رفض تأشيرة عباس عقاب للشعب الفلسطيني

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 18

للعالم الثاني على التوالي، تحجب إدارة الرئيس دونالد ترامب تأشيرة الدخول (الفيزا) عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتمنعه من إلقاء خطابه من على منصة الأمم المتحدة لمخاطبة العالم، الولايات المتحدة اعتبرت القرار نوعا من العقوبات التي تفرضها على عباس وعدد من الشخصيات الفلسطينية بحجة الخطوات التي تتخذها السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المنابر الدولية، وفشلها في تحقيق الإصلاحات التي تعهدت للإدارة الأميركية بالقيام بها. تلا هذا القرار المخالف لاتفاقية المقر بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على منح الرئيس الفلسطيني فرصة مخاطبة اجتماع الجمعية العامة بواسطة الفيديو كونفرنس، حيث صوتت 152 دولة لصالح القرار، وعارضته ثلاث دول هي الولايات المتحدة وإسرائيل وباراغواي، كما امتنعت اربع دول أخرى هي كولومبيا وهوندوراس وبنما وبيرو.
المزاعم الأميركية عن سبب العقوبة هي كاذبة بالمطلق، فهي لم تتخذ إجراءات كهذه ضد دول بينها وبين الولايات المتحدة خلافات وخصومات حادة، في العام الماضي ادعت الإدارة الأميركية أن سبب منع التأشيرة يعود إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية ليست دولة، وكأن واشنطن هي وحدها صاحبة الحق في التفسير القانوني لمكانة دولة فلسطين في الأمم المتحدة، أو أن حجب التأشيرة أو منعها أكثر أهمية من عضوية هذه الدولة أو تلك في الأمم المتحدة.
لا يوجد أي سبب لأن يفرح اي فلسطيني أو يشمت في قرار حجب التأشيرة عن (ابو مازن) سواء اتفق مع مواقف الرئيس الفلسطيني أو اختلف مع سياساته، فهذا الإجراء التعسفي والعدواني هو عقاب للشعب الفلسطيني بأسره، وله خلفيات وابعاد مختلفة تماما عن الأسباب الأميركية المزعومة، فضلا عن أنه يمثل استهانة واستخفافا مطلقا بالمؤسسة الأممية الكبرى (الأمم المتحدة) وازدراء لكل النظام الرسمي العربي والعالم الثالثي ومؤتمر التعاون الإسلامي حيث تعتبر دولة فلسطين عضوا كامل العضوية في الجامعة العربية ومؤتمر التعاون الإسلامي وعديد الهيئات الإقليمية والدولية، كما أن الإجراء بحد ذاته هو دليل جديد على ضعف النظام الرسمي العربي وهزاله وعجزه عن اتخاذ موقف جادّ يحمي حقوق أحد أعضائه وممثل القضية المركزية للشعوب العربية والإسلامية.
يمثل الإجراء امتدادا للموقف العدواني والعقابي الذي اتخذته إدارة الرئيس ترامب تجاه الفلسطينيين، بدءا من ولاية ترامب الأولى بين 2017 و2021، ثم الولاية الثانية من مطلع العام 2025 وحتى الآن، فخلال ولايته الأولى طرح ترامب صيغة "صفقة القرن" التي رفضها الفلسطينيون والعرب، والتي بموجبها أنكر الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، وعرض على الفلسطينيين وعودا ببعض التحسينات لظروف معيشتهم تحت الاحتلال، وفي المقابل نقل السفارة الأميركية من تل أبيب للقدس، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل في موقفين مخالفين لما دأبت عليه السياسة الأميركية في المنطقة منذ العام 1948 بخصوص القدس، وتجاه القضية الفلسطينية بشكل عام. كما اعتبرت إدارة ترامب أن الاستيطان لا يمثل اي عقبة أمام الحل السياسي السلمي، وقررت إغلاق القنصلية الأميركية في القدس التي افتتحت في العام 1844، وظلت قائمة خلال العهود العثمانية والانتداب البريطاني والحكم الأردني وخلال 52 عاما من عمر الاحتلال الإسرائيلي. وقد ألحقت الإدارة الأميركية كل ما يتصل بالشؤون الفلسطينية بسفارتها في إسرائيل في خطوة رمزية تجسد أن الشأن الفلسطيني عموما هو شأن داخلي إسرائيلي.
إلى ذلك بدأت الإدارة الأميركية خلال ولاية ترامب الأولى حربها ضد وكالة الغوث (الأونروا)، فجمدت كل مساعداتها ومساهماتها في تمويل الوكالة، كما جاءت بتعريف جديد للاجئين مفاده أن صفة اللاجئ لا تنطبق إلا على الأفراد الذين لجأوا في العام 1948 وليس على أبنائهم وأحفادهم، ولا على من اكتسب حق الإقامة في بلد جديد أو اكتسب جنسية جديدة.
أما العقوبة الأشد تجاه الفلسطينيين فهي تأييد حرب الإبادة الإسرائيلية، والصمت على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومدّ إسرائيل بكل أنواع السلاح والذخائر والدعم المالي والسياسي وحمايتها من قرارات الأمم المتحدة، وصولا إلى تشكيل مجلس سلام لغزة يحظى مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بعضويته، إلى جانب عدد من رجال الأعمال من مزدوجي الجنسية الأميركية والإسرائيلية.
يعود هذا الموقف الأميركي أساسا إلى تبني ترامب لموقف اليمين الإسرائيلي المتطرف بإنكار صفة الشعب الفلسطيني كشعب، وبالتالي فإن اية حلول للقضية الفلسطينية يجب أن تقتصر على التسهيلات الاقتصادية والمدنية، ولا ترقى إلى الحقوق الوطنية والسياسية الجماعية كحق تقرير المصير، وهو موقف تجسد في قانون الأساس الإسرائيلي الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2019 وعرف بقانون القومية والذي يحصر حق تقرير المصير في أرض إسرائيل بما أسماه "الشعب اليهودي"، وبالتالي فإن هذا الحق يستفيد منه يهود نيويورك وفرنسا والارجنتين ولا يمكن ان يسري على الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه البلاد منذ قرون طويلة سبقت الإسلام والمسيحية، وهذا القانون وهذه المواقف الأميركية الإسرائيلية المتطابقة تمثل الأساس الفكري لدعاوى التهجير التي تتبناها عدد من القوى الصهيونية الرئيسية وكان اول من تبناها علنا واخرجها من نطاق الأفكار الإجرامية المضمرة التي تشكل جرائم حرب إلى الطرح السياسي العلني هو الرئيس ترامب نفسه حين تبناها في 25 يناير 2025، بعد أيام معدودة على تسلمه مسؤولياته رسميا، ثم عاد وكررها في مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو في 4 فبراير من العام نفسه.