موقف الأستاذ هيكل الملتبس من عبد الناصر والناصرية

رياض حسن محرم
2020 / 9 / 27

لا تذكر ثورة يوليو 1952 الاّ ويذكر معها الاستاذ/ محمد حسنين هيكل بصفته أهم من وضع مشروعها وصاغ وثائقها وأدبياتها، ليعرف بحق أنه "مفكّر الثورة" والملتصق بعقل وتفكير مفجّرها وقائدها فى دور فاق أندريه مالرو فى فرنسا ومكسيم جوركى فى الإتحاد السوفييتى بمراحل، وذلك منذ كتابته وثيقة "فلسفة الثورة" فى بدايتها، مرورا بصياغته ل"الميثاق" وحتى خطاب التنحى وليس انتهاءا بكتابته بيان العبور فى حرب اكتوبر 1973.
لقد صاغ هيكل بدقة تفاصيل المعارك التى جرت على أرض مصر طوال السنوات من 1952 فصاعدا موثقة بكم هائل من الوثائق والصوور الحية، فلم يكن من السهل معرفة أحداث ذلك التاريخ النابض للثورة دون كتب الأستاذ ومقالاته وحواراته المتعددة ولقاءاته الصحفية والتليفزيونية التى صنعت زادا يوميا للمتلقى المصرى والعربى وفى مختلف أنحاء العالم، أذكر اننى "حين كنت أعمل بالخليج" أن أخبرنى رجل مسن هناك أنهم كانوا "رغم فقرهم" حريصون على اقتناء راديو يمكنهم من سماع "صوت العرب" وسماع مقال الاستاذ هيكل "بصراحة" كل يوم جمعة.
اقترب الأستاذ كثيرا من "عبد الناصر" منذ لقائه به خلال حصار "الفالوجا" فى فلسطين فى حرب 1948، ولكنه لم يحسب على فترة التحضير للثورة، زمن تنظيم "الضباط الأحرار" ولا معركة "نادى الضباط" أو بيانات ومنشورات الضباط الأحرار ولا حتى اجتماعات "مجلس قيادة الثورة" التى تلت قيامها، ولم يشارك فى المعارك الداخلية الآولى، كاختيار "على ماهر" ليرأس الوزارة، ومعركة "سلاح المدفعية" أو تنحية "يوسف صديق" أو أحداث كفر الدوار واعدام "خميس والبقرى"، ولم يذكر له دور واضح فى معارك مارس 1954، لكنه أصبح الرقم الصعب فيما تلا ذلك من أحداث، ودليل على ذلك ما ورد في شهادة "أحمد بها الدين" حول علاقة هيكل بعبد الناصر، ودوره السياسي طوال أكثر من ثلاث عقود:” لم يكن هيكل أقرب الناس إلي عبد الناصر في أول الثورة، ولكنه صار بعد ذلك في تقديري أقرب الناس إليه على الإطلاق. وأبسط دليل أنه حين مرض عبد الناصر بأزمة قلبية عنيفة اقتضت منعه من العمل تماما، شكل لجنة تحكم البلاد باسمه كونها من شعراوي جمعة وزير الداخلية، وأمين هويدي وزير الحربية، وسامي شرف مدير مكتبه، ومحمد حسنين هيكل الذي كان لقبه الرسمي” رئيس تحرير الأهرام.
أهم أوراقه ووثائقه وكتاباته وشرائطه وتسجيلاته الصوتية والمرئية وغيرها، تم إحراقها بواسطة غوغاء الإخوان وأزلامهم فى ذلك الحريق الضخم الذى طال بيته ومكتبته فى مقره ببرقاش إباّن انهاء اعتصام الإخوان فى رابعة يوم 14 أغسطس 2013، ومنها كل وثائق الثورة حيث كان يحصل شخصيا على صورة من جميع الوثائق التى تصدر عن قيادة الثورة، وذلك بقرار موثق من قبل جمال عبد الناصر "بغرض التأريخ"، وما تبقى من الحريق من أوراق ومطبوعات ووثائق وشرائط أودعها الراحل فى "مكتبة الأسكندرية" لتكون فى متناول يد الطلاب والمؤرخين.
ولد محمد حسنين هيكل في 23 من سبتمبر لعام 1923 في قرية باسوس إحدى قرى محافظة القليوبية، وبدأ حياته العملية كصحفي في جريدة إيجيبشان جازيت عام 1942، ومنذ توليه ادارة تحرير "صحيفة الآهرام عام 1957، أحدث نقلة نوعية فى الصحافة المصرية، حيث صنع من الأهرام قلعة شبه مستقلة تمثل المتحدث الرسمى باسم الدولة، وتتبعها عشرات الدوريات والمجلات ومنها مجلة " السياسة الدولية" ومجلة "الطليعة" اليسارية التى ترأسها صهره الشيوعى "لطفى الخولى" وعمل بها أساطين اليسار وقتها، كما أنشأ بالجريدة "مركز الدراسات الإستراتيجية" ليصبح أهم مركز أبحاث سياسية واستراتيجية فى العالم العربى، وليتخرج منه أهم قيادات التحليل السياسى فى مصر والمنطقة، وإستكتب فى الأهرام أهم القيادات الفكرية والأدبية فى مصر والعالم العربى..
نأتى الى تفسير ما ندعيه عن الموقف الملتبس للرجل من الثورة وزعيمها، فقد كان الأستاذ بحجم دوره وتلك المؤسسة التى صنعها حوله "من باحثين ومترجمين ومنسقى أرشيف، ومحررين وخلافه"، يعتبر نفسه "بحق" مؤسسة متكاملة وليس فردا أوحدا، واختلط دوره بتطورات التاريخ المصرى والمعارك الداخلية والخارجية، كحرب 1956 مرورا بالوحدة مع سوريا ثم الإنفصال، وحرب اليمن، فهزيمة 1967، وسنوات حرب الإستنزاف، فالعبور وحرب اكتوبر 1973، وكل ما سبقها وما تلاها من أحداث، وقد ساهم هذا الدور فى تأكيد شخصيته المستقلة، ليس فقط كشاهد على الأحداث، بل وصانع لها أيضا، وساهم ذلك فى خروجه على خط الثورة أحيانا، مما استدعى مثوله أمام لجان تحقيق فى لجنة الإنضباط التابعة للجنة التنفيذية للإتحاد الإشتراكى أكثر من مرّة فى زمن عبد الناصر، منها أولا ما ذكرته جريدة الأهرام "شبه الرسمية" بنشر خبرا مؤداه أن علي صبري رئيس الوفد المصري العائد من موسكو، قد جلب معه أمتعة شخصية لم يتم تسديد الضرائب المقررة عنها. كان لهذا الخبر صدى سيئ جدا داخل المجتمع المصري انعكس سلبا بالدرجة الأولي على سمعة نائب رئيس الجمهورية علي صبري، ففي الوقت الذي يعيش فيه الشعب المصري حالة حرب، يقوم نائب رئيس الجمهورية بجلب أمتعة من الخارج، ويحاول التهرب من دفع الضرائب المستحقة عليها مستخدما مكانته ونفوذه، ونتيجة لذلك قدم علي صبري استقالته للرئيس الذي أمر بإجراء التحقيق وتابعه بنفسه. وانتهى التحقيق إلى تبرئة ما هو منسوب إليه وأصدرت رئاسة الجمهورية كذلك الأهرام بيانا يبرئه، ولكن ما حدث أضفى جفوة بين على صبرى وهيكل إمتدت الى أحداث مايو 1971، كما جري استدعاء هيكل مرة أخري أمام اللجنة التنفيذية العليا ليسأل عما ورد في مقال له تحت عنوان “عبد الناصر ليس أسطورة”. وكان طرف الخصومة مع هيكل هذه المرة هو الدكتور محمد لبيب شقير رئيس البرلمان المصري وعضو اللجنة التنفيذية العليا، والذي وجد في مقال هيكل ما ” يسئ إلى عبد الناصر ومن ثم لتراثنا الوطني والثوري
قبل حرب 1973 بمدة كتب هيكل فى الأهرام مقالا عنيفا بعنوان "تحية للرجال" يصف فيه بالتفصيل مخاطر امكانية عبور قناة السويس، مذكرا بالإجراءات المعقدة التى صنعتها اسرائيل لتمنيع خط بارليف من خلال الساتر الترابى المنيع وصولا الى تثبيت قاذفات مولوتوف تضخه على سطح مياه القناة ليصنع محرقة كاملة لمن يحاول العبور، وقد اعتبرت القيادات الناصرية حينها بأن كتابات هيكل في جريدة الأهرام تمثل موقفا متخاذلا وانهزاميا، وأن مقالاته تشيع روح اليأس في الشعب والجيش معا، خصوصا بعد المساجلات الصحفية بينه وبين علي صبري، د. لبيب شقير، ضياء الدين داود، وعبد الهادي ناصف حول الحرب ومخاطر عبور الجيش المصري إلي سيناء، وبالفعل تم استجواب هيكل فى لجنة الإنضباط بالإتحاد الإشتراكى حول المقال.
بعد رحيل عبد الناصر ساهم هيكل "بشكل أساسى" فى دعم وصول السادات للحكم، رغم ما كان يعلمه عن ميوله اليمينية وموالاته لأمريكا والقوى اليمينية فى مصر، وقد تولي بنفسه إعداد البيان الخاص بوفاة عبد الناصر، وأقترح أن يقرأ البيان أنور السادات، حتى تشعر الناس أن السلطة قد انتقلت بسلام، بعدها تولي هيكل إدارة الحملة الانتخابية للسادات، وأكثر من ذلك لعب هيكل الدور الرئيسى فى أحداث 15 مايو والإطاحة بالمجموعة الناصرية فى السلطة وقتها لصالح السادات ومجموعته، لم يكن هيكل والقيادات الناصرية على وفاق في تقييم الدور الأمريكي. فهيكل كان يري إمكانية تحييد الدور الأمريكي في الصراع العربي / الإسرائيلي، ويرفض” النغمة التي تقول أن الذي نواجهه أمامنا في ميدان القتال هو الولايات المتحدة وليس إسرائيل. ويقول أن الصحيح أن بيننا وبين الولايات المتحدة مواجهة سياسية، أو صراعا سياسيا، وهدف هذا الصراع هو الفصل بين إسرائيل والولايات المتحدة كحد أقصى، أو تحييد الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل كحد أدنى، وذلك عن طريق توجيه ضغط دولي وعربي ومصري ضد الولايات المتحدة…هذا الضغط…يقنع الولايات المتحدة بأنها تواجه تقلصا مخيفا في هيبتها كقوة عظمى، كذلك كشف موقف هيكل المؤيد للسادات في إقامة اتحاد الجمهوريات المتحدة" فى مواجهة موقف القيادات الناصرية"، بأنه تأييد للانقلاب السلمي بهدف التخلص من القيادات الناصرية، ونعتقد أن هذا الموقف كان بمثابة فرز واختبار واضح لموقف هيكل وتوجهاته تجاه القيادات الناصرية، وقد شكلت محصلة الخلافات المعلنة والغير معلنة، مجمل التباين في الرؤية والتوجه، بين هيكل والقيادات الناصرية فوصلت إلي خلق علاقات يسودها الشك أكثر من الثقة فيما بينهم، والتي أثرت بدورها على اختياراته التي انتهت بالانضمام إلي معسكر السادات في مواجهة القيادات الناصرية، وقد توالت نصائح هيكل للسادات، فأشار عليه بعد أن استمع إلى شرائط صوتية مسجلة "قيل فيما بعد أنها كانت أحاديث جرت بين القيادات الناصرية" يستدل منها بأنهم يخططون لانقلاب ضد السادات أنه متأكد من ولاء كلا من:”…الفريق الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري، والفريق محمد أحمد صادق رئيس أركان القوات المسلحة، كما أطلق هيكل على القيادات الناصرية تسمية ( جماعة علي صبري ) وكررها فى معظم كتاباته.
وقد ظلت علاقة هيكل بالسادات قوية حتى حدث الخلاف بينهم والصدام الذى انتهى باخراج هيكل من الأهرام وتحويله للتحقيق الى "المدعى العام الإشتراكى" ثم شموله للمجموعة المقبوض عليها فى 5 سبتمبر 1981، واثناء وجوده بالسجن وبعد خروجه مباشرة أصدر كتابه الذى يهاحم فيه السادات بشدة "خريف الغضب" وهو فى تقديرى من أضعف كتب الأستاذ، ولم يحتو الاّ على وثيقة واحدة بعكس كل كتبه وفيه قدر كبير من التحامل وكثير من الإهانات الشخصية والعنصرية حول لونه وجذوره، أحد أصدقائى أطلق عل الكتاب تسمية " تخاريف الغضب".
كثيرون اختلفوا معه، حسدا وغيرة احيانا، ومن منطلقات عقائدية في احيان أخرى، ولكنهم كانوا يهاجمونه، ويحترمونه، ويعترفون بقامته العليا سياسيا وصحافيًا. فإنه لم يكن مدرسة وحسب، وإنما جامعة تخرج من مدرجاتها عشرات، إن لم يكن مئات الآلاف، وأثرى المكتبة العربية بالعديد من الكتب السياسية التي تؤرخ لمرحلة من أهم مراحل النهوض العربي نحو القوة والمنعة والحرية.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية