شرطي العالم بالإكراه

فرات المحسن
2026 / 10 / 3

في عام 1992، أعدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وثيقة سرية بعنوان (توجهات التخطيط الدفاعي). طرحت الوثيقة مشروعاً يعنى عناية خاصة، ويؤكد بالمطلق على أهمية سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم. سُرِّبت هذه الوثيقة، رغم سريتها، للصحافة كجزء من حملة جس نبض وفرض أمر واقع بعد حين، وهو ما كرسته الانتصارات المتتالية للعالم الرأسمالي، وعُدَّ ذلك عند صانعي القرار في الإدارة الأمريكية نصراً ناجزاً جاء إثر أعمال وجهود قامت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة دون أن يكون هناك دور حاسم للآخرين فيه. وهذا ما أشارت إليه تلك الوثيقة المسربة التي أشرف على إعدادها وقتذاك ديك تشيني ونائبه بول وولفويتز.
خصص الجزء الأغلب من الوثيقة وركز على الأهمية القصوى والبالغة للشرق الأوسط والعالم الإسلامي ضمن السياسات المستقبلية للإدارة الأمريكية؛ وهي وللمرة الأولى تطرح ذلك الاهتمام البالغ والعناية الفائقة ببلدان شرق أوسطية لم تكن ضمن اهتماماتها القصوى سابقاً. وتتطرق الوثيقة بشكل واضح إلى: ((يجب أن يكون هدفنا الأكبر أن نظل القوة الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط، وأن نحافظ على القوة الأمريكية والغربية للوصول إلى النفط، ونبقي على سيطرتنا الاستراتيجية والاستقرار الإقليمي)). ولتحجيم دور الآخرين، تتحدث الوثيقة دون مواربة عن حجم نموذجي لامتلاك الولايات المتحدة سلطة دولية دون منازع: ((يجب أن تكون الولايات المتحدة مسؤولة عن مصالح الدول الصناعية المتقدمة، بحيث تثنيها عن تحدي قيادتنا أو محاولة قلب النظام السياسي والاقتصادي القائم))؛ حيث تبقى تلك الدول الحليفة للولايات المتحدة ومؤسساتها بمنأى عن القرار الحاسم وتحت شروط الدول التابعة: ((سنحافظ على مسؤوليتنا المتميزة في التعامل منفردين مع كل ما يضر بمصالحنا ومصالح أصدقائنا وحلفائنا)).
مثلت صيغة الوثيقة خلاصة تفكير صقور الإدارة الأمريكية بمعاضدة كبار الصناعيين وكارتلات المال. ورغم الاحتجاجات والانتقادات الكثيرة التي واجهت مشروع الوثيقة، فإنها اعتُبرت المنهج المتداول داخل الإدارة الأمريكية، وتعكس برنامجهم الناجز للحفاظ على وإدامة النصر الذي تحقق قبل وبعد انهيار العالم متعدد الأقطاب، والذي لا يمكن التفريط بنتائجه الكبيرة المتحققة لحساب أطراف يجب عليها أن تعترف مقدماً بفضل الولايات المتحدة عليها باعتبارها مُخلِّصاً وقائداً. ومن أجل لجم أي تفكير في العودة لعالم متعدد الأقطاب، فإن على هؤلاء الحلفاء التفكير بأن الشراكة تعني الاعتراف بقيادة صاحب النفوذ الأكبر، والقادر على الوقوف بوجه المواجهات المحتملة وحل المعضلات على مستوى النزاعات المختلفة في العالم.
لحد الآن نجحت الولايات المتحدة في إسقاط الكثير من ذرائع واعتراضات حلفائها المقدمة حول حلولها القسرية في تعاملها مع الأحداث. ورغم ما قدمته بعض دول أوروبا (ألمانيا وفرنسا) من مقترحات بشأن الحرب الروسية الأوكرانية أو الحرب مع إيران، أو أبدت بعض الاعتراضات والتحفظات التي ظهرت معها في موضع الند والتحدي للسياسات الأمريكية، فإن الوقائع ومجريات الأمور دلت على أن هنالك الكثير من الأوراق التي يمكن للإدارة الأمريكية الاعتماد عليها لفرض خياراتها وسحب البساط من تحت أقدام المعترضين ودفعهم في النهاية للعب دور المهرول وراء الحدث والقبول بدور التابع وإن جاء هذا على مضض. وكي لا تمنح الإدارة الأمريكية خصومها نقطة للإدانة والطعون، فإنها تلجأ دائماً لتطمين الشركاء وتأكيد التحالف الاستراتيجي بتمثيل دور المصغي للحلفاء. عبر جميع الوثائق الصادرة عن الإدارة الأمريكية، وكذلك الدراسات التي قدمها الباحثون المقربون لها وأيضاً المقالات التي يكتبها محررو الصحف المقربة، يُشار إلى أن الشرق الأوسط والعالم الإسلامي صارا يشكلان تهديداً متزايداً لاستقرار العالم ومصالح الدول الصناعية الكبرى؛ لأسباب تتعلق أكثرها باحتواء ذلك العالم على خزين هائل من منظومات التفكير الطارد وأنماط من مجتمعات تضمر العداء الديني والقومي (غير المبرر!!) للولايات المتحدة وحلفائها. وجل هذه الدراسات والوثائق تهمل عن عمد الطريقة البراغماتية في تعامل الغرب مع تلك الشعوب، والتعديات والقسر والجرائم التي يرتكبها الرأسمال العالمي في مواجهة طموح وتطلعات تلك الشعوب نحو الحرية وامتلاك مصادرها الاقتصادية والحفاظ على خصوصياتها الوطنية. ليس غريباً أن تثير تلك السياسات إعجاباً شديداً لدى صانعيها، ولكنها في نهاية المطاف تقوي من عزيمة المضادين والرافضين لنظريات الإملاء وفرض الحلول بعد أن يشعروا بكمية الإقصاء الذي تحتويه تلك المشاريع والبرامج الموجهة لهم بالذات، مما يعني بقاءهم مهمشين وغير مرغوب فيهم ويعاملون كفئران تجارب، بالرغم من أن البرنامج أو المشروع يستخدمهم كأدوات منفذة ويوجب مشاركتهم الفعلية فيه.