشهيرة التى أعلنها فى وجه الجميع ، عندما
رفعوا لاحقا ، ضدها قضية الحسبة والتكفير والارتداد ، طالبوا بسحب الجنسية المصرية
منها ، والتفريق بينها وبين زوجها ، د . شريف حتاتة ، أبى الذى لا يعوض ، نبيل الخلق ،
عشت عمرى معه ، ولم أحمل اسمه . لا رجل أو زوج غيره ، كان يستطيع مرافقة أمى ، فى
مشروعها الحضارى ، ورحلة كتاباتها ، وتمردها الجذرية . هو مثلها ، متمرد ، وكاتب ،
وذاق قهر الأنظمة الاستبدادية . ومثلها دفع الثمن بكبرياء ، وشموخ ، واستغناء .
كم أفتقدهما فى هذه اللحظة ، وأستشعر اشتهاء عيونى للبكاء ، وهذه
الكلمات تتدفق على ورق الذكريات .
بعد اغتيال فرج فودة عام 1992 ، أرسلت الحكومة المتحالفة مع التيارات الاسلامية ،
لأمى ، حراسة يومية ، أمام بيتنا فى الجيزة ، حارسا أو اثنين . فقد كانت فى مقدمة قائمة
اغتيالات الاسلاميين المسلحين ، جنود الدولة الدينية .
وكانت أمى ، تتشاجر معهما ، وتقول أنها لا تحتاج حراسة من الدولة .
يقول لها الحارس ، أن حياتها ملك الدولة . وهنا تنتفض بالغضب العارم قائلة :
" حياتى ملكى أنا وحدى كما أننى لا أثق بكما ولا بالدولة ". وطبعا كانت تغافل الحراس ،
وتخرج متى تريد ، الى أى مكان تشاء ، وترجع وهى سعيدة ، أنها خدعت وكلاء الدولة ،
أحقا فاتت سنة ، وأمى ، التى لم تغب عنى ، غائبة ؟؟.
هل أشتاق ، وأحن الى أمى ، قدر غيابها سنة من الزمان ؟؟؟. لا أعتقد أن الآشتياق أو
الحنين الى شخص ، يخضع الى مقياس الزمن الذى يعرفه البشر . فالاشتياق لمدة ساعة ،
مثل الاشتياق لمدة خمس سنوات ، والحنين المتراكم خمسين سنة ، مثل الحنين المتراكم
خمسين دقيقة . الاشتياق هو الاشتياق ، والحنين هو الحنين ، طلقة رصاص عشوائية
فى حينها ، أو مدبرة مع سبق الشغف والترصد ، لا يهم . المهم أن هناك منْ ضغط على
الزناد ، و الطلقة قد أُطلقت ، مات منْ مات ، وعاش منْ عاش .
أن أفكر فى الحرية ، شئ ، وأن أعيش العمر ، مع امرأة هى الحرية المجسدة ، باللحم
والدم والأعصاب والأنفاس والخطوات ، صوت وصورة بث مباشر مستمر متاح لى ، دون
انقطاع ، فهو شئ آخر ، وقصة أخرى .
حيرتنى تلك المرأة ذات العقيدة " النوالية " . من أين تأتى بكل هذه الطاقة المتجددة
على أن تكون نفسها ، ضد العالم .
عرفت السِر " النوالى " ، عندما استعدت احدى مقولات " جبران خليل جبران " ....
" المرأة التى يتحسن يتحسن مزاجها من كتاب ، قصيدة ، أغنية ، أو كوب قهوة ،
لن ينتصر عليها أحد ، حتى الحياة تخسر أمامها ".
الأمر الآخر المحير ، أنها " مستغنية " عن كل الأشياء . المناصب ، والجوائز ، الفلوس،
والممتلكات ، والنزهات فى المنتجعات ، والشهرة ، والجواهر ، الماكياج ، والأزياء الفاخرة .
المديح والذم ، لديها سواء .
لا تريد من هذا العالم " المعوج " ، الا أن تُترك لتستغرق بالساعات ، دون
ازعاج لتكتب كيف " ينعدل " .
وجائزة نوبل ، والتى كانت مرشحة لها منذ منتصف ثمانينات القرن الماضى ،
وحتى سنة 2021 ، لم تكن تهتم بها . كانت تدرك أنها جائزة سياسية فى المقام
والأخير ، تعطيها احدى الحكومات الدائرة فى فلك أمريكا واسرائيل ، فكيف تحصل عليها ،
وهى تقف ضد مبادئ وسياسات أمريكا واسرائيل ؟؟. مع أن السويد ، من أكثر البلاد التى
التى تحظى فيها أمى بشعبية كبيرة من جهات مختلفة ، ومنحتها جائزة " ستيج داجرمان"
الأديب السويدى الشهير الذى مات منتحرا . وقالوا لها أن منْ يحصل على هذه الجائزة
السويدية ، تكون جائزة نوبل ، هى المحطة التالية .
كانت أمى تعتقد أنه اذا أنشأ ألفريد نوبل ، مخترع الديناميت ، جائزة نوبل ،
ليكفر عن اختراعه المدمر ، فانه بهذه الجائزة ، قد اخترع دون أن يقصد ، شيئا
أكثر تدميرا ، وهو ضرب استقلالية الأدب ، والانتقاص من قيمته الابداعية لحساب
المواقف السياسية ، وتحويل فن الكتابة الى سلعة استهلاكية لها ثمن ، فى " السوق
الرأسمالى " ، وجر الأديبات والأدباء ، الى حلبة منافسة ، ليسوا فى حاجة اليها . وفى أحد
نصوصها المبدعة كتبت : " جائزة الاستغناء عن الجوائز " ، بعد أن طالب البعض بتكريمها
فى وطنها مصر ، باهدائها قلادة النيل " أعلى وسام مصرى " . وهو ما لم يحدث طوال
تاريخها . بينما فى البلاد العربية ، وعدد كبير من دول العالم ، من أكبر الجامعات ، وملتقيات
الأدب والابداع ، والجمعيات النسائية والثقافية ، ودعيت لالقاء كلمة الافتتاح فى أهم
المؤتمرات الفكرية والأدبية العالمية ، وعدد من كتبها ورواياتها يُدرس فى مدارس وجامعات
العالم ، منها بلاد عربية مثل تونس . ومٌنحت أعلى الأوسمة من رؤساء الدول ، على سبيل
المثال ، وسام الجمهورية الفرنسية ، وسام الجمهورية التونسية ، وسام كتالونيا فى أسبانيا ،
وترجمت جميع أعمالها ( 80 كتابا ) الى 40 لغة عالمية ، حتى الصينية ، واليابانية والفارسية .
بينما فى مصر ، يُكرم عضوات وأعضاء أحزاب " الترقيع الفكرى " ، و" النفاق
الدينى " ، و " كاتبات وكُتاب الدرجة العاشرة " ، و" مغازلة السلطة " ، و " مداهنة
التيارات الاسلامية الأصولية الاخوانية الوهابية السلفية الذكورية ".
قالوا عنها " صادمة " لجرأتها ، وترد قائلة : " لست جريئة .. العالم هو اللى جبان " .
وقالوا " متوحشة " ، وتقول : " نعم .. لأننى أقول الحقيقة ، والحقيقة متوحشة ".
وصفوها بأنها " تكره الرجال " ، ويأتى ردها : " لا أكره الرجال .. أكره النظام الذى
جعل من الرجال مطرقة حديدية تضرب النساء " .
قالوا : " ضد الأنوثة " ، ردت : " أنوثتى هى تمردى .. حريتى .. تفردى ".
أحقا ، فاتت سنة من تاريخ الزمان ، ، حينما رقدت أمى رقدتها الأبدية ، الأحد 21 مارس
2021 ، الثانية عشر ظهرا ، فى عيد الأم ؟؟.
لا أصدق ، انه كابوس مرعب ، يسبقتى كل ليلة الى وسادتى وسريرى . منْ قال أن
مرور الزمن ، خير دواء ، يخفف من طعنات السٍكين الراشق فى قلوبنا ، يخفت من آهات
الوجع ، يهدئ من تقلصات الجنون ، وعزاء مضمون لكل داء وبلاء ؟؟؟.
لم تكن أمى ، ترضى أن تنام رقدتها الأخيرة ، دون رضاها . اختارت حياتها ، وكذلك
اختارت الرحيل فى شهر مارس ، شهر المرأة فى العالم ( 8 مارس ) ، وفى مصر ( يوم
المرأة العالمى " ، اختارت يوم 21 ، أول أيام موسم الربيع ، عيد المرأة الأم ، التى كانت
تحلم بأن تمنح اسمها لأطفالها ، شرفا ، ومجدا ، وأكبر دليل على حبها وتكريمها .
رحلت أمى فى 21 مارس 2021 ، اليوم الذى وافقت الدولة على تغليظ عقوبة اجراء
ختان الاناث ، القضية التى هاجمتها وطالبت بايقافها ، لأول مرة فى خمسينات القرن
الماضى ، و اُضطهدت بسببها دينيا ، ومهنيا ، وثقافيا ، وأخلاقيا . وبعد ذلك ، هاجمت ختان
الذكور أيضا ، وطالبت بايقافه وتجريمه . سيأتى يوم قريب ، كما أرادت ، ويتوقف ختان
الذكور أيضا ، ويتم تجريمه بالقانون .
يا للمفارقة ، اليوم الذى ماتت فيه أمى ، وتوارى فى التراب ، جسدها المرصع بالنجوم ،
ومجد الاستغناء ، كانوا يحتفلون بنساء هاجمن تجريم الختان ، ثم أطلقوا عليهن " رائدات "
تجريم الختان ، وبالأمهات المثاليات ، يبتسمون ويسلمون الجوائز ، ولم أسمع كلمة واحدة
عن أمى . وسوف يتكرر الأمر ، هذا عن يقين ، عشناه العمر كله .
هذا ليس بحثا عن كلمة تقال فى حق أمى . هى لا تحتاج شيئا من أى أحد ،
لا تحتاج تكريما من أحد ، ولا اعترافا من أحد . لكننى أرصد ظاهرة فى مجتمعاتنا
طاردتها فى حياتها ، وصنعت جبهة تضامن من جميع الأهواء ، و الأطياف ،
والأيديلوجيات ، أديبات ، أدباء ، نقاد ، يمين ، وسط ، يسار ، حكومة ، مستقلين ، أحزاب ،
معارضة ، اعلام مرئى ومقروء ومسموع ، جمعيات نسائية ، فى مشهد تاريخى فريد فى
فى نوعه ، وامتداد زمانه ، عبوره الأجيال على مدى سنوات ، وفى طبيعته العدائية العنيفة .
أتذكر عندما كنت أشعر بالضيق أحيانا من هذا الموقف ، تبتسم أمى قائلة : " لا تبالى بهم ،
هم يدافعون عن وجودهم ، ولا يملكون الا هذه الأسلحة .. أسلحة رخيصة مستهلكة متهالكة ،
لكنها هى بضاعتهم الوحيدة ، ويوما ما سوف تصوب اليهم ... وكلما زادوا شراسة ، كلما
تيقنت أن سهامى قد أصابت الأفعى السامة فى رأسها ".
بعد رحيل أمى ، فى 21 مارس 2021 ، قام الجهاز القومى للتنسيق الحضارى ،
بالتعاون مع وزارة الثقافة ، ومجلس الوزراء ، باعداد لوحة لها ضمن مشروع
" عاش هنا " لتكريم الرواد فى مختلف المجالات. فى أكتوبر 2021 ، تم وضع لوحة نوال
السعداوى ، أمى ، ومعه وضعت لوحة شريف حتاتة ، أبى ، أمام مدخل بيت الجيزة رقم 25
شارع مراد ، الذى سكنا فيه ، وشهد زواجهما ، ورحلة كفاحهما المشتركة ، بحلوها ،
وُمرها ، بيت الطفولة والمراهقة والشباب والذكريات ، وبدايات كل الأشياء . اللوحة يراها كل
فى الشارع ، وبها برنامج QR ، تعريف بالشخصية ، وملخص سيرتها الذاتية .
مررت بالشارع ، وقفت عند باب بيتنا رقم 25 شارع مراد الجيزة ، وتأملت اللوحتين ،
المتلاصقتين ، فأشعر بأن الأرض تلف بى ، وأتماسك حتى لا أسقط ، وأروح فى اغماءة ، أو
ألفظ أنفاسى الأخيرة . يا لها من لحظة انتهاء رائعة ، أمام بيتنا القديم ، وأمام أسم أمى ،
واسم أبى ، لم أحمل أيا منهما ، الا منحوتا فى قلبى .
بعد اختفاء أمى ، الشمس أبدية التوهج ، الجوهرة التى لا تتكرر ، ، صانعتى ، وملاذى ، حبيبة عقلى ، حبيبة شهقاتى ، وجسدى ، وروحى ، كل عمرى وذكرياتى ، تعبت لأرتاح ، شقيت لأفرح ، الزاهدة ، الجسورة ، عزيزة النفس والكبرياء ، متفردة الابداع ، الساخرة ، دائمة المرح وبعث البهجة ، والأمومة الدافئة السخية ، عاشقة الرقص والغِناء ، ارادتها من حديد ، وقلبها من حرير ، ضحكاتها الرنانة تهز الدنيا ....
لم تقبل أن ينفق عليها رجل ، أو يتحكم فيها مخلوق ، أو تنحنى لحاكم أو محكوم ، تساعد بكل قوتها وحكمتها ، منْ يلجأ اليها ...
لم تمرض يوما واحدا فى عمرها ، أخطأ الأطباء دون اقرار بالخطأ ، فأعجزوها ، وهى الرياضية ، دينامو الطاقة والحيوية ...
حجبت آلامها لأنام الليل فى سكون ، وهدوء ، كنت لديها أجمل وأهم ابنة فى الكون ،
و " عاطف حتاتة " أخى ، كان لها أجمل كتاب ، غزلته يداها .
كانت لى ، ولعاطف ، زهرة عمرنا ، ونبض قلوبنا .
بعد " أمى " نوال ، لم يعد شئ فى العالم ، ولا أحد ، يهمنى . تحررت من كل الأمنيات والرغبات ، الا أمنية ، ورغبة ، السفر اليها ، لآحتضنها الى الأبد ، تحت التراب .
كانت " فاتحتى " ، وهى " خاتمتى " ، فى حياة مُرة المذاق ، لم تعد فيها .
" أمى " نوال .... أول السطر ، لكنه بلا نهاية ..
" أمى " ، هى القصيدة التى لن أستطيع كتابتها ، وان استطعت أعجز عن تكملتها.
فكيف يمكننى أن أتسلق شجرة شامخة الأغصان تشق السماء ، وأن أكتب عمنْ
ثمارها الكتابة والكلمات ؟؟.
-----------------------------------



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World