المقريزى : أعظم المؤرخين الذى لم يكن من أكابر المجرمين ( 2 من 3 )

أحمد صبحى منصور
handh241@gmail.com

2021 / 8 / 27

الباب التمهيدى : عن الدولة المملوكية ومؤرخيها وما قبل السلطان برسباى
الفصل الثانى :( مؤرخو عصر برسباى )
المقريزى : أعظم المؤرخين الذى لم يكن من أكابر المجرمين ( 2 من 3 )
ثالثا : ملاحظات حول تعليقات المقريزى الهجومية النقدية
مقدمة
1 ـ تأتى الوفيات بعد أحداث كل عام . ويُذكر فيها من مات ( أو قُتل ) من أكابر المجرمين . ولأن العصر كان فاسدا فإن نجوم هذا العصر الفاسد لا بد أن يكونوا من أكابر المجرمين ، من المماليك ورجال الدين ، فالتاريخ ينام في أحضانهم . والمؤرخ يذكر أخبارهم شهرا شهرا في العام ، ثم يختم العام بلمحة عن تاريخ من مات منهم في هذا العام . ولأن الفساد هو الأساس والعُملة السائدة فإن تقييم الأشخاص في الوفيات يكون نسبيا ، أي حسب درجته في الفساد . وقد يأتي مدح بعضهم بالصلاح في الدين الأرضى السُّنّى ، وهذا طبقا لما ساد في العصر من احتراف دينى يجعل ذلك المحترف شخصا هاما ومشهورا بحيث يذكره المؤرخون ، فيتكلمون في مناقبه ، بل أحيانا كانت توضع مؤلفات خاصة في مناقبهم ، وكان معتادا أن تتفرد كتب خاصة في ( الطبقات ) أي التأريخ للمشهورين من العلماء والفقهاء ، وتتنافس في مدح أو تقديس بعض الشخصيات . وتتشابه الروايات في التأريخ الحولى مع تلك المذكورة في المناقب والطبقات ، والشّكُّ فيها قائم ، بل إنه واجب حين تدور الروايات عن كرامات ومعجزات . انعكس مناخ التقريظ والتمجيد هذا على كتابة تاريخ موجز للمتوفى في نهاية كل عام في الحوليات التاريخية ، فكان الأغلب فيها هو المدح وتلمُّس الأعذار للمجرم الذى مات ، طبقا للقاعدة السُّنّية القائلة: ( أّذكروا محاسن موتاكم ).
2 ـ الميزة الكبرى للمقريزى هي جُرأته في نقد أكابر المجرمين في عصره في ثنايا تاريخه ( السلوك ) حيث كان كلامه في الأغلب عاما . إلا إنه في الوفيات تحدث عن اشخاص بعينهم ، انتقدهم وهاجمهم ، وكان فيها يُعبّر عن ثقافته الدينية وما شاع عنهم من مظالم . ولم يخلُ الأمر من نوازع شخصية بطبيعة الحال ، ولكن يمكن القول إن سيادة الفساد جعلت له درجات ، نتبينها فيما قاله المقريزى .
3 ـ ونختار بعض ما سجله عن بعض الشخصيات التي عاشت في عصر السلطان برسباى فقط ، موضوع هذا البحث . ونضع عليها بعض الملاحظات :
أولا : نقد المقريزى لأكابر المجرمين :
تنوع النقد :
1 ـ هجوم موجز مختصر لأكابر المجرمين المماليك : قال :
( وقتل الأمير طوغان أمير أخور في أيام المؤيد شيخ- ذبحا بقلعة المرقب، في ذي الحجة، 828 .. وهو كما قيل : لم أبك منه على دنيا ولا في دين ).
( ومات الأمير الكبير الأتابك سيف الدين قجق الشعباني .. في تاسع شهر رمضان، 829 وكان لا معنى له في دين ولا دنيا. ).
( الأمير قشتمر 830 الذي تولى نيابة الإسكندرية، ثم أخرج إلى حلب، فقتل في وقعة التركمان في المحرم، ومُستراح منه . ).
( ومات الأمير جانبك الحمزاوي. وقد ولي نيابة غزة، وتوجه إليها فأتته المنية في طريقه. عام 837 ومُستراح منه ومن أمثاله. ).
( ومات الأمير الطواشي خُشْقَدم زمام الدار، في يوم الخميس عاشر جمادى الأولى بالقاهرة، 839 ، وترك مالاً جماً، منه نقداً ستون ألف دينار ذهباً، إلى غير ذلك من الفضة والقماش والغلال والعقار، ما يتجاوز المائتي ألف دينار. وكان شحيحاً بذيء اللسان، فاحشاً ) .
( ومات الأمير أرغون شاه بدمشق، في حادى عشرين رجب. 840، وكان قد ولى الوزارة والأستادارية بديار مصر، ثم أخرج إلى الشام على إمرة، وباشر بها للسلطان. وكان ظلوما غشوما.) .
( ومات الأمير تمراز المؤيدى خنقا بالإسكندرية، في ثالث عشرين جمادى الآخرة، 841 .. ولم يكن مشكورا. ) .
( ومات بمكة شرفها اللّه الأمير جانبك الحاجب، المجرد على المماليك إلى مكة، في حادى عشر شعبان. 841 ومُستراح منه. ).
( ومات الأمير آق بردى نائب غزة، 841 فأراح اللّه بموته من جوره وطمعه. )
( سعد الدين إبراهيم بن كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة، المعروف بإبن كاتب جكم ناظر الخاص ابن ناظر الخاص، في يوم الخميس سابع عشر شهر ربيع الأول، ( 841 ) عن نحو ثلاثين سنة. وكان من المترفين، المنهمكين في اللذات المنغمسين في الشهوات. )
( الأمير يخشي بك، 842 .. وكان جبار ظالمًا شريرًا.).
( ومات 844 الأمير ناصر الدين محمد بن بوالي بدمشق في سابع عشره، وقد ولي أستاداراً في الأيام المؤيدية شيخ، ثم إستمر أستادارًا بدمشق، وهو معدود من الظلمة )
2 ـ هجوم بتفصيلات : قال :
( وقتل الأمير تغري بردي خنقاً بقلعة حلب في ربيع الأول، 828 فمُستراح منه، لا دين ولا عقل ولا مروءة، ما هو إلا الظلم والفسق . ).
( ومات الأمير سودن الأشقر- بدمشق في جمادى الأولى، 827 وهو أحد المماليك الذين أنشأهم الناصر فرج. وكان عيباً كله. لشدة بخله، وكثرة فسقه وظلمه. ).
( ومات الأمير سيف الدين أينال النوروزي أمير سلاح، في أول شهر ربيع الآخر،829 قد أناف على الثلاثين سنة، فوجد له من الذهب خمسون ألف دينار، وكان ظالماً فاسقاً، لا يوصف بشيء من الخير. ).
( ومات الأمير أزدمر شايه في سادس شهر ربيع الآخر 831 بحلب.. ولم يُشكر في دينه، ولا في أمر دنياه، بل كان من الظلم والشح والإعراض عن الله بمكان.).
( ومات الأمير تاج الدين التاج بن سيفا القازاني، ثم الشويكي الدمشقي في ليلة الجمعة حادي عشرين شهر ربيع الأول، بالقاهرة 839 . تولى ولاية القاهرة مدة أيامه... فسار فيها سيرة ما عفّ فيها عن حرام، ولا كفّ عن إثم، وأحدث من أخذ الأموال ما لم يُعهد قبله، ثم تمكن في الأيام الأشرفية ( السلطان الأشرف برسباى ) ، وارتفعت درجته، وصار جليساً نديماً للسلطان، وأضيفت له عدة وظائف، حتى مات من غير نكبة. ولقد كان عاراً على جميع بني أدم، لما اشتمل عليه من المخازي التي جمعت سائر القبائح، وأرست بشاعتها على جميع الفضائح. ).
( ومات الأمير قَصرَوه نائب الشام بدمشق، ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر، 839 وهو على نيابتها، وترك من النقد والخيول والسلاح والثياب والوبر وأنواع البضائع والمغلات ما يبلغ نحو ستمائة ألف دينار، وكان من أقبح الناس سيرة ، وأجمعهم لمال من حرام. ).
( ومات الأمير جانبك الصوفي في يوم الجمعة خامس عشر شهر ربيع الآخر،( 841)، وهو أحد المماليك الظاهرية برقوق. ترقى في الخدم، وصار من أمراء الألوف، وتنقلت به الأحوال حتى قبض عليه الأشرف برسباى، وسجنه، ففر من سجنه بالإسكندرية، وأعيا السلطان تطلبه، وإمتحن جماعة بسببه، إلى أن ظهر عند ابن دلغادر، وحاول ما لم يقدر عليه، فهلك دون بلوغ مراده. وحمل رأسه إلى السلطان، كما مر ذكره مشروحًا. وكان ظالمًا، عاتيًا، جبارًا، لم يُعرف بدين ولا كرم . ).
( ومات الأمير سودون بن عبد الرحمن وهو مسجون بثغر دمياط، في يوم السبت العشرين من ذى الحجة. ( 841 ) وهو من جملة المماليك الظاهرية برقوق. ترقي في الخدم حتى صار نائب الشام، ثم عزل، وسجن حتى مات، وكان مُصرًا على ما لا تبيحه الشريعة من شهواته الخسيسة، وأحدث في دمشق أيام نيابته بها عدة أماكن لبيع الخمر ووقوف البغايا والأحداث، وضمنها بمال في كل شهر، ( أي فرض عليها ضرائب ) فإستمرت من بعده. وإقتدى به في ذلك غير واحد، فعملوا في دمشق خمارات مضمنة بأموال، من غير أن ينكر عليه أحد ذلك . )
( ومات الأمير دولات خجا، أحد المماليك الظاهرية . ولى ولاية القاهرة ثم حسبتها. وكان عسوفًا جبارًا كثير الشر، يصفه من يعرفه بأنه ليس بمسلم، وأنه لا يخاف اللّه، وكان موته يوم السبت أول ذى القعدة 841. )
. ( ومات الأمير تغرى برمش، 842 ..وقتل بحلب في يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة، بعد عقوبات شديدة، وقد أخرب في حروبه هذه حلب وما حولها، وأكثر من الفساد، وقتل العباد.. ).
( ومات الأمير طوخ مازي في ليلة السبت خامس شهر رجب، 843 ، نائب غزة، وأحد المماليك الناصرية فرج، ومُستراح منه، فقد كان من شرار خلق اللّه، فسقًا، وظلمًا، وطمعًا. )
وأخيرا :
. ( ومات السلطان الملك الأشرف برسباى الدقماقى الظاهرى في يوم السبت ثالث عاشر ذى الحجة، 841 وقد أناف على الستين... إلا أنه كان له في الشح والبخل والطمع، مع الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية وكثرة التلون وسرعة التقلب في الأمور وقلة الثبات ــ أخبار لم نسمع بمثلها، وشمل بلاد مصر والشام في أيامه الخراب، وقلة الأموال بها. وإفتقر الناس وساءت سير الحكام والولاة، مع بلوغه آماله ونيله أغراضه، وقهر أعدائه وقتلهم بيد غيره . لتعلموا أن اللّه على كل شىء قدير. ).
تعليق
تناقض هائل بين شهادة المقريزى على السلطان برسباى وبين دفاع أبى المحاسن عنه . وشهادة المقريزى ستأتى خلال تسجيله لأحداث عصر برسباى كل عام من 825 الى 841 .

بسبب تسيّد الفساد :
مدح يحمل نقدا ضمنيا للآخرين
قال :
( وقتل بدمشق الأمير تنبك البجاسي في أول ربيع الأول، 827 .. تولي نيابة حماة وحلب ودمشق، وشكرت سيرته، لتنزهه عن قاذورات المعاصي، كالخمر والزنا، مع إظهار العدل وفعل الخير.) .
( ومات الأمير الطواشي كافور الصرغتمشي، شبل الدولة، زمام الدار، وقد قارب الثمانين سنة، في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الآخر، 830 .. وكان قليل الشر. ) .
مدح وذمّ :
قال :
( ومات الأمير قرقماس الشعباني، ضربت عنقه بها في يوم الإثنين ثاني شهر جمادي الآخرة،( 842) وقد بلغ الخمسين أو تجاوزها وكان يوصف بعفة عن القاذورات المحرمة، وبمعرفة، وخبرة، وفروسية، وشجاعة، إلا أنه أفسد أمره بزهوه وتعاظمه، وفرط رقاعته، وشدة إعجابه بنفسه، وإحتقار الناس، والمبالغة في العقوبة، وقلة الرحمة، لا جرم أن اللّه تعالى عامله في محنته من جنس أعماله. )
عن أكابر المجرمين من المدنيين .
قال :
( ومات عام 830 نجم الدين عمر بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي الحسباني الدمشقي الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، وكاتب السر بديار مصر، في ليلة الأحد مستهل ذي القعدة، عن ثلاث وستين سنة، وقد نقب عليه بستانه بالنيرب خارج دمشق، ودخل عليه وهو نائم عدة رجال فقتلوه، وخرجوا من غير أن يأخذوا له شيئاً فلم يرع زوجته إلا به وهو يضطرب... وكان يسير غير سيرة القضاة، ويرمي بعظائم، ولم يوصف بدين قط .).
تعليق
جاءت أخبار في ( السلوك ) عن هذا القاضي تجعل نهايته هذه مفهومة .
( ومات شمس الدين محمد بن يعقوب النحاس الدمشقي، في يوم الجمعة ثالث المحرم، 831 وهو من عامة دمشق، تشفع بي لما قدمت دمشق في سنة عشر وثمانمائة، أن يلي حسبة الصالحية، ثم قدم القاهرة في سنة اثني عشرة، وولي حسبة القاهرة ثم وزارة دمشق، فلم تحمد سيرته، ولا شكرت طريقته.).
تعليق
نلاحظ هنا أن المقريزى كان يعرف هذا الشخص ، وأنه توسّط له في دمشق عام 831 . هذا مع أن المقريزى لم يذكر في أحداث عام 810 أنه زار دمشق ، وقلنا إنه لا يزعج القارىء بأخباره الشخصية كما كان يفعل ابن حجر العسقلانى في تاريخه .
( ومات بدر الدين حسن بن أحمد بن محمد البرديني أحد خلفاء الحكم الشافعي في يوم الاثنين خامس عشرين شهر رجب، 831 وقد أنافس على الثمانين. وكانت فيه عصبية ومحبة لقضاء حوائج الناس. ولم يوصف بعلم ولا دين، صحبناه سنين، ومُستراح منه. ).
تعليق
صحبه المقريزى سنين ، وأوجز وصفه بأنه لم يوصف بعلم ولا دين وأنه مُستراح منه .!
( ومات قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن الأموي المالكي بدمشق، في يوم الثلاثاء حادي عشر صفر. 837 وقد ولي قضاء القضاة المالكية بديار مصر في الأيام المؤيدية شيخ، ولم يشهر بعلم ولا دين.) . تعليق
قاضى القضاة هذا لم يكن مشهورا بعلم ولا دين . فماذا كانت مؤهلاته لأن يكون قاضى القضاة ؟ . قلنا إن تولى المناصب ومنها القضاء كان بالشراء والرشوة ، ليس مهما أن يكون عالما أو متدينا . المهم صلاحيته لأن يكون من أكابر المجرمين .
( ومات عام 844 قاضي القضاة محب الدين أبو الفضل أحمد ابن شيخنا جلال الدين نصر اللّه ابن أحمد بن محمد بن عمر... ولم يخلف في الحنابلة بعده مثله، ولا أعلم فيه ما يعاب به، لكثرة نسكه ومتابعته للسنة، إلا أنه ولي القضاء، فاللّه تعالى يرضى عنه أخصامه.).
تعليق
واضح وجود صلة بين المقريزى وهذا القاضي ، فأبوه كان شيخ المقريزى ، وقد أسبغ عليه مدحا ، قال بعده : ( إلا أنه ولي القضاء ) توحى بأن تولى القضاء رذيلة ، أو أن توليه القضاء أظهر ما بداخله من فساد . بعدها قال ( فاللّه تعالى يرضى عنه أخصامه.)، أي إنه حكم بالظلم في ولايته للقضاء . إلا إنه لم يقل إنّ متابعته للسُّنّة هي أساس ظلمه في أحكامه القضائية .
( ومات 844 القاضي شمس الدين محمد بن شعبان في حادي عشرين شوال عن نيف وستين سنة وولي حسبة القاهرة مرارًا عديدة، ولا فضل ولا فضيلة).
تعليق
هذا قاض تولى منصب الحسبة ، وهو أكثر المناصب استطالة على الناس وأكلا لأموالهم . لذا تولى المنصب مرات عديدة ، وكان مؤهلا له ، إذ لا فضل عنده ولا فضيلة .
( وتوفي تقي الدين محمد بن الزكي عبد الواحد بن العماد محمد ابن قاضي القضاة علم الدين أحمد الأخناي المالكي، أحد نواب الحكم بالقاهرة عن المالكية، وهو بمكة في ثالث ذي الحجة، 830 عن ثلاث وستين سنة. وكان بالنسبة إلى سواه مشكوراً ).
تعليق
يصفه بالظلم ، ولكنه كان أقل ظلما من غيره من القُضاة بحيث صار مشكورا بالنسبة لمن سواه .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World