أسباب انحياز الغرب وإعلامه لإسرائيل (1من2)

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 12

نهاد أبو غوش
يعجب المتابع لوسائل الإعلام الغربية من درجة الانحياز لإسرائيل في مجمل التغطيات، وهو انحياز يصل إلى درجة قلب الحقائق وتزويرها، وتضخيم جوانب معينة تخدم الرؤية الإسرائيلية مقابل تبهيت وتهميش جوانب معاكسة تخدم الرؤية الفلسطينية أو العربية. هذا الانحياز ينعكس على السياسات التحريرية للمؤسسة، كما الطواقم الفنية والصحفية والإدارية التي تعكس توجهات المؤسسة وأولويات تغطياتها. ظاهرة الانحياز هذه لا يمكن ان نعزوها لأسباب راهنة أو عرضية فقط، ولا للمواقف السياسية اللحظية للجهات والدول والحكومات التي تقف وراء تلك الوسائل وبخاصة الصحف الكبرى والقنوات الفضائية العالمية، لذلك لا بد من تفكيك وتحليل الأسباب العميقة والمباشرة لذلك الانحياز، باعتباره تعبيرا عن خلاصة جملة سلسلة طويلة من المواقف والتصورات والوعي المسبق والأحكام الجاهزة، التي تراكمت عبر السنين وغذتها أدوات الدعاية الإسرائيلية.
يمكن لنا أن نعدد اسبابا كثيرة لهذا الانحياز الذي يحار المواطنون غير المتخصصين في تفسيره، بل يذهب بعض الساسة والاعلاميين والمؤثرين إلى تبسيطه بصورة مُخلّة وساذجة، من قبيل الادعاء أن هذا الانحياز يعود إلى خلل ذاتنا في أدائنا كعرب وفلسطينيين، يتمثل في عجزنا عن إيصال الصورة : ولذلك يقترحون حلولا ارتجالية ساذجة كذلك من خلال تنظيم حملات إعلامية لإقناع الراي العام الغربي، أو تخصيص مجموعات متميزة ومتخصصة من المتحدثين المفوهين القادرين على إقناع الجمهور الغربي بلغته ومن خلال القدرة على مخاطبته بالقضايا والمداخل التي تلامس اهتمامه.
الحقائق التي كشفتها تداعيات السابع من أكتوبر وردات الفعل الغربية وطريقة تعاطي الإعلام الغربي مع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ومع مجمل الانفلات العدواني الإسرائيلي بعد ذلك على الضفة الفلسطينية ولبنان وسوريا والعراق واليمن وقطر وإيران، ثم التهديدات الصريحة والمبطنة لكل من تركيا ومصر، أن ثمة أسبابا عميقة، وشبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والحسابات الأمنية والأبعاد الثقافية التاريخية التي تقف وراء هذا الانحياز، ويمكن لنا أن نعدد الأسباب التالية، التي من السهل إثبات حضورها وتأثيرها على مجمل التعاطي الغربي مع إسرائيل واعتداءاتها، ومن هذه العوامل والأسباب:
-أن وسائل الإعلام بشكل عام، وبخاصة وسائل الإعلام الكبرى ذات الموازنات والقدرات المالية والفنية الهائلة ليست مستقلة ولا نزيهة ولا موضوعية بل هي تعكس مصالح وحسابات مالكيها. وبالتالي فإن التزام هذه الوسائل والمنابر بقواعد وأخلاقيات العمل الصحفي والإعلامي هي محل شك دائما.
- قبل أن نحلل الإعلام وندرس آلياته، علينا أن نفهم ونحلل أولا الدور الوظيفي لإسرائيل، في حماية وتأمين شبكة مصالح الغرب الاستعماري ليس في الشرق الأوسط والمنطقة العربية فقط، بل في العالم بشكل عام، إسرائيل نشأت وفق مخطط استعماري رعته بريطانيا وفرنسا في البداية، ثم تبنته الولايات المتحدة حين اصبحت هذه الأخيرة هي زعيمة العالم الرأسمالي، إسرائيل تتلقى دعما ماليا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا غير محدود من دول الغرب، يقدر الدعم المالي بأكثر من عشرة مليارات دولار سنويا، ويصل إلى اضعاف ذلك في أوقات الحرب كما حصل خلال السنوات الثلاث التي تلت طوفان الأقصى والسابع من اكتوبر.
- إسرائيل هي صنيعة الغرب الاستعماري، وقد جرى زرعها وإنشاؤها في قلب الشرق الأوسط تلبية لحاجتين: إيجاد أداة ضاربة بيد القوى الاستعمارية وحارس لمصالحها، ومنفذ لأجنداتها الدولية والإقليمية في منطقة استراتيجية مهمة تشرف على حقول النفط وطرق الملاحة والمواصلات، والحاجة الثانية هي حل ما عرف في أوروبا بـ"المسألة اليهودية" عبر الاستجابة لمطالب وضغوط البرجوازية اليهودية المصرفية في أوروبا التي تردت أوضاعها مع نشوء راس المال المالي وانتقال الرأسمالية إلى مرحلتها العليا "الامبريالية"، في هذا الإطار لعبت إسرائيل أدوارا رئيسية في خدمة المصالح الاستعمارية من خلال التصدي للأنظمة الوطنية والقومية ذات النزعات الاستقلالية، ودعم الأنظمة الفاسدة والمستبدة والعنصرية، والقيام بالأعمال القذرة من تجسس ومؤامرات وعمليات خطف واغتيال وإعدامات خارج القانون "مثل حادثة الشهيد المغربي المهدي بن بركة"، وقد لخص المستشار الألماني فريدريش ميرتس هذا الموقف حين أعرب عن إعجابه بالحرب التي شنتها إسرائيل على إيران في حزيران 2025، ودعمه لها وقال "إن إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عنا جميعا، جاء ذلك وسط اتهامات تملأ الدنيا عن ارتكاب إسرائيل لجريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومطالبات بمقاطعة إسرائيل ومحاكمة قادتها وفرض عقوبات عليها.