أفول واندثار اليسار الإسرائيلي (5)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 29

لم يقتصر تنكر حزب العمل الإسرائيلي لمبادئ اليسار العالمي في تجرده من المواقف الأممية تجاه الفلسطينيين والعرب عموما، واتخاذه مواقف عنصرية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بما في ذلك سياسات تهجير وتطهير عرقي وتمييز عنصري تجاه الفلسطينيين الباقين في وطنهم في المناطق المحتلة عام 1948، بل انسحب ذلك أيضا على باقي سياساته الداخلية والخارجية، وقد تجلى ذلك على صعيد السياسة الخارجية في توثيق علاقاته التحالفية مع المراكز الامبريالية العالمية بدءا من بريطانيا وفرنسا (مشاركتهما في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956) ثم التحالف الأوثق مع الولايات المتحدة، التي باتت تتعامل مع إسرائيل باعتبارها قاعدتها العسكرية المتقدمة في مواجهة الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية. كما انسحب هذا الموقف المتجرد من الأممية في معاداة حركات التحرر في الشرق الأوسط وسائر بلدان آسيا وأفريقيا، والتحالف مع أكثر الدول فسادا واستبدادا وتبعية للغرب مثل نظام جنوب أفريقيا العنصري، حيث لعبت إسرائيل دورا رئيسيا في دعم ذلك النظام البائد، كوكيل للولايات المتحدة ودول الغرب التي تحد بعض قيودها السياسية الداخلية من الدعم الصريح والمباشر للنظام العنصري فأوكلت المهمة لإسرائيل التي لم تكتف بدعم النظام العنصري، وتطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية، بل وصل الأمر إلى مستوى تنفيذ تجارب وتفجيرات نووية مشتركة.
ميدان آخر لتجرد حزب العمل من هويته اليسارية، يتجسد في السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحزب، حيث تخلى الحزب بالتدريج عن كل أنماط الملكية العامة وتبنى برامج خصخصة كل المؤسسات المملوكة للقطاع العام، ورفع كل القيود والحواجز عن نمو طبقة البرجوازية الجديدة المتشابكة مع أس المال الأميركي اليهودي والصهيوني، ومع مراكز الطغم المالية الكبرى في مجالات صناعة الأسلحة، والاعلام ولاحقا في مجالات التكنولوجيا. وتخلى حزب العمل كذلك عن المزارع الجماعية والتعاونيات (الكيبوتسات) التي مثلت في بدايات إنشاء الكيان الصهيوني قاعدة (شعبية) وانتخابية لحزب العمل، ووصل الأمر إلى درجة تسببه في شلل الاتحاد العام للعمال (الهستدروت) ما أوصل هذا الاتحاد النقابي للانتقال إلى حضن اليمين الصهيوني بعد أن انهارت كل مؤسساته بما في ذلك صناديق المرضى والتأمين الصحي. وقد أدى تخلي حزب العمل عن تبني برنامج اجتماعي واقتصادي يساري إلى ترك الطبقات الدنيا في إسرائيل إما مجالا لعمل حراكات اجتماعية غير سياسية تنشأ فجأة على أثر قضية عابرة، ثم لا تلبث ان تنطفئ. أو نهبا للأحزاب الدينية، وبخاصة حزب شاس، ومؤسساتها الاجتماعية والخيرية، أو فريسة لأحزاب الفاشية الجديدة مثل أحزاب الصهيونية الدينية التي نجحت في استمالة الفئات الأكثر تهميشا وفقرا عبر إقناعها بأن مشكلة اليهود الرئيسية هي مع الفلسطينيين والعرب.
مجال آخر لتخلي حزب العمل عن يساريته يتمثل في مجالات الحريات المدنية وعلاقة الدين بالدولة، فقد اتخذ الحزب دائما مواقف شوفينية وعنصرية تجاه الحرب بحرمانهم من حقوقهم المدنية والثقافية. وفي المجتمع اليهودي انتهج بشكل عام مواقف انتهازية وبراغماتية، فيما يتصل بعلاقة الدين والدولة التي ظلت إشكالية قائمة حتى الآن وتتبدى في الأعطيات المالية الهائلة التي توجه لجمعيات المتدينين وإعفائهم من الخدمة العسكرية، وهي مشكلات أسس لها حزب العمل وما زال تأثيرها قائما حتى الآن. تخلي حزب العمل هذا عن المبادئ الديمقراطية والمدنية وفر مساحات واسعة لنشاطات مجموعات وأحزاب يمينية ويسارية، ركزت جل اهتمامها على القضايا المدنية وتناولتها بشكل علماني، ومن هذه القوى حركة شينوي (يمين وسط) في التسعينات ومطلع الألفية، وحزب يسرائيل بيتينو الذي يرأسه أفيغدور ليبرمان وهو حزب ينشط بشكل خاص في صفوف المهاجرين الروس ولكنه يبدو الأكثر حسما وحدة ضد الإكراه الديني، وكذلك حزب يوجد مستقبل (ييش عتيد) برئاسة يائير لابيد، وهو حزب علماني يميني، وحركة حقوق المواطن (راتس) ىرئاسة شولاميت آلوني الذي اندمج لاحقا ضمن حزب ميريتس.
وليس من الصعب تعداد مئات المواقف الجوهرية التي ناقض فيها سلوك حزب العمل مواقفع المعلنة سواء تعلق الأمر بالسلام، أو في الميادين الاجتماعية والاقتصادية، وما عزز ذلك هو تحول حزب العمل بالتدريج من حزب يساري إلى حزب قطاعي يمثل الطبقات الوسطى والبيروقراطية العسكرية والمدنية، وبشكل أكثر تحديدا الفئات العليا من جمهور اليهود الغربيين العلمانيين (الأشكناز).
في محطات مفصلية كثيرة، كان حزب العمل يحاول منافسة احزب اليمين والليكود تحديدا في تبني المواقف الأكثر تشددا وبخاصة في مجالات الحسم العسكري للصرع مع الفلسطينيين ورفض قيام الدولة الفلسطينية، وبذلك كان الناخب الإسرائيلي يقف أمام خيارين: إما اختيار اليمين الأصيل أو ما يمكن تسميته ليكود(أ)، أو اليسار الذي يقلد اليمين ويتبنى مواقفه ويمكن تسميته بـ الليكود (ب)، فكان من الطبيعي أن ينتصر الليكود الأصيل في هكذا منافسة، وأن يتقهقر حزب العمل ليقترب من حافة الاندثار.