|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد عبيدو
2026 / 9 / 15
يبدو مسار ريتشارد راندولف "راندي" أولسون أقرب إلى حكاية عبور بين عالمين: من المختبرات المغمورة برائحة الملح، إلى قاعات السينما المضيئة. هذا العبور لم يكن قطيعة بقدر ما كان تحوّلاً في أدوات التعبير؛ إذ ظلّ أولسون وفياً لسؤال المعرفة، لكنه اختار أن يطرحه عبر الصورة والحكاية، لا عبر المعادلات العلمية فقط.
نشأ أولسون على تماسٍ مبكر مع المحيط، وهو ما شكّل حساسيته الأولى تجاه الطبيعة بوصفها كياناً حياً وثقافة قائمة بذاتها. هذه الخلفية العلمية، الممتدة من دراساته في علم الحيوان إلى نيله الدكتوراه في علم الأحياء التطوري، منحته وعياً عميقاً بالأنظمة البيئية، لكنه سرعان ما أدرك أن المعرفة العلمية، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة التأثير إن لم تُترجم إلى خطاب قادر على الوصول إلى الجمهور. هنا بالتحديد يبدأ مشروعه السينمائي، الذي يمكن قراءته بوصفه امتداداً أنثروبولوجياً للعلم.
في أفلامه، لا يكتفي أولسون بتقديم الوقائع، بل يشتغل على تمثيل العلاقة المعقدة بين الإنسان والعلم والمجتمع. فيلمه الوثائقي A Flock of Dodos، الذي عُرض في مهرجان تريبيكا السينمائي، مثال بارز على هذا التوجه؛ إذ يتناول الجدل بين نظرية التطور والتصميم الذكي ليس بوصفه نقاشاً علمياً فحسب، بل كظاهرة ثقافية تكشف عن تصورات المجتمع الأمريكي للعلم والهوية والإيمان. هنا يتحول الفيلم إلى دراسة إثنوغرافية غير مباشرة، ترصد كيف تُبنى القناعات، وكيف يتشكل الخطاب العام حول المعرفة.
أما في فيلم Sizzle، فيذهب أولسون أبعد من ذلك، معتمداً السخرية كأداة تحليل. يعالج ظاهرة الاحتباس الحراري من خلال بنية هجينة تمزج الوثائقي بالكوميديا، في محاولة لتفكيك طرق تلقي الجمهور للمعلومة العلمية. هذا الخيار الأسلوبي يعكس وعياً أنثروبولوجياً بآليات التواصل، حيث لا يكون الهدف تقديم الحقيقة فقط، بل فهم كيف تُستقبل وتُعاد صياغتها داخل الثقافة الشعبية.
تتجلى خصوصية أولسون في قدرته على اختزال المسافة بين العالم والراوي. فهو لا يتخلى عن خلفيته العلمية، بل يعيد توظيفها داخل خطاب بصري يعتمد الإيجاز والوضوح، دون أن يسقط – بحسب دفاعه – في التبسيط المخل. من هنا جاءت الانتقادات التي وُجهت إليه، والتي اعتبرت أسلوبه تقليصاً لقضايا معقدة، بينما يصر هو على أن ما يقدمه هو “اقتصاد في السرد” يهدف إلى جعل العلم قابلاً للتداول الاجتماعي.
مشروعه "Shifting Baselines Ocean Media" يعكس هذا الوعي بضرورة إعادة صياغة المعرفة العلمية ضمن سياق ثقافي أوسع، حيث يدمج بين البحث العلمي والسرد البصري والإعلانات التوعوية. وهو في ذلك يقترب من روح السينما الإثنوغرافية، التي لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تسعى إلى تفسيره وإعادة تأطيره.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى راندي أولسون كمخرج وثائقي تقليدي، بل كوسيط ثقافي يعمل عند تقاطع العلم والأنثروبولوجيا والسينما. أفلامه ليست فقط عن المحيطات أو التغير المناخي، بل عن الإنسان في علاقته بالمعرفة، وعن الصعوبات التي تواجه الحقيقة العلمية في طريقها إلى الوعي الجماعي. بهذا المعنى، يتحول مشروعه إلى محاولة دائمة للإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن للعلم أن يُروى، لا أن يُدرّس فقط؟