واقع جيوسياسي متغير في الأراضي الفلسطينية المحتلة (1)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 30

تغيرات في الواقع المادي والخطاب والوعي والبرامج السياسية
نهاد أبو غوش
ينصرف اهتمام الناس في العادة إلى مجريات الحياة اليومية: من تجاذبات الحياة السياسية وأسعار المواد الغذائية والمحروقات واحوال الطقس والرياضة وغيرها. أما في فلسطين فإن الخبر الرئيسي الذي يهيمن على المشهد العام منذ عقود وبدون توقف هو الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية. وهي انتهاكات تتراوح بين التوقيف على الحواجز وإعاقة المرور من مدينة إلى أخرى لعدة ساعات دونما أي سبب ظاهر، ويتدرج إلى الاعتقالات وصولا إلى القتل على الهوية، بحيث أصبح قتل الفلسطيني بواسطة جيش الاحتلال أو أجهزته الأمنية وميليشيات المستوطنين حدثا يوميا لا يثير الاستغراب ولا يستدعي أي ردّات فعل استثنائية.
في أوقات الحرب يصل عدد الشهداء الفلسطينيين إلى عشرات أو مئات يوميا، وفي أحوال السلم الزائف كهذه التي نعيشها حاليا يسقط يوميا عدد من الشهداء قد يصل إلى أكثر من عشرة فلا يعد ذلك استثناء، ولا يتصدر خبرهم الصفحات الأولى في أي صحيفة غربية. إلى جانب أخبار الانتهاكات الأخرى من اعتقالات ومداهمات ومصادرات الأراضي، وهدم منازل الفلسطينيين، وطرح وحدات استيطانية جديدة إلى اقتحامات للمسجد الأقصى، وإغلاق المدن والقرى وتنكيل بالمعتقلين والأسرى، وغيرها من الأخبار التي باتت أشبه بأسطوانة يومية ترددها وسائل الإعلام، والعالم يراقب بملل ولا يتدخل إلا من باب رفع العتب مكررا الانتقادات اللفظية التي هي في الواقع مجرد كلام في الهواء أو حبر على ورق. وأقصى ما تُطالَب به إسرائيل هو التخفيف من إجراءاتها.
ولكن من يتبع المنحى العام لسير الأحداث سيكتشف بكل سهولة أن الواقع يتغير، على قاعدة القانون الجدلي الشهير بان التراكمات الكمية تؤدي إلى التغيرات النوعية، فالأحداث اليوم ليست مجرد تكرار لأحداث سبقت، بل هي تجري في مستوى نوعي جديد يتميز بالتغير الكبير في الواقع السياسي والجغرافي والديمغرافي، وما يرافق ذلك من تغير في الخطاب والوعي والخطاب والبرامج السياسية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين وحتى للعالم والمؤسسات الدولية جمعاء.
هذا التغيير ليس حديثا ولا هو نتاج اعمال الحكومة اليمينية الحالية، ولا مجردة ردة فعل على طوفان الأقصى وما جرى في السابع من أوكتوبر. بل سبق ذلك بعقود من خلال السياسات التي باشرتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على جميع الصعد في الأراضي المحتلة، وسمتها وكرستها في اتفاق إعلان المبادئ المعروف باتفاق اوسلو. وتثبت اليام والتطورات أن ما تفعله حكومة نتنياهو – سموتريتش – بن جفير خلال السنوات الأربع السوداء من حكمها، لم يكن نتائج خالصة لهذه الحكومة، ولا منقطعة عما سبقها، فما فعلته هذه الحكومة اليمينية المتطرفة، هو تطوير واستكمال ما أسسته له حكومات حزب العمل التي كانت من بادر للاستيطان، وحكومة العمل برئاسة اسحق رابين وشمعون بيرس هي التي صاغت اتفاق أوسلو، وزرعته بالألغام التي يتواصل انفجارها واحدا بعد الآخر من خلال تقسيم الأراضي المحتلة إلى ثلاثة فئات : (أ) و(ب) و(ج)، وهي التي أجلت بحث موضوع الاستيطان إلى مفاوضات الوضع النهائي التي لم تبدا بعد على الرغم من مرور 33 عاما على اتفاق أوسلو، فكانت النتيجة مضاعفة عدد المستوطنات وعدد سكانها، وهي التي أيضا أجلت قضية القدس وتركتها نهبا للتهويد والأسرلة والتطهير العرقين وأجلت قضية اللاجئين فعملت حكومة اليمين على تصفيتها بتدمير المخيمات وتصفية وكالة الغوث (الأونروا)، وأجلت قضية المياه فحولتها الحكومات التالية إلى وسيلة لابتزاز الفلسطينيين واستخدمت سلاح التعطيش للقضاء على القطاع الزراعي الفلسطيني وتهجير القرى وابتزاز السلطة، واجلت البحث في المصير النهائي للأراضي المحتلة، فتراجع السقف المتاح للفلسطينيين من فكرة الدولة، إلى الحكم الذاتي بلوس (زائد)، إلى الحكم الذاتي مينوس (ناقص)، إلى مجرد البقاء في الوطن.
قبل سنوات قليلة طرح الرئيس دونالد ترامب ما أسماه بصفقة القرن، وهي الخطة التي رفضها الفلسطينيون ومعظم العرب، لكنها أنبأت عن المنحى الذي تسعى إليه إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة، وإذا لم يتح لترامب تنفيذ رؤيته حتى النهاية خلال ولايته الأولى، فقد تهيأت له الظروف لفعل ذلك خلال الولاية الثانية: أما جوهر مقاربته للقضية الفلسطينية فهو اعتبار القضية شأنا داخليا إسرائيليا تتحكم به إسرائيل وفق مصالحها الاستراتيجية ومصالحها الأمنية، وإنكار صفة "الشعب" عن الفلسطينيين، واعتبارهم مجرد مجاميع من السكان أقصى ما يمكن ان يتاح لهم هو الحقوق الاقتصادية والمعيشية، أي تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال، وإذا كان ذلك صعبا وغير متاح، أو غير مقبول من الإسرائيليين، فلا بأس بتهجيرهم خارج وطنهم.