انحياز وسائل الإعلام الغربية للرواية الصهيونية

نهاد ابو غوش
2026 / 9 / 9

غالبا في الحروب والأزمات الدولية تفقد معظم وسائل الإعلام حياديتها الظاهرة، وتتراجع مستويات المهنية، وتعكس وسائل الإعلام مصالح وأهداف مالكيها سواء كانت دولا أو أحزاب هيئات، أو كارتيلات وقوى ضغط ورجال أعمال وسياسيين متنفذين، من أبرز الأمثلة على ذلك أداء وسائل الإعلام الاسرائيلية في الحروب- وهي التي تخضع في الحروب وفي غير الحروب لرقابة عسكرية مشددة- حيث تضيق هوامش الديمقراطية وحرية التعبير وحق الجمهور في الحصول على المعلومات والرأي والرأي الآخر، وتتجند هذه الوسائل لتصبح وكأنها ناطقة باسم جيش الاحتلال والمتحدث العسكري، ولا ننسى أن كثيرا من العاملين في وسائل الإعلام هم في الأساس من خريجي أجهزة الأمن الإسرائيلية وبخاصة جهاز المخابرات الداخلية (الشاباك).
ما أبرز الأمور التي تلفت الانتباه في التغطية
- أغرب ملامح تغطية الحرب على غزة ظهرت في التحيز المسبق من خلال تبني الرواية الرسمية الإسرائيلية الملفقة (قطع رؤوس الضحايا، والاغتصاب ووضع الأطفال في الأفران، مهاجمة حفل موسيقي للشبيبة، وتجاهل الهجوم على القواعد العسكرية الإسرائيلية ومقرات الشرطة والمخابرات في محيط غزة) على الرغم من التحقيقات الاستقصائية التي دحضت هذه الرواية الرسمية، ظل الإعلام الغربي وخاصة الأميركي يردد هذه الرواية الملفقة التي كررها الرئيسان بايدن وترامب وأركان إدارتهما في عدة مناسبات.
- تصوير الحرب في غزة وكأنها مقطوعة ومفصولة عن سياقها التاريخي: كأن التاريخ بدأ في السابع من اكتوبر، لا يوجد احتلال، ولا حروب واعتداءات إسرائيلية وحصار شامل برا وبحرا وجوا سبق الحرب بعقود.
- تسويغ ارتكاب جرائم الحرب والإبادة باعتبارها تجسد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، والتقليل من شأن الجرائم الإسرائيلية وكأنها مجرد تجاوزات فردية ونتائج جانبية غير مقصودة، وأية تجاوزات هي أخطاء فردية تحصل في كل الحروب، وغالبا يجري تبرير استهداف إسرائيل للمدنيين بذرائع وحجج استخدام المقاومة الفلسطينية للمدنيين كدروع بشرية.
عناصر ناقصة أو لم يتم التركيز عليه. في وسائل الإعلام الغربية
- تراجع المعايير المهنية في التغطية من خلال:
1- التحيز المسبق للرواية الإسرائيلية
2- استخدام لغة منحازة مثلا كلمات مثل قتل وذبح بالنسبة للقتلى الإسرائيليين ووفاة بالنسبة للقتلى الفلسطينيين، عندما يكون القتيل إسرائيليا يشار بوضوح إلى هوية القاتل الفلسطينيين بينما ينسب القتلى الفلسطينيون إلى المجهول.
3- تصوير الرواية الفلسطينية وكأنها مجرد ادعاءات غير ثابتة: عدد الضحايا، قصف المستشفيات وتدميرها، والانتهاكات بحق الأسرى، فتقال دائما عبارة "حسب إحصائيات وزارة الصحة أو الدفاع المدني التي تسيطر عليها حركة حماس"، بينما يجري تبني الرواية الإسرائيلية دون تدقيق كما في الادعاءات بشأن إساءة معاملة الأسرى ومعاناتهم من الخوف والجوع على الرغم من أن شعبا فلسطينيا كاملا تعرض لكل اشكال التنكيل والترويع والقتل والتهجير، واللافت أن مصادر غربية مهمة تشير إلى أن عدد الضحايا الفلسطينيين أكبر بكثير مما تنشر وزارة الصحة الفلسطينية – التي تنشر أسماء وصفات ضحايا جرى التثبت من وفاتهم أو إصابتهم-، من أبرز وسائل الإعلام التي نشرت أرقاما أكبر المجلة الطبية البريطانية المرموقة "ذا لا نسيت" The Lancet
4- غياب الدقة: مع الإدراك لمنع إسرائيل الصحفيين من التغطية، اتخذت وسائل الإعلام الغربية ذلك للتشكيك في الرواية الفلسطينية وتقارير الصحفيين الفلسطينيين رغم أنها مدعومة بالصوت والصورة وتقارير منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في القطاع.
5- غياب الموضوعية والتجاهل التام للمخططات السياسية الإسرائيلية التي تجري في الضفة كما تجري في غزة.
6- إبراز المعاناة الإنسانية للإسرائيليين وتبرز أخبارهم في الصفحات الأولى للصحف وواجهات النشرات الإخبارية بينما تتوارى أخبار الفلسطينيين، ويبدون كأرقام صمّاء ويغيبون في الصفحات الداخلية والهوامش
7- الفارق الجوهري بين تركيز المحطات الاعلامية الكبرى الموجهة للجمهور الغربي ونفس المواقع الموجهة للجمهور العربي، مثلا محطة بي بي سي البريطانية أفردت مساحات جيدة لوجهة النظر الفلسطينية بينما لم تفعل ذلك في نسختها العالمية، وبرزت شهادات دامغة من موظفين في هذه المحطة تؤكد ذلك.
8- من المهم ملاحظة أن الفظائع الإسرائيلية في سوريا ولبنان وبخاصة في الجنوب اللبنانية تحظى بقدر أكبر من التغطية ولكنها تعكس جوهر ما جرى على مدار ثلاث سنوات في غزة من استباحة شاملة واستهداف للمدنيين والأعيان المدنية من مستشفيات ومقرات حكومية ومدارس ومراكز عبادة وتسميم الأراضي الزراعية، ومسح قرى بأكملها عن الخريطة وتسويتها بالأرض.