فيروس كورونا وبروفة الأزمة الآتية

مشعل يسار
tchahine@rambler.ru

2020 / 3 / 12

خلال الشهر ونصف الشهر الماضيين، أنشأت وسائل الإعلام العالمية صورة لنهاية العالم القادمة. فالسلالة الجديدة من فيروس كورونا (الفيروس التاجي COVID-19) التي ظهرت في الصين منذ شهر ونصف أصبحت عاملًا مهمًا في الحياة السياسية والمالية والاقتصادية للعالم بأسره. وعلى الرغم من أن الإحصاءات في كل مكان تقريبًا تظهر نسبة ضئيلة من المرضى والوفيات مقارنةً بالأنفلونزا العادية، فهناك توقف كبير للإنتاج، وتوصي السلطات بعدم ظهور السكان في شوارع المدن، وعدم القيام برحلات، والتواصل مع العالم الخارجي بأقل قدر ممكن.
وتبَث على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم أخبار تدابير التعبئة الهائلة التي تستطيع الصين بقيادة الحزب الشيوعي فقط القيام بها بهذه الكثافة، وتعمل وسائل الإعلام على إقناع الناس بأن الوضع خطير للغاية – إذ لو كان الأمر غير ذلك لما كان أنفق هذا الكم الهائل من الجهد والمال. وتحاول بلدان جنوب شرق آسيا ككوريا الجنوبية واليابان واليوم إيطاليا خاصة تكرار تدابير مماثلة لمنع انتشار هذا الفيروس الغامض.
الذعر الذي نشأ في الصين في منتصف يناير/كانون الثاني انتشر بعد اكتشاف فيروس كورونا الفتاك تدريجياً في جميع القارات تقريبًا، وفي مقدمتها آسيا وأوروبا. أما في الولايات المتحدة، فتم إظهار الوضع وكأن كل هذا "يحدث في مكان ما في الخارج"، بل يكاد يكون على كوكب آخر "صيني"، بينما الولايات المتحدة لن تتأثر بكل هذا لأن الرب يحفظها! وهذا على الرغم من أن الترويج للحملة الدعائية حول كورونا " COVID-19 " لم يكن ممكناً من دون مشاركة وسائل الإعلام الأمريكية بشكل مباشر، وأن مشاركة مجموعات معينة في المؤسسة الأمريكية في خلق "أزمة الفيروس التاجي" الحالية لا تغطيها وسائل الإعلام إياها.
ومع ذلك، الوقائع أصدق إنباء من أي وكالة أنباء. أكان "الفيروس الفائق الخطورة" هو السبب أم لا، فإن هناك انخفاضا حقيقيا في الإنتاج وانخفاضا كبيرا في الاستهلاك، وهبوطاً شديدا في تنقل السكان وتحولات أخرى مشابهة لتلك المتوقعة من دون جميل أي فيروس لانهيار "العالم الأحادي القطب" وتشطّر "السوق العالمية" إلى "أسواق" مناطق كبيرة من عالم متعدد الأقطاب.
لذلك، كما يقال، "لو لم يكن هناك فيروس كورونا لوجب خلقه". فـ"وباء فيروس كورونا" الحالي يهدف في الواقع إلى حل مهام حضارية لا يمكن حلها بخلاف ذلك إلا من خلال أزمة عالمية أو حرب عالمية أو نوع من الكوارث الطبيعية.
في هذا الوقت نجد أن الشك في أن "يد الإنسان" خلقت الفيروس الجديد يصبح أقل فأقل؛ فتشير دراسات جينوم الحمض النووي الريبي لـ COVID-19 إلى أنه نتيجة لهندسة وراثية هادفة، وليس نتيجة طفرات نقطية طبيعية كما يحصل عادة. وعلى الرغم من أن العديد من أخصائيي الفيروسات والأوبئة لا يزالون يزعمون عكس ذلك، أي يقولون بأن هذه السلالة نشأت من تلقاء نفسها وجاءت عفوية، فإن الموجة الوبائية ستصل إلى ذروتها عالمياً في الفترة من أبريل/نيسان إلى مايو/أيار من هذا العام، وبعد ذلك ستختفي، كما لوحظ بالفعل مرارًا مع سلالات أخرى من الفيروسات التاجية، بما في ذلك الالتهاب الرئوي غير النمطي (السارس) في عام 2003.
هنا يطرح سؤال بسيط وواضح: من كان المستفيد من كل هذا، ومن خسر في المقام الأول؟
هناك حتى الآن العديد من الفرضيات المتساوية في احتمالاتها والتي تشرح جوهر الأحداث، ولكن بشكل عام يمكن اختزالها بصيغتين عامتين.
"الصيغة رقم واحد" هي أن الصين كانت هي الضحية الرئيسية في النهاية، وتبين أن اللوبي المالي العالمي بفرعه الأمريكي في شخص "الدولة العميقة" (Deep State) هو المستفيد الرئيسي.
