تجميل الهزيمة

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2026 / 9 / 15

في مواجهة نحو 6,000 فارس مدججين بالسيوف والأسلحة التقليدية بقيادة مراد بك، وحشد شعبي من نحو 15,000 إلى 20,000 شخص من أهالي القاهرة والفلاحين ممن يفتقرون للتدريب العسكري المنظم ويحملون أسلحة بدائية (عصي، رماح، وبنادق قديمة)، صمدت المقاومة المصرية أمام الحملة العسكرية الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت- أحد أعظم قادة الجيوش في التاريخ- لمدة 23 يوماً حتى أكملت سيطرتها على القاهرة يوم 24 يوليو 1798. ثم في عام 1882، احتاجت القوات البريطانية لنحو 65 يوماً حتى استسلام أحمد عرابي وتوقيع الخديوي توفيق مرسوماً بحل الجيش. كانت كل من فرنسا وبريطانيا الإمبراطوريتين والقوتين الأعظم في ذلك الزمان. مع ذلك، لم تكن مصر لقمة سائغة يمكن ابتلاعها في 6 أيام مثلما فعلت بها دولة بحاجة إلى عدسة مكبرة لرؤيتها على الخريطة لم يتجاوز عمرها 20 سنة حينها في مواجهة دولة تضرب بجذورها ألاف السنين في التاريخ. في ذلك الزمان، كان المصريون لم يخرجوا بعد من عصور الظلام؛ لا زالوا يحاربون بالسيوف من فوق جيادهم، والمشاة بالرماح والنبابيت. بينما في 1967، كان المصريون يعيشون عصراً مختلفاً بفضل إصلاحات أدخلها مؤسس مصر الحديثة، محمد علي باشا مؤسس الأسرة العلوية التي أطاحت بها جمهورية يوليو في 1952. الآن المصريون يعيشون في دولة حديثة، منظمة تنظيماً حديثاً ليس كما كانت في عصر المماليك، ومحمية بجيش حديث وضع أسسه محمد علي بنفسه. في التسليح الحديث، ما كان ينقص هذا الجيش شيئاً على الإطلاق معارضة بالعدو. كانت تقف من ورائه استخباراتياً وتدريباً ودعماً إحدى القوتين العظميين، الاتحاد السوفيتي، تمده بأحدث الأسلحة، كما تبين الإحصائية أعلاه. والحال كذلك، كيف يمكن تفسير ليس فقط هزيمة جيش بل تدميره بشكل شبه كامل (85-90%) على يد عدو دونه في كل شيء- عدا التدريب والتنظيم والمهارات البشرية؟

بالطبع وكما المتوقع، لم يقر النظام بالهزيمة وفضل تلطيفها بلفظة "نكسة"، حتى يؤكد أن ما حدث هو كبوة عارضة في مسار حركة التحرر الوطني وليس نهاية المطاف؛ النظام لم يسقط، وبالتالي قد فشل الهدف الإسرائيلي الأساسي من العدوان والمتمثل في "إسقاط النظام الثوري". هل كانت إسرائيل فعلاً تستهدف إسقاط النظام الثوري في مصر؟ صحيح هي التي بدأت الحرب. لكن، من جهة أخرى، هل هي التي اتخذت الخطوات الأولى المؤدية إلى نشوبها؟ من بادر بالتعبئة القصوى وحشد قواته قرب حدود الآخر؟ مصر أم إسرائيل؟ من طلب سحب قوات الطوارئ الدولية التي تفصل بين الجيشين؟ أليس عبد الحكيم عامر، وزير الدفاع وقائد الجيش المصري؟ من أغلق مضيق تيران، الذي يعتبر بمثابة إعلان حرب؟ أليس هو جمال عبد الناصر، الرئيس المصري، نفسه؟ ألا تنم هذه المعطيات عن نية مصرية جلية على التحضير لعمل عسكري وشيك ضد إسرائيل؟ هل الصواب، وفق المعطيات الموثقة، أن مصر- من أفعالها وأقوالها- كانت العازمة على القضاء على الوجود الإسرائيلي في المنطقة، أم كانت إسرائيل هي العازمة على إسقاط النظام المصري؟ أليس من الأرجح أن العدوان الإسرائيلي ضد مصر لم يستهدف إسقاط النظام هناك، بل لاستباق عدوان مصري اتفقت معظم المؤشرات والدلائل على كونه وشيكاً. وكعادتها، إسرائيل تتعجل بشن حروبها بشكل استباقي، لا تتلكأ حتى تٌضرب في مرقدها كما فعلت مصر.

