أفول واندثار اليسار الصهيوني (2)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 24

حزب العمل يضمحل ويواصل طريقه نحو الاندثار
نهاد أبو غوش

وسط مجموعة الأحزاب الصهيونية يبقى حزب "الديمقراطيون" وهو ائتلاف بين حزبي العمل التاريخي الذي لم يبق من تاريخه سوى اسمه، وميريتس الذي هو في الأساس ائتلاف بين حركات للحقوق المدنية وبقايا حزب العمال الموحد "مبام". بقي "الديمقراطيون" وحده يصارع لبقاء اليسار الصهيوني الآيل للاندثار، من خلال محاولاته المستميتة للحفاظ على ركنين وعنصرين يستحيل الجمع بينهما وهما أن تكون صهيونيا وأن تكون يساريا في الوقت نفسه.
رافق هذا التناقض الحركة الصهيونية منذ بدايات تشكلها في أوروبا وازدهرت بشكل خاص في وسط أوروبا وشرقها ( سنلاحظ أن معظم قادة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل ينحدرون من أوكرانيا وبولندا وليتوانيا وروسيا وبيلوروسيا، مع أن التشكيلات التنظيمية الأولى انطلقت من غرب أوروبا القريبة من مراكز الرأسمالية العالمية في القرن التاسع عشر). ولا شك أن الحركات العاملة في صفوف يهود أوروبا، بما في ذلك الحركات الصهيونية والتي تعمل وتدعو إلى تاسيس دولة يهودية (لم يتحدد مكان الدولة في فلسطين إلا متأخرا) تأثرت بأفكار الاشتراكية والماركسية المنتشرة في أوروبا قبل انتصار الثورة البلشفية وبعدها.
وهكذا كانت حركات بوعلي تسيون (عمال صهيون)، وأحدوت هاعافودا (اتحاد العمال)، وهابوعيل هتسعير (العامل الصغير) قريبة من الأوساط الاشتراكية التي انتشرت بقوة في أوساط العمال اليهود وفقرائهم، وكان لهذه الأفكار فوائد جمة لاحقا، وخاصة بعد توحيد هذه التيارات في حزب العمل الإسرائيلي (ماباي) الذي لعب دورا رئيسيا في تأسيس إسرائيل وقاد الحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة قبل قيام الدولة وبعد إنشائها حتى العام 1977. ارتبط حزب العمل بالأحزاب والحركات المنبثقة عن الأممية الثانية، ثم الاشتراكية الدولية، وقد نجحت بعض السمات "الاشتراكية" التي احتفظ بها حزب العمل في جذب فقراء اليهود إلى "الجنة الموعودة".
لكن هذه السمات الاشتراكية تبخرت مع الوقت، وبعد قيام دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني وأمانيه القومية والوطنية، واقتران عمليات التأسيس بمجازر مروعة، وتوثيق العلاقة بين دولة إسرائيل الناشئة والمراكز الاستعمارية الغربية العالمية مما أكد الوظيفة الاستعمارية لهذه الدولة في خدمة الأهداف الاستراتيجية للامبريالية. وظل التناقض قائما ومحتدما بين الطابع الصهيوني لحزب العمل بما تنطوي عليه الصهيونية من ارتباط بالإمبريالية ونفي للآخر غير اليهودي، وبين الطابع اليساري للحزب الذي تجسد في بعض المشروعات الوطنية العامة مثل تأسيس الكيبوتسات (على غرار الكولخوزات والسوفخوزات الاشتراكية)، وبناء الاتحاد العام لعمال إسرائيل (الهستدروت) الذي كان له دور مركزي في بناء الدولة، إلى جانب ملكية الدولة للمشاريع الكبرى من موانئ ومطارات وشركات الطاقة والمياه والاتصالات وبعض الصناعات الرئيسية، بالإضافة إلى تأسيس شبكات للضمان الصحي والاجتماعي.
ظل التناقض قائما في الأحزاب الصهيونية بين الطابع العنصري اليهودي الذي ينكر الآخر وينكر حقوقه الإنسانية والمدنية والسياسية، وبين الطابع "اليساري" الذي كان يتطلب أولا وقبل كل شيء الإقرار بإنسانية الفلسطينيين وحقوقهم، وتكرس ذلك بالعلاقات الوظيفية التي ربطت الدولة الصهيونية بالمراكز الغربية والاستعمارية التي وضعت دولة إسرائيل كـ(بوز مدفع) في مواجهة حركات التحرر والأنظمة الوطنية الناشئة الخارجة من عهد الاستعمار، وقد أدى ذلك إلى انشقاقات متتالية في صفوف الأحزاب الصهيونية.
كان حزب العمل الإسرائيلي قادرا على أن يحكم إسرائيل بمفرده أو بالشراكة مع حليفه الصغير حزب العمال الموحد (مبام)، مع شراكة انتهازية مع الحزب الوطني الديني، منذ العام 1948 وحتى الانقلاب الأكبر عام 1977 حيث فاز حزب الليكود، ،برئاسة زعيمه المتطرف مناحيم بيغن، وانشق عدد كبير من قادة حزب العمل مشكلين الحركة الديمقراطية للتغيير بسبب تراكم المشكلات البيروقراطية من جهة واخفاقات حرب أوكتوبر، ولكن الأسباب الرئيسية والموضوعية تمثلت في التحولات العميقة الجارية في المجتمع الإسرائيلي حيث لم يعد حزب العمل بهياكله البيروقراطية قادرا على مجاراة التحولات الداخلية والعالمية، حيث تحولت إسرائيل إلى مركز جديد من مراكز الامبريالية بحكم دورها الوظيفي وتدفق الاستثمارات الأميركية.
صحيح أن انتصار الليكود في العام 1977 لم يكن حاسما ونهائيا، حيث عاد حزب العمل للحكم أكثر من مرة ، إما بالشراكة مع الليكود من خلال حكومة الوحدة، او منفردا كما في حكومة رابين عام 1992 (بالشراكة المريحة مع حزب مابام) وحكومة ايهود باراك 1999، لكن الاتجاه العام ظل ثابتا: أن حزب العمل يضمحل ويواصل طريقه نحو الاندثار.