ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ

كرم نعمة
2026 / 10 / 3

كان الموعد في مبنى نقابة الفنانين بمنطقة المنصور؛ يومها كانت الأسئلة تتهيأ في ذهني على زمن الورقة والقلم، وفي غمار شقاء عراقيّ خالص لا يشبهه شقاء. حين وصلت، كانت القاعة تحتشد بعشرات الوجوه والأنفاس عقب اجتماعٍ للمجلس انتهى لتوه وكأن الكل ينتظر نتيجة يترقبها من اجتماع مجلس النقابة. التفت إليّ صلاح عبد الغفور بابتسامته الأليفة وقال " لا أظن أننا سنستطيع التحاور وسط هذا الصخب.. هيا بنا يا كرم!".
كان بيته على بعد دقائق معدودة من مبنى النقابة. هناك، قضيت معه أمسيةً شائكة ومثقلة بالجدل. أذكر أنه قال لي ضاحكاً إن أحداً لم يستجوبه من قبل بطريقة المتهم موسيقيا كما فعلت! كنت أصوب أسئلتي كأنها اتهامات فنية محبة؛ كيف لا وهو الصوت الوحيد الذي حظي بألحان كبار عمالقة النغم من غير أبناء جيله، ممتداً من ناظم نعيم—سيد المأثور المقامي لنغمة ناظم الغزالي—وصولاً إلى ياسين الراوي وفاروق هلال؟ خرجتُ من بيته في ذلك المساء وفي أوراقي حوارٌ استثنائي، حوارٌ كان مقدراً له أن يعيد اكتشاف صلاح عبد الغفور لجمهورٍ يجهل الكثير من أغوار نبرته وثقافته الموسيقية.
في كواليس مجلة «الرافدين»، اعتنيتُ بتصميم الحوار صفحةً بصفحة برفقة صديقي الفنان التشكيلي ضياء الراوي، لينزل على مساحة صفحتين كاملتين. مجلةٌ طواها الزمن اليوم ولم يتبقَ من أسرتها ومحرريها على قيد الحياة سوى صديقي الشاعر علي عبدالأمير، بعدما أومأ لنا بالوداع الأبدي كل من محمد الجزائري، ومظهر عارف، ورشيد الرماحي، وحسين الحسيني، وناظم السعود.. رحلوا جميعاً وتركوا في الممرات صدى ضحكاتهم القديمة.
لكن، أيُّ قدرٍ أعمى هذا الذي فاجأنا بتوقف إصدار المجلة والعددُ يغالب أنفاسه الأخيرة على مكابس المطبعة؟! لم يكسرني توقف المجلة بقدر ما اعتصرني الأسى على حوارٍ سهرتُ عليه بحماس الصحفي العاشق لمهنته؛ حوار كنتُ قد أطلعتُ صديقي الناقد عادل الهاشمي على مسودته الأولى، فقال لي بذهول "إنها مفاجأةٌ أن تستخرج كل هذا المكنون الغزير من صلاح عبد الغفور!".
ضاع الحوار.. وظلّ ندبةً غائرة في روحي. كانت المسودات والماكيتات محتجزةً في مطبعةٍ صرنا نتجنب المرور بقربها (...)، ولم تسعفني الذاكرة المعذبة بالأسى لإعادة كتابته من جديد.
مرت الأربعون عاماً دون أن نلتقي؛ باعدت بيننا السبل، وحتى حين زرتُ دمشق عام 2001، كان صلاح في سفرة عمل.. وكأن الأقدار كانت تحرص على إبقاء مسافة الغياب بيننا.
وفجأةً، في عام 2013، قرأت خبر رحيله صاعقاً ومفجعاً. أصبتُ بـ «صمٍّ لغوي» تام، وعجزتُ عن تدوين حرفٍ واحد؛ فماذا يمكن للكلمات القاصرة أن تقول في رثاء حنجرة جمعت بين أطياف المدارس اللحنية والأنغام المقامية العراقية بنبلٍ لم يحظَ به فنانٌ آخر؟
واليوم، وبعد مضي ثلاثة عشر عاماً على الغياب، يباغتني الصوت والمواجع؛ يصدمني اللحن والداء الشجي الموجع الذي أداه شقيقه الفنان نجاح عبد الغفور في أغنيته يسألوني عليك. أغنيةٌ كتبها علي هليل بإخلاص شعريّ تقطر منه اللوعة، ولحنها وأداها نجاح عبدالغفور بنغمٍ مدجج بالفخامة ومرارة الاستذكار لشقيقه الراحل.
حين تصغي لنبرة نجاح وهي تستحضر روح صلاح في هذه الأغنية، لا يسعك إلا أن تشعر بأن الوجع العراقي لا يشيخ، وأن الموت أجبن من أن يمحو هذه الأطياف.
هل يكفي أن نصرخ بملء حشرجتنا "تباً للموت!"؟ أم أن تجديد أوجاعنا هو ما تبقى لنا لنحتفظ بملامح أولئك الذين غادرونا مبكراً، وتركوا أصواتهم تنبض في تلافيف الذاكرة؟