من ناحية أخرى، يمكن الوصول إلى الحقيقة إذا ما تأملنا طبيعة النظامين، المصري والإسرائيلي. من تركيبته البنيوية، يمكن تصنيف النظام المصري في ذلك الوقت ضمن النوعية "الهدمية"، بمعنى أنه كان على درجة من السخونة والتوهج الثوري الذي لا ينفع لإطفائه بعد مجرد إصلاحات وتغييرات بنيوية في كل من يعترضه أو يرى فيه عدواً له. هذه كانت نظرته للنظام القائم قبله مباشرة، الذي لم يرضى بأقل من إسقاطه الكامل. ثم دشن حملة تطهير جارفة ضد ذات الجيش الذي انقلب على الملك، شملت حتى أفراداً من دائرة الضباط الأحرار أنفسهم. ليس ذلك فحسب. كانت نظرة النظام الثوري للمجتمع القائم حينها نفس النظرة الهدموية، حيث أفصح عن رغبته في قلب البنية التكوينية للمجتمع المصري رأساً على عقب. في سبيل ذلك ألغى الدستور، حل الأحزاب السياسية، قضى على الإقطاعيين والرأسماليين المصريين، وصادر القضاء والصحافة والإعلام. باختصار، دولة ناصر هدمت كل ركائز الدولة القائمة قبلها، أو على الأقل هذا ما تصورته وحاولت إنجازه. وقد بلغ بها التطرف الثوري إلى حد رفض إعادة البناء من نفس الركام القديم. بل حاولت جاهدة تشييد دولة جديدة بالكامل، فوق أرضية نظيفة وبمواد خام جديدة بالكامل- من الثوريين الشرفاء.

وقد تأكدت طبيعة الدولة الناصرية تلك حتى خارج حدودها. كانت دولة هدموية بامتياز لكل ما هو قديم، أو رجعي كما أحبت تسميته. ما فعلته داخل حدودها قد حاولت أيضاً بحماس مشابه أن تفعله عبر إقليمها المجاور. قد فعلته في ليبيا، الجزائر، سوريا، العراق واليمن بدرجات متفاوتة. لماذا أرسل النظام قواته إلى اليمن لخوض حرباً هناك. اليمن دولة جارة وشقيقة وليست معادية مثل إسرائيل. هنا تتضح طبيعة الدولة الناصرية بجلاء لا يدع مجالاً للشك. لقد ذهب الجيش المصري إلى اليمن بهدف هدم البنى الرجعية هناك المدعومة من السعودية، ولكي يقيم مكانها نظاماً ثورياً مشابهاً له بعد رفع الركام القديم، الرجعي، بالكامل.

في المقابل، كانت الطبيعة البنيوية للدولة اليهودية الناشئة مختلفة تماماً. هي دولة لقيطة، أي ليست ابنه شرعية للأرض التي أقيمت عليها رغم جذورها التاريخية هناك. اليهود اليوم أقلية ضئيلة وسط أغلبية من السكان المسلمين والمسيحيين. لكنهم يريدون دولة خاصة بهم وعازمون على هذا المشروع بكل السبل والطرق والوسائل الممكنة، وحتى غير الممكنة. ليس أمامهم إلا طريق ممكن وحيد: خلق موطئ قدم خاص بهم مهما كان صغيراً، تثبيت وجودهم فيه، ثم التوسع تدريجياً بحسب الحاجة والظروف ولو على حساب الشركاء الآخرين في الوطن. المبدأ الحاكم هو ترسيخ الدولة بحد ذاتها وليست المساحة، استيطان وتعمير ما تحت أقدامهم قبل مد البصر إلى ما ورائه. هذا كان حال الدولة اليهودية الناشئة أيام عبد الناصر، منكبة بكامل طاقتها على ترسيخ وجودها على موطئ القدم الصغير الذي استخلصته لنفسها بالأرواح والدماء، ولو على حساب شركائها في الوطن. كل ما يعنيها هو الشعور بالأمان في موطئها الناشئ، حتى تتفرغ لتنميته وترسيخه وترى فيما بعد إذا ما كان الأوان قد آن والظروف قد سنحت لتمديده. حاجة إسرائيل إلى الشعور بالأمان على وجودها الصغير والناشئ كانت أكبر بكثير آنذاك من حاجتها إلى التوسع، خاصة خارج حدود فلسطين التاريخية إلى سيناء أو الأردن أو سوريا كما ادعت الدعاية الناصرية كذباً.