25 يناير العظيمة: أسئلة وإجابات العقد الثاني

حاتم الجوهرى
free3ever@hotmail.com

2021 / 1 / 25

ها هي ثورة 25 يناير العظيمة تكمل عقدا كاملا من الزمن على انطلاقها، ونحن على أعتاب العقد الثالث من القرن الجديد والألفية الثالثة، والمذهل حقا هذا العام هو الوعي الجمعي المصري، الذي على اختلاف مصادره الشعبية أو الثقافية أو السياسية، يحتفى بانطلاق الثورة بطريقة "الثبات الانفعالي"، بطريقة الحكمة واليقين معا.
المعظم يحتفي بيناير بدون "تناقضات متفجرة" حاضرة هذا العام، أي بدون معارك سياسية أو شعبية نشطة حول اليوم التاريخي للذات المصرية، والرائع هو "الاحتفال الذكي" هو "اليقين الشعبي".. سوف نحتفل بثورتنا دون استقطابات مفتعلة أو دون تفجير للتناقضات الكامنة في الحالة المصرية ككل بلاد الدنيا.
اليقين الهاديء هو رسالة شديدة الأهمية والثقل تلك التي يبعثها المصريون اليوم، هم يقولون لا إخوان ولا يسار ولا يمين ولا مؤسسة عسكرية، هم يؤكدون على تفويت الفرصة على اختلاق أعداء مفتعلين لحلم التغيير عند المصريين واستعادتهم لـ"ذاتهم التاريخية" بإمكانتها الكامنة.
وهذا يرسل رسالة قوية للإدارة السياسية للبلاد؛ برسوخ "اللحظة التاريخية" في الوعي الجمعي عند المصريين للثورة على الذات ومن أجل استعادتها، والرغبة في تخطي تكتيكات "حرق البدائل السياسية" وتوظيفها، وتفجير تناقضات "مستودع الهوية" المصري، وتأجيج الصراع المخطط داخل "التراتبات الاجتماعية" المتنوعة، لتفكيك قدرة اللحظة التاريخية على الاحتشاد.
لكن المصريون هذا العام يرسلون رسالة أقوى للجميع؛ الحلم موجود وحاضر بعيدا عن كل الاستقطابات الموروثة منذ القرن الماضي، إرث "دولة ما بعد الاستقلال" بيمينها ويسارها ومركزها العسكري.
متى تنجح الثورة وتمتلك القدرة على التغيير في "علاقات السلطة" و"الفكرة المركزية" للدولة المصرية؟ أقول أن "اليقين النفسي" هو عامل مهم للغاية، وما يحدث الآن للمصريين يؤكد على ذلك، رغم كل الاستقطابات التي تم تفجيرها منذ 25يناير 2011 وحتى الآن، إلا "اليقين النفسي" للشعب المصري يؤكد على تفوقه والتمسك بها.
ما الثورة إذن بعد عشر سنوات على انطلاقها؟ هي الرغبة العامة في تجاوز "علاقات السلطة" و"التراتبات الاجتماعية" التي قامت على مفاهيم "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي منذ منتصف القرن الماضي، من ثم الاعتماد على "علاقات سلطة" تقوم على "الفرز الطبيعي" والعدل في بناء "التراتبات الاجتماعية"، لا "التنخيب الزائف" وفق "الفرز حسب الولاء السياسي"، وتفعيل القدرات الكامنة لـ"الحاضنة الجغرافية" المصرية.
ما هو العمود الفقري للثورة المصرية؟ العمود الفقري للثورات الشعبية التي تطورت مع الثورة المصرية وتداخلها مع ظهور المجتمع الافتراضي وأدواته، يقوم على "كتلة جامعة" تنتظم حول "مستودع هويتها" والدفاع عنه، وتسعى للإمساك بـ "لحظة مفصلية ثقافية" تؤدي لبناء "تراكم حضاري" يقود مصر للأمام.
ما هي أهمية الكتلة الجامعة للثورة المصرية؟ أهمية "الكتلة الجامعة" هذه ترجع لأنها تتجاوز – كعادة الثورات الشعبية- التناقضات النخبوية التي تسبقها، وتؤسس لـ"لحظة مفصلية" تكون رافعة للمستقبل تقدم خطابا جديدا ونخبة جديدة، وتتجاوز عُقد ومتلازمات النخب القديمة وما ترتب عليها من أبنية وتراتبات ثقافية وأيديولوجية واجتماعية ومادية ومعنوية.
هذه الكتلة الجامعة هي الأمل الحقيقي لكل ثورات الشعوب، أي الكتلة التي تتجاوز آليات "تفجير التناقضات" والاستقطابات التاريخية في "مستودع هويتها"، وفي الوقت نفسه تسعى لامتلاك أسباب الدفاع عنه.
هل تقدم "الإدارة السياسية" الحالية إنجازات على أرض الواقع؟ تسعى الإدارة السياسية الحالية بالفعل لتقديم إنجازات على أرض الواقع، لكنها تتبنى مقاربة ووجهة نظر سياسية تقوم على "القطيعة والصدام" مع الثورة المصرية، وهو ما يترك بينها وبين الناس مساحة نفسية وواقعية، واقعية تنعكس في استمرار مفاهيم "علاقات السلطة" القديمة بمركزها العسكري في "دولة ما بعد الاستقلال".
هل يوجد حل قائم على تجسير المسافة أو بناء الجسر بين "الإدارة السياسية" الحالية وبين "اليقين النفسي" لدى جموع المصريين تجاه الثورة والتمسك بها؟ نعم يوجد حل عبر اعتماد مقاربة "الثورة كإضافة للأمن القومي المصري"، و"التحول الطوعي" نحو تجاوز "دولة ما بعد الاستقلال" وضبط "علاقات السلطة" وأثرها على بناء "التراتبات الاجتماعية".
ما الذي يمنع عبور هذا الجسر بين هؤلاء وأولئك؟
الفساد والانتهازيون، أو "التنخيب الزائف" في كل المؤسسات المصرية، وظهور "تراتب اجتماعي" تعمقه سياسات قديمة، وأنا شخصيا شاهد على هذه السياسات وفسادها ومحاولة تحصينها في عدة ملفات تتعلق بوزارة "الثقافة" وأبنيتها، ووزارة "التعليم العالي" والجامعات، ووزارة"الإسكان" وتمكين الناس من أراضيهم.
حيث بُح الصوت ولا فائدة، الانتهازيون والطامعون يقدمون أنفسهم، بقدرتهم على "خلق التناقضات" وتفجيرها تدعمهم بعض السياسيات المستمرة في بعض أبنية الدولة المصرية.
ما الحل إذن؟
يبقى الأمل في التجسير في ظل "اليقين النفسي" العالي والجمعي للمصريين، وأن تتبنى "الإدارة السياسية" الحالية "التحول الطوعي" لمفاهيم الثورة المصرية وتجاوز تراتبات "دولة ما بعد الاستقلال"..
وأن يفتح الطريق لـ"الكتلة الجامعة" المصرية لتقدم خطابا جديدا، يتجاوز التقاطبات السياسية والثقافية والأيديولوجية والاجتماعية ومتلازماتها، ويشق الطريق واسعا للمستقبل، وتجاوز "دولة ما بعد الاستقلال".
وما هو غير ذلك؛ سيكون سنة الحياة ومجراها الطبيعي الذي تشقه بمعرفتها، ومهما طال الوقت حتى تستقيم الأمور، ويتيقن الجميع من رسوخ الرغبة و"اليقين النفسي" في التغيير مهما طال الأمد وتفجرت التناقضات.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World