|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محسين الشهباني
2026 / 10 / 4
إن ما يجري اليوم ليس "أزمة أحزاب" كما يروج الخطاب الليبرالي، بل هو تجلٍ واضح لأزمة بنيوية في نمط الإنتاج المخزني التبعي. فالدولة في المغرب ليست جهازا محايدا فوق الطبقات، بل هي دولة طبقية بامتياز، أداة في يد البورجوازية الكومبرادورية، بورجوازية الشكارة والحكارة، التي تراكم ثروتها من الريع والاحتكار والتبعية للمراكز الإمبريالية.
الخطة التي يتم الترويج لها تحت شعار "إخراج الأحرار إلى المعارضة" ليست طردا، بل إعادة تموضع تكتيكي لنفس الكتلة الطبقية الحاكمة. فالتجمع الوطني للأحرار لم يكن يوما حزبا سياسيا بالمعنى البرجوازي الكلاسيكي، بل هو الواجهة الحزبية المباشرة للكتلة الأوليغارشية، الحزب الإداري للرأسمال الكبير.
لماذا اليوم يتم الحديث عن دفعه للمعارضة؟
أولا، لأن التناقضات داخل الأغلبية نفسها وصلت حد الانفجار. الأزمة الاجتماعية، غلاء الأسعار، ضرب القدرة الشرائية للطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، جعلت الواجهة الحكومية محترقة. فكان لا بد من حرق ورقة وإعادة تدويرها في موقع جديد.
ثانيا، وهذا هو الأهم، الهدف هو ضرب ما تبقى من استقلالية نسبية للمعارضة البرلمانية والسيطرة على جهازها التشريعي الأخطر: لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. هذه اللجنة، التي يمنحها الدستور شكليا للمعارضة، هي في جوهرها ساحة صراع طبقي حول التشريع. من يسيطر عليها يسيطر على تمرير قوانين نزع الملكية، قوانين الإضراب، قوانين المالية التي تعفي الرأسمال وتثقل كاهل الكادحين، وقوانين تصفية ما تبقى من القطاع العام.
وضع حزب الأوليغارشية في رئاسة هذه اللجنة يعني ببساطة: معارضة لا تعارض. معارضة تحرس مصالح الأغلبية من داخل المعارضة نفسها. إنها الديالكتيك المخزني المفضوح: معارضة شكلية لضمان أغلبية مضمونة.
إن من يفهم جدلية العملية السياسية في المغرب يعرف أن الانتخابات هنا ليست آلية لتداول السلطة بين الطبقات، بل آلية لإعادة إنتاج نفس التحالف الطبقي الحاكم بأشكال جديدة. التحالفات لا تصنع بعد النتائج، بل تصنع قبلها في كواليس وزارة الداخلية ومجالس إدارة الهولدينغات. والحكومة لا تتشكل، بل يتم تعيينها طبقيا ثم إضفاء الشرعية الانتخابية عليها. لهذا يخرج علينا بعض مهندسي الخريطة ليقدموا لنا عدد المقاعد لكل دكان حزبي قبل شهور، وتأتي الأرقام مطابقة، لأنها ليست توقعات، بل تعليمات.
إن الصراع اليوم ليس بين أحزاب الأغلبية والمعارضة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، عملة البورجوازية الطفيلية. الصراع الحقيقي هو بين كتلة المخزن والرأسمال الكبير من جهة، وبين الجماهير الكادحة، العمال، الفلاحين، الطلبة، والمعطلين من جهة أخرى.
إن إدخال الأحرار إلى المعارضة لن يوسع الديمقراطية، بل سيضيق الخناق أكثر. سيفرغ العمل البرلماني من أي محتوى تقدمي، وسيمنع تشريع أي قانون يمس جوهر الاستغلال. وفي النهاية، سيدفع هذا التناقض بالصراع الطبقي إلى الخروج من قبة البرلمان المخدومة إلى حيث ينتمي حقا: إلى الشارع، إلى المعمل، إلى الحقل، إلى الجامعة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |