|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 11
أثناء خطاباته شبه اليومية، يحيط الرئيس "الأعظم" في التاريخ دونالد ترامب نفسه بمجموعة من الفتيات الجميلات اللواتي يصفقن له على كل جملة، ويضحكن على كل نكتة يطلقها، ويتفاعلن مع كل حركة من حركات "خفة الدم" التي تحتل مساحات واسعة من خطابه الفارغ من اي مضمون جدي. حتى لو كانت مزحاته ثقيلة وتفتقر إلى كل أنواع الكياسة واللياقة كوصفه سلفه بـ"جو النعسان" أو "جو الفاشل" من دون اي احترام للمنصب الذي يشغله وشغله سلفه. كما يخلو خطابه من اي فكرة جديدة، فكل ما يقوله قاله عشرات المرات من قبل: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، دمرنا طائراتهم، دمرنا بحريتهم، حققنا انتصارا لا مثيل له. مثل روبوتات آلية، الفتيات اللواتي تستقدمهن شركات متخصصة بتنظيم المؤتمرات، أو من طالبات ثانوية مجاورة، يواصلن التصفيق والتفاعل مع أن لغة الجسد وتطابق الحركات الآلية الرتيبة لهن، توحي بأنهن لا يتابعن ما يقول الرئيس، وإن تابعن فما يقوله المتحدث لا يعنيهن من قريب أو بعيد، ولكنهن يواصلن التصفيق.
الثقة المفرطة التي يبديها، وانتصاراته المزعومة، لا تنسجم مع استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن شعبيته تراجعت إلى ما دون 33% وهي أدنى نسبة تأييد يحظى بها رئيس أميركي في الحكم منذ البدء بإجراء مثل هذه الاستطلاعات، ولا مع التقارير المتتالية التي تصدرها مراكز ابحاث، وتحقيقات استقصائية لكبريات الصحف والقنوات التلفزيونية عن خسائر الحرب.
يدير الرئيس حروبه ومعاركه الداخلية والخارجية من خلال تغريداته على منصة أوجدها لهذه الغاية وأسماها "تروث سوشيال" بعد أن جُمِّد حسابه في تويتر لمخالفته المعايير، وهو يدفع ملايين الناس إلى انتظار صحوته من النوم وتناوله القهوة ليطلق بعدها أولى تغريداته اليومية في لحظات التجلي الصباحية. وكمراهق تفتنه التكنولوجيا وإمكانياتها، يتسلى الرئيس بما يخلّقه الذكاء الصناعي من صور وتشكيلات تلهب الخيال: مرة يصور نفسه كأنه المسيح، مرة أخرى بابا الفاتيكان، ومرات كثيرة على رأس جيوش جرارة يسيطر على إيران وعلى العالم باسره.
وضع الرئيس المعجزة تصنيفا خاصا به لتقييم أداء الرؤساء الأميركيين، على القمة يتربع هو من دون منازع بصفته الأعظم في كل العصور، بعده طبقة جديدة من العظماء العاديين، وكلهم بالطبع رؤساء جمهوريون، ثم رؤساء متوسطي الحال وضعفاء، وفي الحضيض يقبع منافسوه وخصومه وبخاصة جو النعسان وباراك أوباما. وبهذه الثقة بالنفس الزائدة عن حدها يواصل ترديد اسم مضيق ترامب عن الخليج العربي/الفارسي.
استحق الرئيس ترامب عشرات الأسماء الغريبة التي يطلقها عليه متابعوه وأبرزها الرئيس البرتقالي او الأصفر، أو المجنون أو المختل او المخبول، ومعظمها أسماء تطابق المعنى الذي يفيده المصطلح الفلسطيني "الخالع" اي الشخص الذي فقد كل ضوابط المنطق والاتزان، ولعل ما ياتي به الرئيس من حركات يومية يدفع بعض الناس للابتسام والسخرية لو كان أذاه محدودا ومقتصرا على المحيطين به وحلفائه المقربين من زعماء عرب واوروبيين، وهو الذي لم يتردد في توجيه إهانات لاذعة لأكثر من عشرة من زعماء العالم، لكن هذا الرئيس يتلاعب بمصائر العالم ويشعل الحروب ويسفك الدماء، وهو أيد ودعم وموّل حرب إبادة الشعب الفلسطيني في غزة، ولم يوفر اقرب حلفاء الولايات المتحدة وبخاصة جيرانها وحلفائها الأوروبيين. واختطف الرئيس نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا الشرعي المنتخب، وسيطر على نفط هذه الدولة، وشن حربا قاسية ودموية ضد إيران كان معظم ضحاياها من المدنيين، وبات كل العالم يدفع تكاليفها.
أخطر ما يفعله ترامب هو ما يقوم به من تقويض للنظام الدولي ومؤسساته وفي مقدمتها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الناشئة عنها، ومعها القانون الدولي، وحقوق الانسان والأعراف والتقاليد والمعاهدات الدولية، ليُحِلّ محلها قانونا واحدا وحيدا هو قانون القوة العارية- ولعل اكثر من يرحب بهذا التحول هو بنيامين نتنياهو الذي سيطبق هذا القانون على مقاسات أطماع إسرائيل في التوسع والهيمنة-، ولدينا نموذج مجلس السلام الذي ابتدعه ترامب وعين أعضاءه ومدراءه من اصدقائه والدول التي تدور في الفلك الأميركي، وقد اعلن دون حياء أن شخصه غير الكريم هو مرجعية هذا المجلس، ورئيسه إلى الأبد، وهو وحده من يستطيع إقالة اي عضو أو قبول عضو جديد.
هل من المعقول والمنطقي أن الرئيس المسؤول عن اكبر قوة عالمية، ومن يشعل كل هذه الحروب، ويدمر النظام الدولي هو شخص مختل ومخبول؟ طبعا هذا مستحيل في بلد لديه مؤسسات عريقة ودولة عميقة، وأفضل جامعات العالم، والصنعات الأكثر تطورا والاختراعات، وأكبر عدد من أصحاب الثروات الأسطورية، لكن هذه العوامل الأخيرة التي عددناها ربما هي التي تفسر قبول النخب الأميركية بوجود هذا الشخص ذي الأنا المنتفخة حد الجنون على رأس الدولة، فالقانون الدولي الساري المفعول، والأمم المتحدة، واتفاقيات التجارة الدولية لم تعد قادرة على ضمان سيطرة الولايات المتحدة وسيطرتها الكونية في ضوء صعود الصين ونشوء عدد من التكتلات الدولية الكبرى، والثورات المتسارعة في التكنولوجيا واقتصاديات المعرفة والذكاء الصناعي، ولذلك كان لا بد من الاستفادة من التفوق العسكري الحاسم لفرملة صعود القوى المنافسة، وإعادة ضبط العالم من خلال هذا المزيج الفتاك من الجنوب وفائض القوة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |