أفول واندثار اليسار الصهيوني (1)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 23

في النقاشات السياسية الإسرائيلية الجارية عشية الانتخابات وقبلها، تبدو كلمة "يساري" أقرب إلى شتيمة يطلقها أنصار رئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو، وانصاره على خصومهم ممن يسمون أنفسهم معسكر التغيير، أما خصوم نتنياهو التغييريون هؤلاء فيسارعون إلى التنصل من اي "شبهة" تربطهم باليسار، فيؤكدون المرة تلو الأخرى على "يمينيتهم" و"وطنيتهم" حيث باتت صفة الوطنية تترادف مع صفات الصهيونية والإسرائيلية واليمينية، ولقطع الشك باليقين يعززون هذا التوجه بتبن حرفي لمواقف اليمين الإسرائيلي من قضايا الصراع العربي الإسرائيلي ، فيؤكدون على تمسكهم بالاستيطان ورفضهم اي شكل لقيام الدولة الفلسطينية، كما يؤيدون الهجمات على إيران ولبنان وسوريا، ويتبنى معظمهم خيارات تهجير الفلسطينيين ويصمتون على جرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يقترفها الجيش الإسرائيلي صباح مساء.
يركز نتنياهو إطلاق تهمة اليساري على خصمه المباشر غادي ايزنكوت، رئيس حزب يشار، ورئيس أركان الجيش السابق، الذي لا تعرف له مواقف سياسية يسارية على الإطلاق، وأكثر ما ارتبط باسمه هي ما بات معروفا بـ "عقيدة الضاحية"، وهو الأسلوب العسكري الذي اعتمده خلال حرب تموز 2006 من خلال التدمير الشامل لضاحية بيروت الجنوبية وبناياتها واعيانها ومنازلها على رؤوس ساكنيها، وهو الأسلوب الذي جرى اعتماده في كل حروب إسرائيل اللاحقة، ليس لجهة التدمير فقط، وإنما من خلال اعتماد الرد غير المتكافئ، وبدلا من رد الصاع صاعين كما يقول مثلنا العربي، يجري رد الصاع بمائة صاع أو اكثرن كما في غزة حيث شنت دولة الاحتلال حرب إبادة وقتلت نحو مائة الف فلسطيني ردا على مقتل نحو ألف إسرائيلي في السابع من اوكتوبر.
تنصرف اتهامات اليسار أيضا إلى شخصيات يمينية صارخة مثل نفتالي بينيت رئيس ائتلاف "بياحد" وبينيت هذا هو من خريجي التيار الصهيوني الديني الذي ينتمي له كل من بتسلئيل سموتريتش وايتامار بن جفير، وسبق له ان خاض الانتخابات تحت اسم حزب اليمين أو اليمين الجديد وقد عرف بشراكته الدائمة مع شخصية من اكثر الشخصيات الإسرائيلية تطرفا هي الوزيرة السابقة أييلت شاكيد، وقد شغل بينيت في الماضي منصب مدير مكتب نتنياهو، كما كان مديرا عاما لمجلس الاستيطان في الضفة الغربية، ومن أبرز المواقف السياسية الحديثة لكل من ايزنكوت وبينيت رفضهما تفكيك اي مستوطنة ورفض قيام دولة فلسطينية في اي جزء من أراضي فلسطين المحتلة.
ولا يوفر انصار نتنياهو زعيما يمينيا متطرفا وعنصريا هو أفيغدور ليبرمان الذي يراس حزب "يسرائيل بيتينو" معظم جمهوره من المهاجرين الروس، وهو صاحب وجهات نظر شديدة التطرف ، وهو أول من دعا إلى قصف "أسوان وطهران" كما دعا علنا إلى استخدام الأسلحة غير التقليدية، ولعل ما يبقيه في صفوف المعارضة هما سببان: أولا العداء الشخصي الشديد بينه وبين نتنياهو وزوجة الأخير سارة، حيث يحتفظ ليبرمان بذكريات سلبية جدا عن فترة عمله مديرا لمكتب نتنياهو قبل خوضه التجربة السياسية وتأسيس حزبه، ثانيا عداؤه الشديد للأحزاب الدينية، وتبنيه بعض المواقف العلمانية لأن معظم جمهوره من غير المتدينين، وحتى أن هناك نحو نصف مليون شخص من مهاجري الاتحاد السوفييتي تطعن الحاخامية الكبرى ومعها الأحزاب الدينية في صحة يهوديتهم، وهم جزء من موجات هجرة روسية وسوفييتية اختاروا الهجرة إلى إسرائيل ليس لدوافع صهيونية وإنما كمحطة مؤقتة تفتح الطريق أمام هجرات تالية للولايات المتحدة أو كندا واستراليا.
هناك ايضا في صفوف معارضي نتنياهو حزب ييش عتيد (يوجد مستقبل) الذي يرأسه يائير لابيد وهو حزب صهيوني علماني يجاهر بمعارضته لنفوذ الأحزاب الدينية ويتبنى مواقف علمانية في القضايا الاجتماعية والمدنية، مثل الزواج المدني والدعوة لفتح المحلات وحركة السير أيام السبت، ولكنه يتبنى موقفا يمينيا صريحا في كل ماله علاقة بالقضية الفلسطينية وحروب إسرائيل، وكذلك في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا الحزب يتراجع يوما بعد يوما وهو من نمط أحزاب الوسط التي تنشا في إسرائيل كصيغة لكسر الاستقطاب، فتكبر فجأة ثم لا تلبث أن تندثر كما جرى مع حزب شينوي (التغيير) الذي أسسه والد يائير لابيد المعروف بتومي لابيد في الثمانينات والتسعينات، وكلاهما إعلاميان بنيا شعبيتهما على برامج تلفزيونية.
يبقى من المتهمين باليسارية حزب الديمقراطيين الذي يراسه يائير غولان، نائب رئيس الأركان السابق، وهو ائتلاف الضرورة (اي من أجل تجاوز نسبة الحسم) بين بقايا حزب العمل المضمحل، وفلول حزب ميريتس، وسيكون لنا حديث مفصل عن هذا الحزب.