أسباب انحياز الغرب وإعلامه لإسرائيل (2من2)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 15

نهاد أبو غوش
في بلد كالولايات المتحدة، تسيطر الطغم المالية والكارتيلات العملاقة على شبكة المصالح الاقتصادية المالية والصناعية التي تتداخل فيها الصناعات الثقيلة التقليدية مع الصناعات العسكرية وصناعات النفط، مع عمالقة التكنولوجيا ووسائل الإعلام الكبرى، التي لم تعد مجرد منابر ومساحات لحرية التعبير، بل هي استثمارات مالية وشركات من ضمن تجمعات مالية عملاقة متداخلة مع سائر الصناعات الكبرى، يمكن لبعض الشركات والمراكز الصناعية الكبرى أن تحوز على بعض وسائل الإعلام كنوع من تنويع الاستثمارات، واحيانا لإحراز مزيد من النفوذ وأدوات التاثير على الراي العام، لكن الوظيفة الرئيسية لوسائل الإعلام تبقى هي هي اي صناعة الوعي والثقافة السائدة وتوجيه الراي العام نحو مواقف وتوجهات ومسلكيات ومواقف سياسية تخدم دورة رأس المال والربح، وتصب في مصلحة الطغم المالية الكبرى.
وسط هذا العالم المتشابك من سطوة راس المال وانسحاق الفرد، تتراجع الصحافة المستقلة، وتضيق مساحات حرية التعبير، وتضطرب معايير الكفاءة والمهنية والجدارة، وتسود قيم الولاء لأصحاب العمل والمشغلين، ويصبح التقدم الوظيفي مفتوحا أمام القابلين لخدمة أولياء نعمتهم حتى لو كان ذلك على حساب الضمير وأخلاق الصحافة والأخلاق العامة. حتى لو ناضلت بعض المؤسسات الإعلامية للحفاظ على نزاهتها واستقلاليتها فإن عليها أن تقبل الانزواء في هامش الهامش ضمن أوساط ضيقة ونخبوية، وأن تقبل باليسير جدا من قدرات التوزيع، لأن من يملك إبقاء وسائل الإعلام على قيد الحياة أو خنقها ماليا هم المعلنون الذين يشترطون تلبية شروطهم وبث مواقفهم وأخبارهم والأخبار التي يفضلونها.
تشكل نماذج الجامعات الأميركية المميزة مثل كولومبيا وهارفارد نماذج لما يمكن للمال السياسي وشروط المتبرعين أن يفعله مع مؤسسات يفترض بها أن تكون مستقلة وأن تعلي من راية البحث العلمي وتشجع الحوار والنقاش، فلمجرد امتناع رئيسة جامعة هارفارد كلودين جاي عن إدانة التحركات الطلابية الداعمة لفلسطين، واجهت حملة شعواء من المضايقات والاتهامات والاستجوابات التي شككت بنزاهتها واتهمتها بالسرقة الأدبية، ما اضطرها للاستقالة بضغوط من مجلس أمناء الجامعة بعد أن هدد كبار المتبرعين بسحب تبرعاتهم واستثماراتهم.
في رصد ردود الفعل الغربية تجاه غزة، يلفت انتباهنا هذا الإجماع الفريد على دعم إسرائيل وحقها المزعوم في الدفاع عن نفسها، والذي ينم عن مواقف مسبقة بين معظم الكتل اليمينية المحافظة، وصولا لبعص القوى المحسوبة على اليسار التقليدي مثل حزب العمال البريطاني (كير ستارمر أيد قتل المدنيين في غزة بحجة استخدامهم دروعا بشرية وحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها) والخضر مثل حزب الخضر في المانيا ( وزير الخارجية السابقة انالينا بيربوك ايضا أيدت حرب الإبادة) في البرلمانات والحكومات ووسائل الإعلام، حتى يبدو الأمر غريبا حقا: كيف تجمع هذه الأوساط وتتفق بكل سهولة ودونما تمحيص على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وهو ما يعني عمليا حقها في احتلال أراضي الغير، وحقها في تدمير القرى الفلسطينية واللبنانية، وحقها في قتل عشرات آلاف الفلسطينيين واللبنانيين ومن بينهم أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني، وتصدق كل افتراءات إسرائيل وتتبناها، وترفض أن ترى وتسمع وتتحقق مما يراه كل العالم وتصرخ به كل المنظمات الحقوقية والإسرائيلية؟؟
لا يمكن تفسير كل هذه التناقضات بالمواقف والحسابات والمصالح الراهنة فقط، بل لا بد من سبر الأغوار العميقة للوعي الغربين ذلك الوعي الذي يتستر بغلالة رقيقة من الليبرالية والنزاهة وحقوق الإنسان، ولكن وراءها وفي أعماقها تكمن رواسب عمرها قرون، تعود على الأغلب إلى عهد الحروب الصليبية وربما قبلها، وغذتها حقبة الاستعمار والاستعلاء الغربي على الشعوب الاسيوية والافريقية ومن بينها العربية والاسلامية، وأكدتها حروب الاستقلال والتحرر، ثم عززها التفوق الغربي في ميادين الاقتصاد والصناعة والسيطرة على مقاليد النظام الدولي، لتذكيها من جديد المظاهر المشوهة للحركات الاحتجاجية من نمط داعش والقاعدة، واثر موجات الهجرة والاسلاموفوبيا التي تجدها كعناصر رئيسية في برامج أحزب اليمين الأوروبي: انها باختصار : ظاهرة العنصرية المتجذرة في الغرب والتسليم بأن إسرائيل جزء لا يتجزأ من هذا الغرب. هل تذكرون حماسة الغرب الأوروبي للاجئين الأوكرانيين، ودهشتهم من أنهم "لاجئون يشبهوننا شقر وعيونهم زرق" وليسوا من نوع اللاجئين الذين اعتدنا على رؤيتهم!!