|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 29
التيار الثاني الذي ينمو دوره ويتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي هو تيار الصهيونية الدينية والذي اصطلح على تسميته بالتيار الحردلي ( مأخوذة من دمج اختصارات كلمات (حريدي ديني وطني). وهو التيار الذي يجمع بشكل اعتباطي انتقائي بين مبادئ الفكر الصهيوني مع التعاليم والهلوسات الدينية. وبالتحديد يختار من كل التراث الديني بكتبه وشروحاته وتراثه المكتوب والمحكي ما يناسب الطموح التوسعي والنزعات العنصرية. فمع أن الحاخامية الدينية الكبرى حرّمت على اتباعها اليهود المتدينين دخول منطقة الحرم القدسي الشريف (يسمونه جبل الهيكل)، فإن أتباع الصهيونية الدينية حوّلت هذه المسألة إلى واجب ديني، وحوّلت الصراع مع الفلسطينيين حول كل دونم وكل متر من الأرض إلى حرب مقدسة.
هناك بذور جنينية لهذا الفكر الحردلي في أدبيات الصهيونية الأولى التي تتحدث عن فرادة اليهود وتميزهم عن باقي شعوب العالم لكونهم شعب الله المختار، ولاحقا في كتابات زئيف جابوتنسكي الاب الروحي لليمين الصهيوني عن الجدار الحديدي. لكن أفكار الصهيونية الدينية نمت وتطورت أكثر بعد احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، والاحتكاك المباشر معهم والصدام اليومي بمختلف الصور، وبدء عمليات الاستيطان، ثم النمو المطرد في أعداد المستوطنين وانتشارهم في الضفة من صفر مستوطن في السبعينات، إلى نحو 170 ألف مستوطن عشية اتفاق أوسلو عام 1993، وصولا إلى نحو 850 ألف مستوطن في الضفة الغربية بما فيها القدس في عام 2026.
إن نشوء المستوطنات في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسيطرتها المجانية على موارد المياه والأراضي، والتسهيلات التي يحظى بها المستوطنون على صعيد الضرائب والخدمات والإعفاءات، بالإضافة إلى ما زرع في وعيهم وقناعاتهم من أفكر تصور الاستيطان باعتباره عملا قوميا ودينيا شجاعا وطليعيا، وما يحظى به المستوطنون وجمعياتهم من دعم مؤسسات يهودية ومحافظة أميركية، كل ذلك جعل من الاستيطان عملية مجدية ورابحة اقتصاديا ومعنويا.
كان اليمين الحردلي المتطرف موجودا دائما على هامش اليمين الإسرائيلي ومتحالفا معه مثل أحزاب هتحيا (النهضة) برئاسة غيؤولا كوهين، و(تسومت) برئاسة رفائيل ايتان، و(موليديت) برئاسة داعية الترانسفير رحبعام زئيفي، وإلى جانب كل هؤلاء وجدت حركة (كاخ) بزعامة الحاخام مائير كهانا والتي تميزت بدعوتها الصريحة والمباشرة للعنف تجاه الفلسطينيين ودعت إلى تهجيرهم ، ومن هذه الحركة تحديدا انبثقت أبرز التشكيلات الحالية للصهيونية الدينية وأهمها حزب عوتسماه يهوديت (القوة اليهودية) برئاسة ايتامار بن جفير.
وتمثلت النقلة النوعية لهذه التشكيلات المتطرفة في انتقالها من هامش الخريطة السياسية إلى مركزها المقرر، ومن خلال تشكيل حكومة اليمين واليمين المتطور برئاسة بنيامين نتنياهو نهاية العام 2022، فأحزاب الصهيونية الدينية التي حصلت على 14 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست، وإذا أخذنا في عين الاعتبار أن للأحزاب الحريدية هي الأخرى 14 مقعدا، وأن ثمة في قيادة الليكود ونوابه ووزرائه من يتبنون فكر الصهيونية الدينية، نصل إلى خلاصة أن لهذا الاتجاه أعلبية في القرارات الحكومية وبخاصة بعد أن تولى بتسلئيل سموتريتش حقيبتين وزاريتين هما المالية، ووزير وزارة الدفاع مسؤؤول عن الاستيطان والإدارة المدنية، وكذلك تولى بن جفير مسؤولية وزارة الأمن القومي.
هناك في إسرائيل من يرى في هذه التحولات نذير شؤم على إسرائيل، فالتحولات السياسية الجارية في إسرائيل وما رافق حرب الإبادة وجرائم المستوطنين في الضفةن ازالت الغلالة الرقيقة التي كانت تتستر بها إسرائيل إذ تقدم نفسها كدولة ديمقراطية وليبرالية، وصاحبة المعجزات الاقتصادية والتعليمية، فإذا بها الدولة التي لا تتورع عن ارتكاب أبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتفتح جبهات صراع مع عديد دول العالم، وتحتل أراضي ثلاث دول عربية، وتطمع بالمزيد إن لم يكن احتلالا مباشرا فمن خلال الهيمنة، والعزلة غير المسبوقة التي تواجهها إسرائيل حاليا.
لهذا الوجه العدواني الفاشي تجاه الفلسطينيين، يحمل المتطرفون اليهود وجها مشابها تجاه أبناء جلدتهم اليهود ممن يختلفون معهم في الراي، من خلال الهجوم على المحكمة العليا والجهاز القضائي، وعلى مساحات حرية التعبير وحتى على الحريات المدنية من خلال أشكال من فرض التزمت والإكراه الديني والتطرف، وهذه العوامل مجتمعة أدت إلى هجرة عشرات آلاف الإسرائيليين ممن هم محسوبين على التيارات العلمية، ومعظم المهاجرين من المتعلمين الشباب.
وهذا ما يخشاه الإسرائيليون من ان الحريديين والحردليم يدفعون إسرائيل لتصبح دولة معزولة متطرفة ومتزمتة منغلقة على ذاتها وتتراجع فيها مساحات الحريات العامة بما فيها حرية التعبير وحرية البحث العلمي، وهي مواصفات داعشية بامتياز يخشى المثقفون والباحثون الإسرائيليون أن تكون هذه العوامل عناصر لتقهقر هذه الدولة وانهيارها لاحقا.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |