|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 9 / 15
حين نتحدث عن "السلطة"، تنصرف أذهاننا غالباً إلى الدولة والمؤسسات الكبرى. لكن السلطة الأكثر عمقاً وهيمنة على وعي الإنسان هي السلطة الأوليّة: العائلة والقبيلة. في هذا الفضاء المصغر، لا يتوقف الأمر عند حدود الرعاية والتربية، بل يمتد ليكون المشتل الأول الذي تُزرع فيه "الحقيقة"، وتُصاغ القوانين الشفهية (الأعراف والتقاليد)، ويُمارس التأديب بآليات متوارثة.
في نظام العائلة والقبيلة، ليست "الحقيقة" مفهوماً يُناقش أو يُبحث عنه، بل هي مصلحة الجماعة، وسمعتها، وهرمية السلطة فيها. يحدد الآباء والكبار ما هو الصواب وما هو الخطأ، ما هو الأخلاقي وما هو الغير اخلاقي.
الأعراف والتقاليد في هذا السياق ليست مجرد عادات بلا معنى، بل هي قوانين غير مكتوبة تُؤكد بشكل مزمن على هذه الحقيقة. القانون العائلي يفرض صياغة محددة للحياة: من كيفية التفكير، إلى اختيارات الزواج والعمل، وصولاً إلى عقائد الأفراد ورؤيتهم للكون.
تُحاط هذه الحقيقة العائلية بسياج من العقوبات المتدرجة لإرغام الفرد على الامتثال:
العقاب العاطفي والرمزي: ممارسة الشحن بالذنب، الاتهام بـ "العقوق"، ونزع الرضا.
العقاب الاجتماعي والمادي: الحرمان من الدعم، التهميش في المجالس، وصولاً إلى القطيعة والتبرؤ العلني.
هدف العقاب هنا ليس إصلاح الفرد بقدر ما هو إرسال رسالة لبقية أفراد العائلة أو القبيلة مفادها: أن حقيقة الجماعة أقدس وأهم من فردانية أي عضو فيها.
وصم "الجنون": الحيلة الأخيرة لحماية سمعة العشيرة
ماذا يحدث عندما يفشل العقاب التقليدي؟ ماذا لو استمر الفرد في غيه، أو أصر على كشف تناقضات العائلة وحقائقها الزائفة، أو اختار طريقاً يهدد صورتها أمام المجتمع؟.
هنا تفعل السلطة العائلية والقبائلية الآلية الدقيقة التي تحدث عنها ميشيل فوكو، ولكن بأسلوب عشائري: تجريد المتمرد من أهليته العقلية.
عندما تعجز القبيلة عن إخضاع الفرد، أو عندما تشعر أن مروقه سيسبّب لها الفضيحة، فإنها تعيد تصنيفه فوراً:
يتحول الثائر على التقاليد إلى "طايش" أو "فاقد للعقل".
يتحول التفكير المستقل إلى "مرض نفسي" أو "مسّ إبليسي" أو "اضطراب شخصية".
تحويل الفرد من "معارض صاحب موقف" إلى "مجنون" هو دفاع استباقي لحماية الهيكل؛ فإذا كان الفرد مجنوناً، فإن كلامه لا يحمل أي وزن منطقي، ونقده لتقاليد العائلة يصبح مجرد "أعراض مرضية" لا تُحاسب العائلة عليها، بل تُشفق عليه بسببه. بهذه الحيلة، تسلب العائلة الفرد أهليته، وتبرر لنفسها وللمجتمع سبب فشلها في ضبطه دون أن تعترف بأن حقيقتها هي التي كانت محل شك.
كما أوضح عالم الاجتماع بيير بورديو في مفهوم "العنف الرمزي"، فإن سلطة العائلة تنجح غالباً لأنها تجعل الفرد يمتص قوانينها حتى تتجسد في ضميره. وحين يقرر الفرد كسر هذا العنف الرمزي، تتكتل إرادة القوة القبائلية لتصوير أي خروج عن "الحس السليم" للجماعة كأنه انتحار عقلي.
إن تحرير العقل لا يبدأ فقط بمواجهة السلطات السياسية أو الفكرية الكبرى، بل يبدأ بفك الارتباط بين عقلانيتنا الخاصة وبين "الحقيقة" التي فُصلت لنا داخل البيت والقبيلة. فالتاريخ العائلي مليء بأشخاص لم يكونوا مجانين قط، بل كانوا فقط أول من أبصر الحقائق خارج إطار العشيرة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |