|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

علي دريوسي
2026 / 9 / 3
في الخامسة والسبعين، لا يبدو سليم بركات في هذه الصورة التي يعرضها للناس في عالم الفيسبوك كمن جاء ليحتفل بعمرٍ انقضى، بل كمن خرج لتوّه من معركة طويلة مع الزمن، ثم وقف أمام الكاميرا ليقول له، من غير كلام: لم تنل مني بعد.
هكذا يظهر، واقفا بين محبيه، في هيئة لا تشبه الصورة التقليدية التي نتخيلها لرجل بلغ الخامسة والسبعين. قميص أسود بلا أكمام يكشف عن كتفين وذراعين ما زالت فيهما صلابة الشباب، وبنطال أسود، وقبعة تضفي على وجهه شيئاً من المشاكسة والتمرّد. أما الشعر الأبيض والشارب واللحية البيضاء، فهي وحدها تقريباً التي تكشف أن السنوات لم تتوقف عن السير.
لكنها، وهي تمرّ، لم تبدُ منتصرة.
في وجهه شيء من الهدوء الذي يأتي بعد عمر طويل من التجربة. نظرة مباشرة، تكاد تكون ساخرة، وابتسامة خفيفة لا تمنح الصورة كلها بسهولة. كأن الرجل الذي كتب طوال حياته عن الأمكنة والغرباء والذاكرة والمنفى والكائنات التي تمشي على الحدود بين الواقع والحلم، لا يزال هو نفسه كائنا عصياً على التصنيف.
وربما لهذا تبدو الصورة أجمل مما تبدو عليه في ظاهرها.
إنها ليست صورة رجل في الخامسة والسبعين فحسب. إنها صورة علاقة خاصة مع العمر. العمر عند بعض الناس يصبح شيئاً يعلن نفسه في طريقة الجلوس، وفي الملابس، وفي انحناءة الظهر، وفي الرغبة في الانسحاب من الضوء. أما هنا، فالزمن حاضر، لكنه لا يحتل المشهد. الشعر أبيض، نعم، والوجه يحمل سنواته، لكن الجسد واقف باستقامة، والكتفان مفتوحان، والذراعان تقولان إن صاحب هذا الجسد لم يصالح الكسل.
ولعل أجمل ما في المشهد أن سليم بركات لا يبدو وكأنه يحاول أن يثبت شيئا لأحد. لا يبدو شاباً متنكّرا في هيئة شيخ، ولا شيخاً يحاول استعادة شبابه. يبدو ببساطة سليم بركات في الخامسة والسبعين؛ رجلاً بلغ عمراً كبيراً من دون أن يسمح للعمر أن يفرض عليه شكلا واحدا للحياة.
خمسة وسبعون عاما ليست رقماً صغيراً. إنها مسافة هائلة يستطيع الإنسان خلالها أن يفقد أشياء كثيرة: أصدقاء، أمكنة، أحلاماً، أجساداً كانت أكثر خفة، وأزمنة كان يظن أنها لن تنتهي. لكن بعض الناس لا يقيسون أعمارهم بما فقدوا، بل بما بقي فيهم.
وفي سليم بركات، يبدو أن شيئاً مهماً بقي: الرغبة في أن يظل حيا بكامل حضوره.
لهذا أحببت هذه الصورة. ليس بسبب العضلات ولا بسبب القميص ولا لأن الرجل يبدو أصغر من عمره. أحببتها لأنها تقول شيئا أعمق: إن الإنسان قد يصل إلى الخامسة والسبعين، ثم يقف في منتصف الصورة، ويبدو كأنه لم يصل إلى نهاية الطريق بعد.
وربما هذه هي أجمل طريقة للاحتفال بعيد الميلاد: أن لا تقول للزمن لقد كبرت. بل أن تنظر إليه، بابتسامة سليم بركات الصغيرة، وتقول: لقد عشتُ كثيرا... وما زال لديّ ما أعيشه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |