ومضة ضوء :هل يؤمن(( البيليست)) حقاً بالسلام مع إسرائيل.

محمد سعد خير الله
2026 / 9 / 15

قد يسأل البعض منكم: لماذا قمت بوضع كلمة الفلستيون القدامى (البيليست / Philistines) في عنوان المقال ما بين قوسين؟ لأنني أريد أن أكرر إشارتي التي تناولتها عدة مرات، والمتعلقة بالاسم الذي جرى تحويره، وتقديم من يقدمون أنفسهم من خلاله، والحقيقة أنهم مجموعات مهاجرة عُرفت تاريخيًا باسم "شعوب البحر" وجاءوا بالفعل من منطقة بحر إيجة وجزيرة كريت واليونان في أواخر العصر البرونزي (حوالي القرن الـ12 قبل الميلاد) لاحقًا، قاد شمعون بار كوخبا (قُتل في عام 135 ميلاديًا) الثورة اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي 135/ 132 ميلاديًا. نجح في البداية في إقامة دولة يهودية مستقلة استمرت ثلاث سنوات، قبل أن يسحق الرومان الثورة ويقتلوه في مدينة بيتار المحصنة. بعد الثورة، قام الإمبراطور هادريان بحملة عقابية واسعة النطاق ضد اليهود، وغيّر اسم مقاطعة يهوذا إلى سوريا فلسطين، في حين تم تغيير اسم القدس إلى إيليا كابيتولينا "قام بذلك مكايدة في اليهود السكان الأصليين"ومن بعد هذه المكايدة بسنوات بدأ الخطأ المعرفي الأكبر.

إذا، بعد هذا التصويب، انتقل إلى سؤال عنوان المقال، سوف أقدم لكم عددًا من المحطات التي تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أنهم وهنا أقصد "التشكيلات الفلسطينية"، والسلطة وغيرها لم يكونوا يومًا يريدون السلام مع الإسرائيليين.

((المحطة الأولى)): منذ تقرير لجنة بيل البريطانية عام 1937، الذي أوصى للمرة الأولى بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، وكذلك قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947، كانت هناك مقترحات لحل الصراع العربي–اليهودي على أساس التقسيم وقيام دولتين. وقد رفض العرب والقيادة العربية الفلسطينية تلك المقترحات، بينما قبلت القيادة اليهودية مبدأ التقسيم في 1947، رغم تحفظاتها على تفاصيل الخطة. وعلى رأس الزعماء الفلسطينيين في تلك الفترة كان أمين الحسيني، مفتي القدس، ذلك الرجل الذي التقى موسوليني في 27 أكتوبر 1941، ثم التقى هتلر في 28 نوفمبر 1941، وارتبط لاحقًا بالتعاون مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وبالدعاية المعادية لليهود.

((المحطة الثانية)): بعد قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947، قدم الطرف الإسرائيلي لاحقًا العديد من المبادرات والمقترحات لحل الصراع، إلا أن العرب، وبالطبع "الزعماء الفلسطينيين"، رفضوها.

((المحطة الثالثة)): تم توقيع إعلان المبادئ المعروف باسم أوسلو الأولى في 13 سبتمبر 1993، والذي وضع إطارًا للحكم الذاتي الفلسطيني المرحلي، ونص على إنشاء سلطة فلسطينية تتولى مسؤوليات الحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال فترة انتقالية، تمهيدًا لمفاوضات حول قضايا الحل النهائي. ثم، بعد اتفاق غزة–أريحا في 4 مايو 1994، عاد ياسر عرفات إلى قطاع غزة في 2 يوليو 1994، وبدأت السلطة الوطنية الفلسطينية ممارسة مهامها في إطار ترتيبات أوسلو. وفي 28 سبتمبر 1995، تم توقيع أوسلو الثانية، التي وسّعت نطاق الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقسمتها إلى مناطق ذات ترتيبات مختلفة للسيطرة والأمن والإدارة. بعد ذلك، كان كلما سُئل ياسر عرفات، باسمه الحركي "أبو عمار" كيف تعمل سلامًا مع اليهود؟ كان يقول، بحسب الرواية المتداولة عنه، كما عمل "النبي محمد" معهم صلح الحديبية. وهو ما أراه دليلًا على أنه لم يكن يريد السلام الحقيقي، بل كان يتعامل معه باعتباره خطوة براجماتية حتى يقوي نفسه ويتغلب على الآخر.

وهنا توجد شهادة لأحد أهم مؤرخي إسرائيل، الدكتور مردخاي كيدار، الذي كان ضيفي في "بودكاست خيرالله" قبل عدة أسابيع، وتحديدًا في 22 أغسطس الماضي. وقد قال الدكتور مردخاي، وهو اليوم من الأصوات اليمينية في إسرائيل، إنه كان في التسعينيات عضوًا نشطًا في جماعات أنصار السلام في إسرائيل، وإن وفدًا منهم ذهب للقاء ياسر عرفات. وكان كيدار قد درس اللغة العربية ويتحدث بها بطلاقة، ولم يكن المستقبلون يعرفون ذلك. وينقل كيدار أنه عندما وصل ياسر عرفات، كان في استقباله نبيل أبو ردينة، مستشاره الإعلامي ومرافقه الدائم، إلى جانب عمله ناطقًا رسميًا باسمه. ويقول إن عرفات سأله بالعربية: "من هؤلاء؟"فأجابه أبو ردينة: "جمعية من جمعيات السلام الإسرائيلية". فسأله عرفات: "ماذا سنقدم لهم؟"
فأجابه أبو ردينة: "زبالة" ويقول كيدار إن عرفات أومأ برأسه وابتسم موافقًا، من دون أن يعلم أن مردخاي كيدار كان يفهم العربية ويسمع ما دار بينهما.

((المحطة الرابعة )) العنف المتواصل ضد الإسرائيليين من قبل حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي منظمة يسارية التوجه، وما عُرف خلال تلك الفترة بموجة تفجيرات الحافلات واستهداف الإسرائيليين في الشوارع والميادين، وهي هجمات تصاعدت بصورة خاصة خلال منتصف التسعينيات.

((المحطة الخامسة )) في 16 سبتمبر 2008، قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت لمحمود عباس في القدس عرضًا مفصلًا للحل النهائي، شمل خرائط لدولة فلسطينية وتبادلًا للأراضي؛ لكن عباس لم يوقع عليه أو يقبله.

((المحطة السادسة)): استمرار السلطة الفلسطينية في دفع مخصصات لعائلات فلسطينيين قُتلوا أثناء تنفيذ هجمات ضد إسرائيليين، وهو نظام موثق رسميًا ومرتبط بمؤسسة رعاية "الشهداء والجرحى".

((المحطة السابعة ))يكشف خطاب مسؤولي فتح والسلطة تجاه حماس أن الخلاف يبدو في أحيان كثيرة صراعًا على احتكار السلاح وتحديد توقيت استخدامه؛ ولعل أبرز مثال حديث تصريح أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عزام الأحمد في حواره مع "الشروق" المصرية في 23 فبراير 2026: "حماس ليست تنظيمًا إرهابيًا.. ونرفض نزع سلاحها" تصريحه كان مانشيت للحوار.

((المحطة الثامنة والأخيرة)): رغبة أبو مازن وسعيه الدائم الآن من أجل إدماج حماس داخل المكونات الفلسطينية الخاضعة لأمرته؛ يريد أن يتحكم ويوجه فصيلًا إرهابيًا يعلن في كل مكان رغبته الأبدية في إزالة ومحو إسرائيل.

أعزائي القراء، بعد هذه المحطات الثمانية، والتي اكتفيت بها من بين العشرات، هل يستحق الفلسطينيون دولة؟ اسألوا ضمائركم؟!

نُشر هذا المقال على جزأين باللغة السويدية، في عمودي بجريدة Bulletin، يومي السبت والأحد الماضيين، الثاني عشر والثالث عشر من الشهر الجاري.