يقول بأحقية هذه الصيغة كون رد الفعل الواسع النطاق من جانب سلطات جمهورية الصين الشعبية، ومعه المجموعة الواسعة من تدابير التعبئة، لم يؤثر فقط تأثيرا خطيراً على صناعة جمهورية الصين الشعبية والنظام المالي والاقتصادي فيها، إذ خفّض معدل نمو الاقتصاد الصيني، حسب التقديرات، بنسبة 1.5-2 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، وهو ما يعادل خسارة ما بين 3 و4 تريليونات دولار، ولكنه تسبب أيضًا في جميع أنحاء العالم، خاصة - في البلدان المجاورة لـ "التنين الأحمر"، بموجة من الهستيريا الجماعية المعادية للصين، بما في ذلك الهجمات على الصينيين في اليابان وكوريا الجنوبية، وإغلاق الحدود في وجه المواطنين الصينيين، مما يعزز المشاعر المعادية للصين في جميع أنحاء العالم.
وفي الوقت نفسه، لم تتسبب تدابير مكافحة الوباء التي اتخذتها القيادة الصينية، بما في ذلك "إغلاق" مدن تقطنها عدة ملايين من البشر وتقييد حقوق المواطنين الصينيين، في أي استياء، بل نُظِر إليها على أنها ضرورة حيوية رغم قساوتها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الصعوبات الاقتصادية والمالية العالمية الناشئة عن "عامل COVID-19" تلقي بظلال من الشك على فرص دونالد ترامب الممتازة في إعادة انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام. هل في الأمر صدفة أم لا، ولكن بدأ هذا العامل في الظهور مباشرة بعد فشل عملية عزل الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين، عندما أُجبِر المبادرون إلى هذه العملية على نقل القضية من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ في 16 يناير/كانون الثاني 2020، حيث لم تكن الأغلبية الجمهورية بأي شكل من الأشكال تقبل انتحار الحزب بدعمها تُهم أعضاء الكونغرس الديمقراطيين ضد ترامب.
عندما بدأ "الهبوط" في البورصات الأمريكية في منتصف شهر فبراير/شباط المنصرم، أصبحت مسألة ما إذا كان انخفاض أسعار البورصة سيؤدي إلى أزمة كاملة أو سيمكن كبحها، حجر عثرة أمام الإدارة الأمريكية الحالية. في الواقع، مع استمرار التباطؤ الاقتصادي وتعززه أصبحت فرص ترامب، الذي كان نجاحه الاقتصادي بمثابة الأساس الرئيسي لشعبيته في المجتمع الأمريكي، موضع شك في انتخابات الرئاسة الثانية. وفي الوقت نفسه، يبدو أن هذه التطورات بعد الفشل في الإقالة هي بالنسبة للنخب السياسية في "الدولة العميقة" للولايات المتحدة، المرتبطة بشكل أساسي بالحزب الديمقراطي وبـ"التقدميين" في الحزب الجمهوري، الطريقة الوحيدة لمنع ترامب من إنجاح إعادة انتخابه وانتهاجه المزيد من السياسات بأسلوب MAGA («Make America Great Again!») (لنجعل أمريكا عظمى من جديد!)، التي تعني حرمان ممثلي "الدولة العميقة" من الجبنة الضخمة المقتنصة من ميزانية الدولة، وهو ما تم تقييد حصولهم عليه من قبل الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين منذ الفترة الأولى من حكمه.
إن هذه القوى العاتية للغاية لديها اهتمام كبير بهذا التطور في عام الانتخابات الرئاسية.
لهذا، تجدر الإشارة أيضا إلى أن إحدى جامعات الولايات المتحدة الرائدة، وهي جامعة ديوك، اقترحت في عام 1985 أن تنفذ جامعة ووهان الصينية برنامجًا مشتركًا طويل الأجل للبحوث الفيروسية، وقد تم القيام بذلك بأموال تبرع بها جورج سوروس وبيل غيتس. ويُعرف هذان الميارديران بأنهما من أنصار الحد من النمو السكاني للأرض ومن معارضي ترامب في آن.
"الصيغة رقم 2"، التي تم تحديدها جزئيًا في الجزء الأول من هذا المقال، أكثر تعقيدًا وتستند في المقام الأول إلى حقيقة أن سلوك القيادة الصينية في هذا الموقف يبدو ببساطة غير منطقي وانتحارياً: سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية السياسية. فلئن كانت بكين الرسمية قد اتخذت في أثناء وباء السارس عام 2003 تدابير معتادة لمكافحة الوباء، من دون إشراك الجيش ودون دعاية واسعة في وسائل الإعلام، جاء سلوكها الآن معاكسًا تمامًا وكان أشبه بالعمل في ظل حالة طوارئ حقيقية، وحتى بدعاية ملأت أرجاء العالم كله. ربما كان هذا "استعراضا للقوة" و"خطا أحمر" ترسمه لهونغ كونغ، حيث يستمر اختمار المعارضة الموالية للغرب والموالية لبريطانيا والموالية لأميركا، أو حتى لأولئك الذين يرغبون في تكرار "تجربة هونغ كونغ" في مدن جنوب الصين. ومن المحتمل أن يكون النهج المفرط في إعلان حالة الطوارئ والذي انتهجته سلطات جمهورية الصين الشعبية تجاه انتشار الإصابة بعدوى الفيروس التاجي أملاه بعض المعلومات السرية حول خصائصه والأخطار الحقيقية التي يمكن أن يتعرض لها سكان البلاد.
ولكن السلوك "التضحوي" و "الانتحاري" لبكين الرسمية يمكن أن يكون نتيجة لاتفاقات ما في إطار الهدنة المعقودة في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
فعلى مدار العشرين عامًا الماضية على الأقل، وجه العديد من الخبراء انتباههم إلى الدين الخيالي المتزايد باستمرار للولايات المتحدة، والذي تمت تغطيته بإصدارات الدولار من قبل نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، وباستثمارات المستثمرين الأجانب وعدد من التلاعبات الأخرى التي تسمح بالمحافظة على ذلك الاستقرار "الخارق" للاقتصاد الأمريكي كل هذه الفترة الطويلة. فجميع التوقعات المتعلقة بانهيار "إمبراطورية الدولار"، على الرغم من أزمات 1997-1998 و 2001 و 2008-2009 ظلت دائمًا "كلاماً فارغًا" وتأجل تحققها إلى تواريخ لاحقة. ويقترب إجمالي الدين الحكومي الأمريكي الآن من مستوى 23.4 تريليون دولار، بما في ذلك. الدين الخارجي - 6.1 تريليون دولار، ومع أخذ ديون الشركات وديون الأفراد في الاعتبار - من 75.9 تريليون دولار. وفي الوقت نفسه، يقدر إجمالي الأصول الأمريكية بـ 146 تريليون دولار، ومشتقات النقد الأجنبي والائتمان – بـ670 تريليون دولار. ومع ذلك، فإن هذه "الإمبراطورية" بقيت ولا تزال قائمة. لكن لا شيء يدوم في هذا العالم. حتى كوننا الفسيح الذي ظهر الى الوجود ذات مرة، قد يختفي يوماً ما: قد "ينهار" أو "يتبخر". فالتناقضات النظامية التي تراكمت في الحضارة الحديثة يجب حلها وإزالتها، بطريقة أو بأخرى.
ناهيك أن معدل النمو المتسارع للصين، وهو أعلى بثلاثة أضعاف مثيله في الولايات المتحدة، أدى في "الاقتصاد العالمي" الحالي إلى ازدياد خطر الانهيار الحضاري، وهو خطر كان لا بد من تحققه في قطاع معين من التنمية العالمية. وربما اقتربت الإنسانية بالفعل من هذا القطاع لدرجة أن الطريقة الوحيدة لتجاوز هذا الخطر جزئيًا على الأقل كانت إعادة صياغة العالم بالانتقال من "وحدة العالم" تحت الراية الأميركية إلى "تعددية قطبية" جديدة – الانتقال الذي أملت الولايات المتحدة شروطه على الصين على لسان ترامب.
مرة أخرى، نشهد بالفعل إغلاق أو تقليص مجموعة كاملة من الصناعات العالمية مثل السياحة وما يرتبط بها، وتقليص صناعتي الطائرات والسيارات، ونتيجة لذلك، انخفاضا في أسعار المواد الخام، وخاصة مولدات الطاقة. كذلك نشهد تخفيضا في المخصصات من ميزانية الدولة والإنفاق العسكري. ويمكن تقدير متوسط نسبة الركود العام لاحقا حول العالم بما يتراوح بين 25 و 30 في المائة، وهي نسبة قد تتجاوز في بعض البلدان الـ50 في المائة وتصل إلى 65-70 في المائة، وتنخفض عن المتوسط في بلدان أخرى، أو حتى تؤدي إلى نمو اقتصادي طفيف. ونظرًا لانهيار وتفكك السوق العالمي الحالي، يفترض أن تنشأ رابطات إقليمية كبرى تقوم على مبدأ القرب الجغرافي. وستكتسب المنطقة المترامية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مكان الأفضلية مقارنة بمنطقة جنوب شرق آسيا، حيث ستشتعل المنافسة بين جمهورية الصين الشعبية واليابان - وبالطبع، مع بعض مشاركة من جانب روسيا.
وبالتالي، بدلاً من انقراض الهيمنة الأمريكية، تتم تهيئة الظروف لاستعادة هذه الهيمنة على أساس جديد، يتمثل سواء في الابتكارات التكنولوجية وفي الاعتماد على قارة أمريكا الشمالية بأكملها تقريبًا.
لذلك، يمكن اعتبار "أزمة الفيروس التاجي" الحالية بمثابة نوع من بروفة أخيرة تحاكي الأزمة الحالية.
وهنا لا تستبعد أية من كلتا الصيغتين الأخرى على الإطلاق، وستظهر فقط التطورات أي منهما سيسود في النهاية.
ترجمة لمقالة ألكساندر ناغورني وفلاديمير أوفتشينسكي المنشورة في جريدة "زافترا" الروسية، 6 مارس/آذار 2020



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World