|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسام الدين فياض
2026 / 9 / 2
" النضج الاجتماعي أن تعرف متى يكون الجدال حقاً، ومتى يكون التغافل حكمةً " (الكاتب).
يهدف المقال إلى توضيح دور المعرفة ونضج الوعي في إعادة تشكيل حضور الإنسان داخل محيطه الاجتماعي، وانعكاس ذلك على علاقاته بالآخرين وموقعه بينهم وحدود تفاعله معهم.
يعيش الإنسان وسط الآخرين، ولذلك يتعرض كل يوم لاختلاف في الرأي، واختلاف في الطباع، واختلاف في طريقة فهم المواقف. ومع هذا الاحتكاك المستمر، يتعلم الإنسان كيف يدافع عن نفسه وكيف يحافظ على صورته أمام من حوله. وفي بعض البيئات الاجتماعية، يصبح الشخص مطالباً بأن يثبت أنه يعرف أكثر، ويفهم أكثر، ولا يتراجع بسهولة. لذلك يتحول النقاش أحياناً من وسيلة للفهم إلى وسيلة لإثبات المكانة. ويصبح الإصرار على الرأي مرتبطاً بصورة الإنسان عن نفسه أمام الآخرين، لا بقوة الرأي وحدها. ومن هنا يمكن فهم لماذا تستمر بعض الجدالات حتى بعد أن يفقد موضوعها أهميته.
تتغير هذه الطريقة في التعامل مع الاختلاف عندما تتسع معرفة الإنسان بالحياة. فالمعرفة تجعله يرى أن الناس لا ينظرون إلى الأمور بالطريقة نفسها، لأن لكل شخص تجربة وتربية وظروفاً اجتماعية أثرت في طريقة تفكيره. وهذا الفهم يقلل من الأحكام السريعة. فعندما يعرف الإنسان أن وراء الموقف أسباباً كثيرة، يصبح أقل استعداداً لاتهام الآخر بالجهل لمجرد أنه يختلف معه. كما يصبح أكثر قدرة على مراجعة رأيه دون أن يشعر أن التراجع عنه يقلل من قيمته. وهنا تتحول المعرفة من مجرد معلومات إلى طريقة أكثر هدوءاً في فهم الناس. لذلك لا تعني زيادة العلم أن الإنسان يصبح أقل كلاماً بالضرورة، وإنما يصبح أكثر انتقاءً لما يستحق أن يقوله وما يستحق أن يناقشه.
ومع هذا التغير، تتبدل علاقة الإنسان بالتفاصيل اليومية التي تزعجه. فكل علاقة اجتماعية تحمل اختلافات وسوء فهم وأخطاء صغيرة. وإذا توقف الإنسان عند كل كلمة أو تصرف، تحولت حياته إلى سلسلة من العتاب والمواجهة. أما النضج فيمنحه قدرة على ترك بعض الأمور تمر. وهذا هو المعنى العملي للتغافل في أن ترى الخطأ دون أن تجعل منه مشكلة، وأن تفهم الموقف دون أن تشعر بأنك مطالب بالرد عليه. وتحتاج العلاقات إلى هذه المساحة حتى تستمر، لأن الناس لا يستطيعون العيش معاً إذا أصبحت كل هفوة سبباً للحساب. لكن التغافل لا يعني قبول الإهانة أو السكوت عن الظلم، فالخطأ العابر يمكن تجاوزه، أما السلوك الذي يتكرر ويؤذي الإنسان فيحتاج إلى موقف واضح.
عندئذ يظهر الفرق بين الإنسان الذي يريد دائماً أن ينتصر في النقاش، والإنسان الذي يريد أن يعيش بصورة أكثر اتزاناً مع الآخرين. الأول قد يرى كل اختلاف تحدياً لشخصه، بينما يستطيع الثاني أن يفصل بين اختلاف الرأي وبين قيمته الشخصية. وهذا الفصل مهم في الحياة الاجتماعية، لأنه يمنع الاختلاف من التحول إلى خصومة. فالإنسان لا يستطيع أن يغير آراء الجميع، ولا يستطيع أن يجعل الآخرين يتصرفون دائماً وفق توقعاته، لكنه يستطيع أن يحدد الطريقة التي يتعامل بها مع ذلك. وعندما يفعل ذلك، يصبح أكثر قدرة على حماية علاقاته ووقته وراحته دون أن يتنازل عن حقه في وضع الحدود عندما تكون ضرورية.
بناءً على ما تقدم نستنتج أنه كلما زاد علمك، اختفت منك الرغبة في الجدال، وكلما نضج عقلك، ظهر فيك خُلق التغافل بوصفه معنى اجتماعياً واضحاً. فالعلم يجعل الإنسان يفهم اختلاف الناس بصورة أوسع، والنضج يجعله أكثر قدرة على التعامل مع هذا الاختلاف دون صراع مستمر. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى الرد على كل كلمة، أو تصحيح كل رأي، أو الوقوف عند كل موقف. يعرف أن هناك أموراً تستحق الحوار، وأخرى تستحق المواجهة، وأموراً كثيرة لا تستحق سوى التجاوز. وتلك ليست علامة على ضعف الشخصية، بل على أن الإنسان أصبح أكثر قدرة على إدارة علاقته بالآخرين دون أن يجعل كل اختلاف معركة جديدة.
نصيحتي لك، لا تختزل جودة حياتك في قدرتك على التكيف مع ما يحيط بك، فالإنسان يعيش داخل شبكة من العلاقات والقيم والتوقعات الاجتماعية التي تؤثر في خياراته، وتحدد جانباً من فرصه وحدود حركته داخل واقعه. فكلما ازداد وعي الإنسان بالمحيط الذي يعيش فيه، أصبح أكثر فهماً لطبيعة الحياة الاجتماعية من حوله، فيدرك كيف تؤثر العلاقات في قدرته على النمو والحفاظ على ذاته، وكيف تؤدي القيم الاجتماعية دوراً في تنظيم حياة الناس والحفاظ على تماسكهم، كما يعي أن بعض هذه القيم قد تتحول إلى قيود تحد من حرية الإنسان في الاختيار والاختلاف. وعندئذ تبدأ المسؤولية الفردية في صورتها الاجتماعية، عندما يدرك الإنسان أن حضوره بين الآخرين ينبغي أن يكون مصدراً للإضافة، لا لإعادة إنتاج ما يضرهم، وأن سلوكه اليومي ليس شأناً شخصياً خالصاً، بل يترك أثراً في المناخ الاجتماعي الذي يعيش فيه هو والآخرون. فالمجتمع لا يتغير دائماً من خلال القرارات الكبرى، إذ تبدأ كثير من تحولاته من الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع بعضهم في التفاصيل اليومية التي قد تبدو بسيطة، لكنها تسهم في تشكيل الحياة المشتركة.