الماركسية و-علم الاقتصاد العصبي!- 3

طلال الربيعي
2020 / 3 / 24

حظيت علوم الاقتصاد العصبي والاقتصاد السلوكي والاقتصاد البيولوجي في الآونة الأخيرة باهتمام شعبي واسع النطاق, حيث اصبحت موجهة لكل من السياسات العامة والتطبيقات التجارية في دول عديدة, المملكة المتحدة والولايات المتحدة على وجه الخصوص. يؤدي استخدام مفاهيم مشتقة من التعليم العصبي والتسويق العصبي في التقارير السلوكية على نطاق واسع في النظرية الاقتصادية إلى نتائج بعيدة المدى لفهم كيفية, والتدخل في, العقلانية البشرية.

أصبحت العديد من التطورات المعرفية في الاقتصاد شائعة في المفاهيم المعاصرة لفهم صنع القرار البشري وتشكل السلوك الفردي والتفاعل الاجتماعي. و يشمل هذا رؤى من نظام جديد للاقتصاد العصبي, ومن مجالات أكثر رسوخًا للاقتصاد السلوكي ومجموعة غير مألوفة نسبيًا من الأفكار تسمى Picoeconomics .
(يستكشف Picoeconomics (الاقتصاد الجزئي-الجزئي) آثار الاكتشاف التجريبي: أن الناس (غالبًا) والحيوانات الأدنى (دائمًا) يستبعدون احتمال المكافآت المستقبلية في منحنى أكثر انحناءًا من المنحنى الأسي "العقلاني".او بتعبير آخر, قدرة اللاعقلانية في اتخاذ القرار البشري.)
What is PICOECONOMICS?
https://www.picoeconomics.org/
وكما يتجسد ذلك في مؤلفات الاقتصاد الشعبي مثل, Sway (Brafman and Brafman, 2009), The Economic Naturalist: Why Economics Explains Almost Everything (Frank, 2008), and Freakonomics (Levitt and Dubner, 2005)
حيث تجسد هذه المؤلفات تعظيمها او "تقديسها!" لقدرة التفسيرات المشتقة من الحوافز النفسية وعلوم الأعصاب وسلوك البشر في تفسير المجتمعات (الرأسمالية) المعاصرة. غالبًا ما يتم استخدام هذه الرؤى من قبل الباحثين والمعلقين الإعلاميين ليس فقط لاجل تقديم تفسير اقتصادي, ولكن ايضا لفهم الطبيعة الإنسانية نفسها-باعتبارها طبيعة ازلية حسب مفاهيم علم الاقتصاد العصبي-السلوكي, كما نوهت من قبل! وهذا الاتجاه يتميز بقدرته الاختزالية الفائقة في تهيمش الطرق البديلة لمعرفة العوالم الاقتصادية.

لا يتعين على المرء أن ينظر بعيدًا للحصول على أمثلة على تأثير هذه الأساليب الجديدة في مختلف مجالات الممارسة الاجتماعية - وهو الأمر الأكثر وضوحًا في صنع السياسات العامة والتسويق والتعليم. تم توثيق تأثير المفاهيم المستوحاة من علم الاقتصاد السلوكي في صنع السياسة العامة في المملكة المتحدة وفرنسا, مثلا. وتعتبر رؤى علم الأعصاب الآن حاسمة في تطوير نظريات التعلم والبحث التربوي, مع تمويل برامج البحث الرئيسية في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في مجال التعليم العصبي. وأخيرًا, ليس من المستغرب أن يتم نشر مثل هذه المعارف الاقتصادية الجديدة في القطاع التجاري, داخل عالم التسويق العصبي, وتزامنا مع نشوء شركات جديدة تقدم "معلوماتية عصبية" حسب الطلب؛ أبحاث السوق استنادًا إلى بيانات تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لمتغيرات مثل الإقناع والجدة والوعي بالمنتج (مثل Neurofocus و Mindlab International Ltd. و Synergon Consulting). ويتضح هذا الاتجاه من خلال العناوين الورقية الأكثر شيوعًا المنشورة، على سبيل المثال ، Your Money and Your Brain (Zweig ، 2007) ، و Buying Brain (Pradeep ، 2010) و Neuroweb Design (Weinschenk ، 2009).

أثيرت مجموعة من المخاوف الفلسفية والسياسية التي ستكون ذات أهمية أساسية لما يمكن أن يطلق عليه "الرأسمالية العصبية" Neurocapitalism . هذه المخاوف ذات ثلاثة محتويات. الأول هو التشكيك في وجود وخصائص شيء يسمى الرأسمالية العصبية كهدف للبحث والفحص وتعميمه الأوسع في صنع السياسة العامة. والثاني يلفت الانتباه إلى الافتراضات السلوكية للجوء إلى التفسيرات العلمية العصبية للعمل البشري - تحدي اليقين الذي يتم بموجبه الاستناد الى وظائف الدماغ والسلوك من قبل الاستراتيجيين السياسيين. والثالث يأخذ في الاعتبار مسائل الاختزالية والحتمية البيولوجية في هذه الطرق "الجديدة" المعينة ذاتيا لمعرفة العوالم (الاقتصادية) - ويسلط الضوء على بعض المخاطر المرتبطة بهذه المواقف عندما يتعلق الأمر بتصميم سياسات تركز على السلوكيات الاقتصادية "غير العقلانية".

أصبحت مفاهيم علوم الدماغ من أجل التفسير الاجتماعي والفلسفي والاقتصادي والسياسي شائعة الآن, كما أن تخصصات الاقتصاد العصبي والاقتصاد الحيوي والاقتصاد السلوكي تكتسب أهمية متزايدة في تعبئة الأساس المنطقي العلمي (لا ننسى للحظة واحدة ان المقصود بالعلم هنا, بعرف الاقتصاديين العصبيين, هو مفهومه الاختزالي لمثل هذه التفسيرات بمساواة العلم بالعلم الطبيعي حيث يكون علم الاعصاب احد فروعه). يشير علم الاقتصاد العصبي إلى استخدام تقنيات علم الأعصاب لفهم صنع القرار الاقتصادي, وهو مصطلح يقال أنه تم صياغته في عام 2001 في مؤتمر عقدته مؤسسة غروتر للقانون في جامعة برينستون the Gruter Foundation of Law at Princeton University, وذلك عندما تم تأسيس جمعية الاقتصاد العصبي Society for Neuroeconomics . يمكن العثور على جذور هذا العلم في كل من نظريات التحكم وصنع القرار في تفرسكي وكانيمان (1974)
Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases Biases in judgments reveal some heuristics of thinking under uncertainty. Amos Tversky and Daniel Kahneman
https://www2.psych.ubc.ca/~schaller/Psyc590Readings/TverskyKahneman1974.pdf
وكذلك في المنهجيات التجريبية لعلم الأعصاب الإدراكي. يدرس علم الاقتصاد picoeconomics الصراع داخل النفس في عملية صنع القرار الشخصي, مع الأخذ في الاعتبار "القدرة السلوكية المحدودة للفرد" والنزعة للتفضيلات غير المتسقة او غير العقلانية. وقد تطور هذا المجال الصغير إلى حد ما بالتوازي مع الاقتصاد السلوكي. الاقتصاد السلوكي له تاريخ أطول بكثير يمكن إرجاعه إلى العمل الرائد لهيربرت سيمون (1945)
https://www.amazon.com/Administrative-Behavior-4th-Herbert-Simon/dp/0684835827
وهو عمومًا أكثر رسوخًا كنظام. هناك معاهد بحثية قديمة، بل حائزة على جائزة نوبل. فاز دانييل كانيمان بالجائزة في عام 2002 عن بحثه مع عاموس تفرسكي في تقاطعات علم النفس والاقتصاد التي أجريت منذ السبعينيات- وكما اشرت الى ذلك ايضا في حلقة سابقة في بحوثه بخصوص ان السعادة ليست هدفا للاغلبية الساحقة من البشر.
A Nobel Prize-winning psychologist says most people
don’t really want to be happy
https://qz.com/1
https://qz.com/1503207/a-nobel-prize-winning-psychologist-defines-happiness-versus-satisfaction
ومثل هذه البحوث, اضافة الى معطيات التحليل النفسي في ان الفرد يبحث دوما عما يحقق رغبته اللامتناهية ( شيوع الانماط الاستهلاكية في المجتمع الرأسمالي او الحلم الامريكي كمثالين), تلقي ظلالها على شعارات احزاب شيوعية في المنطقة التي ترفع شعار "شعب سعيد!", وبرغم بلوغها العقد التاسع من العمر او ما يقرب (العمر لدى هذه الاحزاب يعني تراكما كميا للسنين وشيخوخة وترهلا فكريا, وليس تعاظما في التجربة والمعرفة). ولذا ان ما تشهده, على عكس ما يدعو له الشعار, هو تعاظم تعاسة وشقاء شعوب هذه الاحزاب في واقع الحال, , مما يعني ولا بد ان هذه الاحزاب تعاني من خلل نظري مهول نتيجة ايمانها بالاساطير ونبذها العلم. ونبذها للعلم يعني ولا بد نبذها للماركسية, باعتبار ان الماركسية نظرية علمية. لذا لا غرابة ان دعاة الاساطير والاوهام في ان, مثلا, شيوعيين بريمريين يدخلون تحالفا مع قوى اسلام سياسي لا مثيل لها في تخلفها, انحطاطها, وبربريتها.
يتبع

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت