|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

نهاد ابو غوش
2026 / 10 / 2
واقع جيوسياسي متغير في الأراضي الفلسطينية المحتلة (5)
تغيرات في الواقع المادي والخطاب والوعي والبرامج السياسية
التهجير خطر حقيقي وليس مجرد وهم متخيل
نهاد أبو غوش
خلال السنوات الأربع التي مرت على حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي تخللتها حرب الإبادة على قطاع غزة، عملت كل أدوات دولة الاحتلال بشكل متناسق ومتكامل، وضمن ترتيبات لتقاسم الأدوار، على تحقيق تغيرات مادية ملموسة على الواقع الجغرافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والسكان للأراضي الفلسطينية المحتلة. فمنذ الأيام الأولى لحرب الإبادة فرضت قوات الاحتلال أحوال طوارئ كتلك التي تفرض في أحوال الحروب على الضفة الغربية أيضا بحيث البيئة القانونية التي تجري فيها عمليات القمع، وغيرت تعليمات إطلاق النار بحيث بات متاحا لكل ضابط أو جندي أو مستوطن إطلاق النار على الفلسطيني لمجرد الاشتباه به. وفي هذه البيئة الحربية المعادية تتعاون كل أجهزة دولة الاحتلال من حكومة ووزارات وإدارات مدنية (بما في ذلك وزارات الأشغال العامة والإسكان، وسلطة الأراضي، والسلطة المسؤولة عن المياه، والزراعة والبيئة والسياحة وكل ما يمكن أن يتصل بالأرض والناس)، مع الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة، والجهاز القضائي برمته وبخاصة النيابة العامة العسكرية والمدنية والقضاء العسكري والمدني، مع البرلمان (الكنيست) في تسريع عمليات تغيير الواقع. فقد تسلم الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش حقيبتين هما وزارة المالية، ومنصب وزير في وزارة الدفاع، ومن موقعيه هذين تولى عمليات القرصنة على الأموال الفلسطينية التي تحصلها إسرائيل كضرائب قيمة مضافة بسبب سيطرتها على موانئ الاستيراد، وعين سموتريتش كذلك مشرفا على شؤون الاستيطان، وعلى متابعة الإدارة المدنية المسؤولة عن السكان الفلسطينيين. أما الوزير بن جفير فعين وزيرا للأمن القومي، والمهمة الرئيسية التي قام بها هي تسليح ميليشيات المستوطنين، وتوزيع السلاح على كل مستوطن.
خلال عملياتها العسكرية شبه اليومية في الضفة قتلت قوات الاحتلال ومستوطنيها أكثر من 1400 فلسطيني، نحو 65 منهم قتلوا على ايدي المستوطنين من دون أن يحاسب أي طرف لا جنود ولا مستوطنين على عمليات القتل هذه، مع أن أكثر من ربع الضحايا هم من الأطفال. بينما طرحت الحكومة من خلال مجلس الاستيطان الذي يشرف عليه سموتريتش عطاء لأكثر من خمسين ألف وحدة إسكانية جديدة للمستوطنين، وصادرت، على دفعات، نحو مليون وربع المليون دونم تعادل أكثر من 20% من المساحة الإجمالية في الضفة، واعتبرتها أراضي دولة أي أنها مخصصة للمشاريع العامة وفي مقدمتها الاستيطان والطرق الاستيطانية، ومعسكرات للجيش، وهي جزء من خطة شاملة تهدف لمواصلة التضييق على الفلسطينيين وحشرهم في أماكن سكناهم من دون أن يكون لهم اي امتداد في المناطق الريفية.
خلال السنوات الأربع الماضية، قامت سلطات الاحتلال مستعينة بميليشيات المستوطنين بتهجير أكثر من ثمانين تجمعا رعويا وبدويا فلسطينيا، يقطنها نحو سبعة ألاف شخص معظمهم من البدو، كما سيطرت قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين على كل الثروات الطبيعية والأثرية الموجودة في الضفة بما يشمل الغابات والأحراش، والينابيع والبرك والمحميات الطبيعية، ومواقع الآثار التاريخية مثل مدينة سبسطيا التاريخية قرب نابلس، والبلدة القديمة في الخليل، وبعض المواقع الأثرية الدينية مثل قبر يوسف (نسبة إلى الشيخ يوسف دويكات المتوفى في القرن الثامن عشر) ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم، وقرية وجبل النبي صمويل شمال القدس.
سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب ان حذر إسرائيل من خطة ضم الضفة، ومثله حذرت عدة دول عربية معتبرة ذلك خطا أحمر. وهي خطة يدفع اليمين الإسرائيلي المتطرف لتنفيذها، لكن التيار المركزي في إسرائيل بما في ذلك حكومة نتنياهو ليس متعجلا في تنفيذ هذه الخطوة لأن لها تبعات سياسية وقانونية، حيث أن إعلان الضم يعني عمليا تقويض السلطة الفلسطينية، وإلغاء اتفاق اوسلو عمليا بكل ما يترتب على ذلك من نقض لاتفاقيات دولية، وإلغاء السلطة التي تملك مكانة قانونية وسياسية دولية، كما أن ضم الأراضي من دون السكان يعني عمليا دخول إسرائيل في وضع نظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) الصريح، وهو ما يمكن ان يعرضها لعقوبات دولية. لذلك تعمل إسرائيل على تنفيذ ما يمكن أن نسميه الضم الزاحف أو القضم التدريجين من دون إعلانات استعراضية، وهي تواصل على طريق الضم الكامل تنفيذ مخططات سياسية وقانونية، ولا يخفي كثير من القادة الإسرائيليين تبنيهم لخطة تهجير الفلسطينيين بشكل كامل، وإن كان ذلك واضحا وحاسما بالنسبة لغزة حيث أوجدت الحكومة هيئة رسمية لتنفيذ هذا الغرض، فإن الخطة في الضفة تدفع إلى جعل الحياة في فلسطين أمرا بالغ الصعوبة ومحفوفة بالخطر والتنكيل وانعدام فرص الحياة وغياب الأمل، بحيث يصبح هدف الهجرة حلما وأملا يداعب خيال الأجيال الناشئة. ولا تقتصر مخططات التهجير على الضفة، فحتى الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المحتلة عام 1948 ويحملون الجنسية الإسرائيلية رغما عنهم يحيق بهم خطر التهجير حيث أظهر 64% من الإسرائيليين تأييدهم لتهجير هذه الفئة من الفلسطينيين بينما يعمل اليمين الإسرائيلي وأدواته على نزع الشرعية السياسية عن هؤلاء الفلسطينيين لفصلهم عن باقي شعبهم الفلسطيني.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |