|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 10 / 4
قدّم الأديب فايز ابراش قراءة تحليلية لقصيدة الشاعر جهاد حمدان "كلانا فاز في السَّبَقِ". لنبدأ بعرض القصيدة ثم ننتقل إلى القراءة الناقدة.
كلانا فاز في السَّبَقِ
السِّــحرُ يسـكنُ بينَ الــجَفنِ والعُنُقِ
أمَّـا الجمالُ فوجهُ الشمسِ في الأُفُقِ
ما طــابَ عزفُ لنايِ الحُبِّ منفردًا
إلَّا وكانَ صدى الآهاتِ في الغَسَقِ
يا نجمـةً إنْ دجاني الليلُ أُنشدُهـــا
فأجمــلُ الضوءِ ما نلــقاهُ في النَّفَقِ
حــطَّتْ بقلبي من العـلياءِ مُلهمتي
الـروحُ عادتْ وكانتْ آخـرَ الرَّمَقِ
ركبتُ مــوجَ هــواها دونَما وجـلٍ
البحرُ يسألُ: هل تخشى من الغَرَقِ؟
قلتُ: النجاةُ فلا ـــقصدي ولا أَرَبي
بينَ النهــودِ يطيبُ الــعيشُ في أَلَقِ
بَعدَ البحــارِ بُراقُ العشــقِ يحــملُنا
فــوقَ النجــومِ فـــنعلوها بلا قَــلَقِ
أســرجْتُ مُهرَينِ قد طافا بنا زمنًا
خطوًا وعدوًا، كلانا فازَ في السَّبَقِ
****
تنهض القصيدة على موسيقى خارجية واضحة تتكئ على نظام الشعر العمودي ووحدة القافية وهذه المهارة لا يمتلكها إلا من هو حاذق بنظم الشعر، حيث يتكرر صوت القاف المكسور في خواتيم الأبيات: الأفقِ، الغسقِ، النفقِ، الرَّمقِ، الغرقِ، ألقِ، قلقِ، السبقِ. وهذا التتابع الصوتي يمنح القصيدة نغمةً متماسكة، ويجعل القافية أشبه بخيط موسيقي يصل بين مشاهدها المتتابعة. كما أن صوت القاف بما فيه من جرس قويّ يتناسب مع انفعالية التجربة، فلا تأتي القافية مجرد التزام عروضـي، بل تؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية.
أما الموسيقى الداخلية فتتولد من التكرار والتناظر الصوتي والتركيبي؛ ففي قوله:
"ما طاب عزفُ لنايِ الحبِّ منفردًا
إلا وكان صدى الآهاتِ في الغسقِ"
تتجاور ألفاظ ذات طبيعة موسيقية: عزف، ناي، صدى، آهات، فتتحول اللغة نفسها إلى ما يشبه اللحن. وهنا لا يصف الشاعر الموسيقى فحسب، وإنما يجعل القصيدة موسيقى؛ فالعزف يتحول إلى آهة، والآهة إلى صدى، والصدى إلى غسق، في تدرج حسي جميل من الصوت إلى الفضاء.
في التراكيب اللغوية والنحوية
من أبرز خصائص القصيدة تنوع البنية النحوية؛ فالشاعر لا يركن إلى الجملة الخبرية وحدها، وإنما ينتقل بين النداء والاستفهام والشرط والنفي والتوكيد والفعل والحركة.
في قوله:
"يا نجمةً إن دجاني الليلُ أنشدُها"
يجتمع النداء والشرط والفعل المضارع في تركيب واحد، فتكتسب الصورة حركةً واستمرارية؛ فالنجمة ليست صورة جامدة، وإنما ملاذ يستحضره الشاعر كلما أقبل الليل.
وفي:
"البحر يسأل: هل تخشى من الغرق؟
قلت: النجاة فلا قصدي ولا أربي"
نجد تشخيصًا للبحر، إذ يتحول إلى محاور يسأل العاشق، ثم يأتي جواب الشاعر ليقلب العلاقة التقليدية بين الحب والخطر: فالغرق هنا ليس مأساة، بل صورة من صور التلذذ بالعشق. وهذه المفارقة من أجمل مفاصل القصيدة.
ويلاحظ كذلك كثرة الأفعال الحركية: دجاني، أنشد، حطّت، عادت، ركبت، يسأل، قلت، يحملنا، نعلو، أسرجت، طافا. وهذا المعجم الفعلي يمنح القصيدة ديناميكية واضحة؛ فالحب عند الشاعر ليس حالة ساكنة، وإنما رحلة وحركة وصعود وإبحار وسباق.
في الصورة الشعرية
يمتاز البروفيسور جهاد حمدان بقدرته على بناء صورة شعرية متحركة، تبدأ من الجسد والوجه:
"السحر يسكن بين الجفن والعنق" ماهذاالتألق!
ثم تنتقل إلى الطبيعة:
"وجه الشمس في الأفق"
ثم إلى الموسيقى:
"ناي الحب"
ثم إلى الفضاء:
«نجمة، الضوء، العلياء، النجوم»
ثم إلى البحر:
"ركبت موج هواها"
وكأن المحبوبة تتسع تدريجيًا حتى تصبح كونًا شعريًا كاملًا. وهذه سمة جديرة بالتنويه؛ لأن الصورة عند الشاعر ليست زينة بلاغية منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في بناء وجداني واحد.
ومن أجمل ما في تجربته كذلك المزاوجة بين التراث والخيال الحديث. فكلمة البُراق تستدعي المخيال العربي والإسلامي القديم، لكنها توضع في سياق العشق:
"بعد البحار براق العشق يحملنا
فوق النجوم فنعلوها بلا قلق"
فتتحول الرحلة العاطفية إلى رحلة كونية، ويصبح العشق وسيلةً لتجاوز حدود المكان.
خلاصة نقدية في الشاعر
يمكن القول إن البروفيسور جهاد حمدان يكتب غزله بروح شاعرٍ متمسك بجلال القصيدة العربية العمودية، لكنه لا يكتفي باستعادة معجمها التقليدي؛ بل يحاول أن يمنحه حركة وصورًا وفضاءات وجدانية متجددة. وقوة تجربته تظهر خصوصًا في قدرته على تحويل الحب إلى منظومة من الموسيقى والضوء والماء والعلو والحركة وهذا دليل عمق التجربة
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في تجربته أن اللغة عنده لا تصف العشق من الخارج، بل تتحرك بإيقاعه من الداخل؛ فحين يحضر الناي يحضر الصدى، وحين يحضر البحر يحضر الغرق، وحين تحضر النجمة يحضر الضوء، وحين يحضر الحب تتسع القصيدة حتى تبلغ النجوم.
فايز ابراش
أديب وتربوي أردن
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |