|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ضيا اسكندر
2026 / 9 / 15
بعد خمس سنوات من الغياب القسري، عدتُ إلى اللاذقية محمّلاً بأسئلة كثيرة وانطباعات متراكمة. كنت أتساءل كيف تغيّرت المدينة خلال سنوات الغياب، وكيف تغيّر أهلها، وماذا تركت السنوات الماضية من أثر في سلوك المجتمع وتفاصيل حياته اليومية.
قبل العودة، كنت أخشى أن أجد مجتمعاً مختلفاً تماماً عما عرفته، لا سيما مع ما كنت أسمعه عن تشدد سلطة الأمر الواقع وممارساتها، والمخاوف من فرض نمط اجتماعي وديني أكثر محافظة.
ما رأيته في الشارع لم يكن مختلفاً كثيراً عما أتذكره قبل خمس سنوات. فالنساء ما زلن، في معظم الأماكن، يرتدين ملابسهن المعتادة، ولم ألحظ انتشاراً واسعاً للحجاب أو النقاب كما كنت أتوقع. كما أن المرأة العاملة ما زالت تمارس حياتها بصورة طبيعية، وتضع مساحيق التجميل، فيما يرتدي كثير من الشباب السراويل القصيرة.
حتى الشاطئ بدا قريباً مما عرفته؛ أجواؤه وحركته الاجتماعية لم تتغيرا بصورة لافتة. وما أثار انتباهي أكثر كان انتشار محال بيع المشروبات الكحولية، وبدا لي أن عددها ربما ازداد مقارنة بما كنت أذكره قبل الغياب.
في المقابل، كان الفقر أكثر حضوراً من أي وقت مضى. البطالة تبدو واسعة، والقدرة الشرائية تراجعت إلى مستويات مؤلمة، حتى بات من المألوف أن ترى خريجي الجامعات يعملون في مهن بعيدة تماماً عن اختصاصاتهم؛ فهذا يعمل بائعاً في متجر، وذاك يعمل صرّافاً، وآخر يقضي يومه في مقهى أو في عمل يدوي.
فالشهادة الجامعية، التي كانت تمنح صاحبها أملاً بمستقبل أفضل، أصبحت عاجزة عن ضمان فرصة عمل تليق بسنوات الدراسة والجهد المبذول.
كان هذا المشهد، بالنسبة إليّ، واحداً من أكثر وجوه التغيير إيلاماً: جيل درس طويلاً، وحمل شهاداته معه، ثم وجد نفسه مضطراً إلى العمل في أي مهنة تتيح له تأمين دخله، بصرف النظر عن تخصصه أو طموحاته.
ولفت انتباهي أيضاً الانتشار الكبير لألواح الطاقة الشمسية على أسطح الأبنية، في مشهد يعكس حجم أزمة الكهرباء التي عاشها الأهالي خلال السنوات الماضية. وباتت هذه الألواح خياراً شائعاً لتأمين الحد الأدنى من احتياجات المنازل، في ظل الانقطاعات الطويلة وارتفاع كلفة الكهرباء ومصادر الطاقة البديلة. غير أن تركيب منظومات الطاقة الشمسية يبقى، بسبب كلفتها المرتفعة، متاحاً بالدرجة الأولى للقادرين مادياً، فيما يعجز غالبية ذوي الدخل المحدود عن تحمّل تكاليفها.
ومن الملاحظات الإيجابية التي استوقفتني أيضاً نمو الأشجار واتساع ظلالها في شوارع المدينة؛ فقد بدا بعضها أكثر كثافة وامتداداً مما أذكره قبل خمس سنوات. وكانت الخضرة أكثر حضوراً في عدد من الشوارع، فيما لم تواكب الخدمات العامة هذا التحسن، وازداد التراجع وضوحاً في كثير من جوانب الحياة اليومية.
وكان من أكثر ما آلمني في هذه العودة أن أكتشف رحيل عدد من أقاربي وأصدقائي خلال سنوات غيابي. أسماء كنت أظن أنني سألتقي أصحابها عند عودتي، فإذا بي أسمع عن رحيلهم بعد فوات الأوان. أشخاص تركتهم أحياء في ذاكرتي، ثم عدت لأجد أن السنوات التي غبتها قد حملتهم معها.
وربما تعمّد أهلي ألا يخبروني بوفاتهم طوال سنوات الغربة، خشية أن يضيفوا إلى وحشة المنفى ووحدة الغياب ألماً آخر لم أكن بحاجة إليه. وربما لأن الموت نفسه، بعد كل ما مرّ به السوريون، لم يعد خبراً استثنائياً كما كان من قبل، وصار جزءاً ثقيلاً من الذاكرة اليومية؛ خبراً يتكرر حتى يفقد شيئاً من غرابته، من دون أن يفقد وجعه.
ومع ذلك، فإن اكتشاف هذا العدد من الراحلين دفعة واحدة جعلني أشعر بثقل السنوات الخمس التي غبتها عن مدينتي، وكأنني لم أعد إلى المكان نفسه الذي غادرته، وإنما إلى مدينة فقدت خلال غيابي جزءاً من ذاكرتها ووجوهها.
ومن الأمور التي لفتت انتباهي أيضاً أن مشاعر الخوف من مواجهة السلطة والتعبير بحرية عن الرأي ما تزال حاضرة بقوة، وربما بصورة أكبر مما توقعت. فعلى الرغم من أن المشهد تغير بعد سقوط النظام السابق، فإن ممارسات سلطة الأمر الواقع، وما رافقها من مجازر واعتقالات وإقصاء من الوظائف وتسريح أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة، أبقت لدى كثيرين شعوراً بأن هامش التعبير والاعتراض ما يزال ضيقاً. والخوف الذي عرفه السوريون في عهد الاستبداد السابق ما يزال حاضراً، مع تغير مصدره وأدواته.
كما لفتني، خلال وجودي في المحافظة، حضور عدد من المسؤولين الإداريين المنحدرين من محافظة إدلب في مؤسساتها، في تركيبة إدارية مختلفة عما عرفته سابقاً. وكانوا يظهرون بهيئة دينية واضحة، لا سيما من خلال إطلاق اللحى، في مظهر لم يكن مألوفاً بهذه الدرجة في مؤسسات الدولة.
وما أفرحني وأبهجني أيضاً أن كثيراً من قصور وفلل ومزارع آل الأسد وأشباههم قد جرى الاستيلاء عليها. وكانت فرحتي ستبلغ أوجها لو آلت تلك الأملاك إلى الدولة، وحُوّلت إلى مراكز ثقافية أو تدريبية، أو استُثمر بعضها كفنادق ومنتزهات ومرافق سياحية، يعود ريعها إلى خزينة الدولة ويستفيد منها عموم السوريين.
وفي الحياة الاجتماعية، كانت آثار السنوات الماضية واضحة أيضاً. تأخّر الزواج، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضيق فرص العمل، كلها عوامل ألقت بثقلها على الشباب والعائلات، وعمّقت مشاعر الإحباط واليأس. وبينما يحاول الناس التكيّف مع ظروفهم الجديدة، تظل آثار الحرب والانقسام والفقر حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى في التفاصيل التي تبدو للوهلة الأولى عادية.
وفي النهاية، فإن الشعب السوري، الذي دفع ثمناً باهظاً وقدّم تضحيات هائلة طوال سنوات الحرب، لن يقبل طويلاً استمرار هذا الواقع وتفاقم معاناته على مختلف الصعد. السوريون يستحقون دولة ديمقراطية تحفظ كرامتهم وحرياتهم، وتوفر لهم الأمن والعمل والخدمات، وتقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون.
إن استمرار التدهور الاقتصادي والاجتماعي، واتساع الفقر والبطالة، وتراجع مؤسسات الدولة، واستمرار الانقسام، يهدد مستقبل سوريا ويفتح الباب أمام تحولات عميقة يصعب التنبؤ بمآلاتها. وكلما طال هذا المسار، ازدادت صعوبة استعادة الاستقرار وترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الوحدة الوطنية. وسوريا اليوم بحاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في تعاملها مع مواطنيها، وقادرة على توفير حياة كريمة وآمنة لجميع أبنائها.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |