|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زكرياء مزواري
2026 / 9 / 15
يُعدّ المقهى في أصله مقاولةً صغيرةً أو متوسطةً ذاتَ هدفٍ ربحيّ بالدرجة الأولى، يُنشئها صاحبها لتقديم خدمات للزبناء. غير أن هذه الوظيفة الاقتصادية لم تظل هي الوحيدة، إذ أضيفت إليها، مع مرور الوقت، وظائف أخرى استجابت لاحتياجات المجتمع الذي نشأت فيه. واليوم، في المغرب، ومع التحولات السريعة التي يعرفها المجتمع، صارت المقاهي بالتدريج مؤسسات اجتماعية غير رسمية تستجيب لحاجات لم تعد المؤسسات المألوفة الأخرى قادرة على إشباعها؛ إذ لم تعد مجرد فضاءات لممارسة نشاط اقتصادي ربحي، وإنما غدت فضاءات اجتماعية تتقاطع داخلها أنماط متعددة من التفاعلات والممارسات اليومية.
وما زاد من تعقيد وظائف هذا الفضاء، عُسرُ هضم المجتمع المغربي للتحولات الكثيفة التي عرفها منذ مرحلة الاستعمار، والتي مسّت البنيات والأطر التقليدية التي كانت تؤطر وتنظم العلاقات الاجتماعية. ومع هذا الاصطدام الحضاري، بدأت تتشكّل معالم المدن الحديثة، ورافقتها أشكال من التمدن الهجين، بفعل الزحف القروي الناجم عن التحولات التي طرأت على البنية الاقتصادية، ورغبة الأفراد في البحث عن موارد للعيش. غير أن هذا التمدن، بما حمله من تداخل بين أنماط الحياة القروية والحضرية، لم تواكبه تهيئة عمرانية كافية للفضاءات الثقافية والترفيهية والاجتماعية. وفي خضم هذه التغيرات، أخذ المقهى يكتسب وظيفة اجتماعية تتجاوز وظيفته الاقتصادية، ليصير، في بعض السياقات، «مكانًا ثالثًا» يتوسط بين البيت والعمل، ويوفر للأفراد فضاءً للقاء والتفاعل وقضاء الوقت.
لقد تحول فضاء المقهى في المجتمع المغربي إلى مجتمع مصغّر تتجسّد فيه جملة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يمر بها المجتمع، ومسرحًا تتقاطع فيه تحولات متعددة، من ضمنها التحول الرقمي الذي صار يهيمن على تفاصيل الحياة اليومية. اليوم، لا يكاد يخلو مقهى في المدن المغربية من شبكة للواي فاي، ولا تكاد عينك تخطئ الأفراد وهم عاكفون على هواتفهم، منغمسون في عوالمهم الافتراضية الفسيحة، كما لا تكاد أذنك تخطئ التقاط أصوات مقاطع الفيديو القصيرة «الريلز»، التي يتنقلون بينها بأصابعهم، بحثًا عن المزيد.
هنا، يقع الأفراد أسرى هذه الشبكات الرقمية المصمّمة بدقة للإمساك بمراكز اهتمامهم، ما دامت خوارزمياتها تستند إلى تحليل أنماط سلوك المستخدم، الأمر الذي يجعل تدفق محتواها لا ينضب، بهدف زيادة احتمالات بقائه متصلًا. وهذا الأسْر يجعل الفرد منغمساً في عالمه السحري، وهو يتلذذ بما يشاهده ويسمعه لأوقات طويلة، وحتى وهو يمارس ضجيجاً صوتياً على باقي المرتادين للفضاء؛ بحيث يضطرك إلى سماع ما يسمعه غصبًا عنك، بل ويجعلك، رُغماً عنك، تنتقل معه من مقطع قصير إلى آخر، لدرجة تشعر معها بإرهاق ذهني من فرط تدفق المثيرات وتنوعها.
وهكذا، انتقلنا مع الثورة التكنولوجية، من ضجيج الصوت البشري إلى ضجيج الصوت الرقمي، دون أن تواكب سرعة انتشار الأدوات الرقمية ثقافة اجتماعية جديدة تنظّم حضورها في الفضاء العام.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |