في ضيافة المدافع .. ماذا قال سعدون شاكر لصدام حسين عَن جعفر المظفر (18)

جعفر المظفر
2026 / 9 / 15

في ضيافة المدافع .. ماذا قال سعدون شاكر لصدام حسين عَن جعفر المظفر (18)

من شاهد فلم قاعة الخلد التي هدد فيها صدام رفاق الأمس بأنه (سيطرهم أربع وصل) سوف يتعرف على الموقف التالي : صدام سأل الضحايا : من منكم لم يتطوع حتى هذه اللحظة ؟ هنا وقف أحد البعثيين المرعوبين من منظر المرافقين المسلحين الذين انتشروا في جوانب القاعة : لم أفهم يا سيدي التوقيت الذي قصدته على وجه الدقة. أجاب صدام بهدوء أعصاب : الساعة الآن هي الثانية عشر ظهراً واليوم هو الاثنين, وأنا قلت من لم يتطوع حتى هذه الندوة ينتقل إلى يمين القاعة.
ولما كنت قد تطوعت قبل يومين, أي في يوم السبت الذي تلى ندوة الجمعة التي أدارها طه ياسين رمضان, وقد كتبت تقريراً بذلك أرسلته إلى القيادة بواسطة الأخ (مجيد العايد) عضو فرع في قيادة الكرخ, فقد كان من حقي الاعتقاد أن التوجيه لا يشملني, لذا بقيت في القاعة حتى أنهى صدام حسين خطابه وندوته التي هدد فيهاً ب (طَرّ) رفاق الأمس. وكان سعدون شاكر عضو القيادة المسؤول عن مكتب تنظيم بغداد قد همس لصدام حسين بما يعني إنني لم أسجل إسمي في قائمة المتطوعين فسمعت صدام يقول له, وكنت جالساً في الصف الثاني حيث سمح لي ذلك بسماع تلك المحادثة القصيرة : يا سعدون دعه يبقى. في تلك الندوة سرحت في مقعدي خجلاً حينما قال صدام وهو يتغنى بانتصاراته (إنني على أبواب أن أمسك الشمس بيدي) وتذكرت أن هارون الرشيد نفسه لم يجرأ سوى على مخاطبة السحابة بأن خراجها سيعود إليه.
وكنت قبل ذلك قد دخلت في (مشاحنة) مع المرحوم وليد الخشالي عضو قيادة مكتب تنظيم بغداد في الندوة الأولى التي عقدت لتنظيم شؤون التطوع في فرع أبو جعفر حينما كان موضوع الندوة التطوع في ألوية المهمات الخاصة والتي انحصر الوجود الحزبي فيها على أعضاء قيادات الشعب وأعضاء قيادات الفروع.
أصل المشاحنة إنني كنت من المعترضين على طرح قضية التطوع بهذه الصيغة. في اعتقادي أن مجرد طرح فكرة التطوع على قيادات حزبية بهذا المستوى هي التقليل من متانة علاقتهم بالحزب واستهانة بموقعهم القيادي. وقد كان في ظني أن السؤال الذي كان يجب أن يوجه لنا هو من يريد منا البقاء في قاعة الندوة ومن يريد مغادرتها.
لكن المرحوم وليد الخشالي فاجئني بقولٍ أثار أعصابي : الموضوع لا يسمح بالتنظير الذي إعتدناه منك. ليكن في علمك أن التطوع الذي تريده القيادة هو لتشكيل ألوية المهمات الخاصة وليس الجيش الشعبي المعتاد. تابع: ما هو واضح أن أعمار أغلب الكوادر الحاضرة هنا لا تسمح بانضمام أعضاءها إلى تشكيلات من النوع الذي يصلح لأداء المهمات القتالية الخاصة, وهذا ينطبق عليك بدرجة حاسمة, فالموضوع يا رفيقي خاص بالشباب من الحزب. بعد هذا الرد وبالصيغة التي جاء بها لم أعد مطلقاً في المزاج الذي يسمح لي بالاستمرار فإستأذنت للخروج من الندوة.
بعد عودتنا من الجبهة, أخبرني الأخ (حمدان الدوري) إبن خالة عزت الدوري الذي فصل معنا, وشاركني أغلب المواقف الصعبة أثناء وجودنا في جبهات القتال, أن صدام حسين أرسل على ما يقارب العشرين من المفصولين لغرض إعادتهم مرة أخرى إلى الحزب وبمواقعهم القيادية السابقة, وكان (حمدان) منهم حيث شرح في مطالعته كيف أن (جعفر المظفر) كان الوحيد في ندوة كوادر أبو جعفر المنصور الذي أكد أن جميع من في القاعة هم متطوعون, وإن الذي لا يرغب بذلك عليه أن يترك القاعة ويعتبر نفسه خارج صفوف الحزب. للمعلومات وعلى سبيل المثال فقد أعيد الأخ (حمدان الدوري) للحزب بنفس درجته السابقة وصار خلال فترة قصيرة رئيساً للمكتب السياسي في ديوان الرئاسة.
لماذا اختار صدام عشرين من المفصولين وقرر إعادتهم إلى الحزب. قد لا يكون في الإجابة ما يسيء لهولاء, إلا أن فيها حتماً ما يسيء لصدام حسين نفسه, لكن جلّ ما أريد أن أؤكد عليه الآن أن موقفي إزاء عملية التطوع وإعتبارها خطأ بالاساس لا ينطلق من رد الفعل بعد فصلي من الحزب وإنما هو موقف مبدئي كنت قد عرضته في اجتماع فرع أبو جعفر, إذ نوهت إليها من قناعتي أنها كانت خطوة زائدة لأن وجود الجيش الشعبي, الذي يقرر نظامه الداخلي أن جميع الحزبيين هم جنود فيه, يلغي الحاجة إلى عملية التطوع.
ولِمنْ كان على إطلاعٍ ولو قليل بأوضاع الجبهة كان يعلم أن تزويدها بالمزيد من المتطوعين العراقيين صار عبئاً على الجيش وليس عوناً له, وأن دعوة صدام لعملية التطوع الجديدة لم تكن اكثر من رد فعلٍ سياسي غير مدروس على دعوة الخميني له, لأن جبهة هذا الأخير كانت تعتمد بشكل رئيس على قوات الباسيج (المتطوعون) وليس على الجيش الإيراني المشكوك بولائه. وقد إتبع الإيرانيون نمطاً فدائياً للقتال شبيه بقتال الفيتناميين ضد الفرنسيين في ديان بيان فو. لكن لا أحد من العسكريين كان بإمكانه التقاطع مع أفكار القائد الملهم لأن ذلك كان سيكلفه حياته.
وقد حدث بالفعل ما كان قد تخوفنا منه, فلقد أحدث المتطوعون إرباكاً على السياقات النظامية للجيش العراقي, وصار صعباً على العسكريين إدماج المتطوعين في خططهم القتالية لذا كانت هناك عشوائية التوزيع التي لم تحسب المتطوعين في السياق اللوجستي.
مثلاً من جانبنا كنا إعتمدنا على ما نجلبه معنا في اجازاتنا من المعلبات للعيش في مواقع لا تصلها الإمدادات, حتى كأن الجيش كان يضعنا في مواقع ثم ينسانا, وقد رحنا نتساءل عما إذا كان ذلك متعمداً, ومثالٍ أخر: في مناطق الحجابات وخاصة في البسيتين الأولى والثانية كنا نعتمد على الآبار التي نحفرها لضمان ماء الشرب, أما الإستحمام فقد نسيناه, وكانت الآبار التي نحفرها تمتلئ خلال دقائق بالحشرات وحتى ب (أبو بريص) وغيرها, ومع ذلك لم يكن أمامنا سوى أن نشربها أو نهلك.
وفي الايام الأولى التي توافد فيها صغار المتطوعين على الجبهة استطاع الجيش أن يحرر أو أن يفك الحصار على المئات من الشباب الذين وقعوا سريعاً في المصيدة الإيرانية, وقد ذهب منهم الآلاف في الاسر الذي استمر لأكثر من عقدٍ من الزمن.