أفول واندثار اليسار الصهيوني (3)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 25

يشير رصد النتائج التي حصل عليها حزب العمل في الانتخابات العامة إلى منحى انحداري واضح على الرغم من وجود بعض النتوءات صعودا وهبوطا لأسباب استثنائية خاصة بكل دورة على حدة وبحسب الشخصيات القيادية التي كانت تقف على راس الحزب وادائها الشخصي والعام، ويشار إلى حزب العمل بوصفه الحزب التاريخي الذي قاد الحركة الصهيونية وتشكيلاتها المسلحة، ثم أسس الدولة وقادها خلال الثلاثة عقود التالية. كان بمقدور حزب العمل أن يتحالف مع حزب واحد أو اثنين ليتمكن بعدها من تشكيل حكومة بسهولة، والحزبان المرشحان دائما للانضمام هما حزب العمال الموحد (مابام) وهو الحزب الذي اندمج لاحقا في حزب ميريتس اليساري، والحزب الوطني الديني قبل سيطرة الجناح الأكثر تطرفا في هذا الحزب وتحوله إلى حزب الصهيونية الدينية. ففي الدورات الانتخابية الثماني التي جرت للكنيست منذ العام 1949 وحتى العام 1973 (قبل حرب أوكتوبر)، كانت نتائج حزب العمل كما يلي مرتبة من الدورة الأولى حتى الثامنة: 46، 45، 40، 47، 42، 45، 56 (بعد حرب حزيران مباشرة)، 51، وهذه النتائج هي من اصل عدد مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدا، في جميع هذه الدورات حصل الحزب أكثر من 33% من الأصوات، وقارب في بعض الأحيان الـ 50%، علما بأنه كان يعمد إلى ترشيح قوائم قريبة منه من الوجهاء والمخاتير العرب لحصد الأصوات العربية على قاعدة التنفيع والخدمات.
وفي الدورة التاسعة التي جرت في العام 1977 ، أي سنة الانقلاب الكبير، هوى حزب العمل بشكل حاد إلى 32 مقعدا حيث فقد السلطة لصالح حزب الليكود الذي حصل على 43 مقعدا وتمكن من تشكيل الحكومة عبر التحالف مع الحركة الديمقراطية للتغيير برئاسة الجنرال يغئال يادين التي جرفت جزءا مهما من قواعد حزب العمل.
استعاد حزب العمل جزءا من عافيته وعاد للاقتراب من حاجز الــ 40 مقعدا في الدورات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، حيث تشكلت حكومات وحدة وتناوب بين العمل والليكود خلال عقد الثمانينات وحتى مطلع التسعينات حيث عاد حزب العمل للانتصار مستفيدا من فشل حزب الليكود في إخماد الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (انتفاضة الحجارة) ومن التوحل في مأزق لبنان. وهكذا شكل انتصار حزب العمل في الدورة العام 1992 وتشكيله حكومة بالشراكة مع ميرتس عودة قوية للحزب بطرح الاستعداد للسلام وهو ما مكنه من إبرام صفقة اوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993. ليعود بعدها للتراجع التدريجي ويهوي مجددا إلى ما دون العشرة مقاعد بحصوله على 34 مقعدا في 1996 حين فاز نتنياهو برئاسة الحكومة، وينخفض بعدها تدريجيا في الدورات التالية إلى 26 في الدورة 15، ثم 19، وبعدها 19 مرة أخرى، ثم 13، ثم 15، وبعدها 24ن ثم 6 دورتين متتاليتين ثم إلى الحضيض بحصوله على ثلاثة مقاعد فقط ضمن ائتلاف من 3 أحزاب مع ميريتس وغيشر، ثم 7 مقاعد في الدورة 24، وفي الكنيست الـ فاز بصعوبة بأربعة مقاعد وهو الحد الأدنى الممكن لحزب ناجح ودونها كان يمكن أن يفشل في دخول الكنيست.
أحد أوجه أزمة الحزب وانفضاض قادته وجمهوره عنه يتمثل في النجاح الكبير لحزب كاديميا برئاسة ارييل شارون الذي انشق عن الليكود ونجح في استقطاب عدد من القادة التاريخيين لحزب العمل ومن بينهم شمعون بيرس الذي كان رئيس الحزب لعدة دورات، والنائبان حاييم رامون رئيس الهستدروت السابق، وداليا ايتسيك رئيسة الكنيست السابقة. وفي وقت لاحق ومع انحلال كاديما تشكل حزب أزرق ابيض أو حزب الجنرالات نسبة إلى جنرالات ثلاثة شغلوا موقع رئاسة الأركان ووقفوا على راس هذا الحزب الجديد وهم بيني غانتس وغابي أشكنازي وموشي يعلونن هذا الحزب جرف معظم قواعد حزب العمل، لكنه فشل في تشكيل حكومة والتحق من موقع الضعف بحكومة بنيامين نتنياهو بسبب انتهازية زعيم الحزب بيني غانتس الذي يواجه الآن خطر الاضمحلال هو الآخر إذ تعطيه الاستطلاعات اقل من نسبة واحد بالمئة.
يعزو بعض المحللين هذا السقوط المتواصل للحزب إلى أزمات بنيوية وتنظيمية وافتقاده إلى قيادة حقيقية، حيث توالى على قيادة الجزب اكثر من عشرة اشخاص من رجال ونساء خلال الدورات الماضية، وفي كثير من الأحيان كان الحزب ينتظر قائدا منقذا من خارج صفوفه وخاصة من الجيش مثلما حصل عندما تولى ايهود بارك رئاسة الحزب وهو القيادي القادم من غرفة رئاسة الأركان مباشرة لقيادة الحزب، أو مثل وضعه الحالي حيث جاءه الجنرال يائير غولان من حزب ميريتس لينافس على رئاسة الحزب ويفوز برئاسة حزب تاريخي ويملك مؤسسات عريقة، لكن التعمق في دراسة واقع الحزب يقودنا إلى مساءلة سياساته الاجتماعية والاقتصادية، وموقفه من الاحتلال والقضية الفلسطينية والسلام، وهل كان حزب العمل حزبا يساريا حقيقيا أم أن هذه الصفة هي نسبية قياسا بالقوى التي تنافسه من اليمين واليمين المتطرف، العلماني والديني على السواء.