الهروب إلى الوطن

سعيد لحدو
2026 / 9 / 2

قبل ثمانية وعشرين عاماً جرَّبتُ مختلف الأساليب والوساطات، ولأشهرٍعديدة، للحصول من الأجهزة الأمنية على ورقة (لا مانع من السفر)، للهروب من بلدٍ كنت أعتقده وطناً يحمي أبناءه من كل ما يسيء إلى حياتهم وكرامتهم، لكن نظام الديكتاتورية والمافيات وعصابات النهب والسلب لكل مافيه، جعل الفرار وخيانة هكذا نظام هي أفضل ما يمكن لمواطن أن يقدمه لوطنه ولمواطنيه. ولذلك بقيت ملاحقاً سياسياً وأمنياً طوال فترة حكم الأسدية. ولم يكن الخروج من هذه الزنزانة التي احتوت 23 مليون إنسان إلاَّ بإعجوبة تجسَّدت عندما خطرت لي فكرة اللجوء إلى أعنف وأوحش مراكز الأمن، وهو فرع المخابرات العسكرية في دمشق المعروف بـ (فرع فلسطين)، عندما تقدمتُ إلى حارس البوابة الرئيسية وعرضتُ عليه مبلغاً من المال مقابل الحصول على ما أريد. وخلال ساعتين كانت الورقة المطلوبة في جيبي.
هنا أدركت، رغم علمي المسبق، بأنه (هكذا يُبنى أو بالأحرى يُباع الوطن، في عُرف هكذا نظام). ومن هذه التجربة القاتلة للروح والمعنى، كان عنوان كتابي الأخير (وطن بالمزاد العلني).
بعدها مباشرة غادرت دمشق مع عائلتي ولم أجرؤ على العودة إليها إلأ قبل أيام. وكان همِّيَ الأول إجراء مقارنة مع الوضع الحالي، والشوق إلى مقابلة بعض الأصدقاء ممن عملنا معاً في تنظيمات المعارضة في الخارج.
الانطباع الأول كان عند نزولي من الطائرة في مطار دمشق الدولي، حيث تقدم أحدهم إليَّ، عندما رآني أمشي بعكازة، وأجلسني بكرسي للمقعَدين وجهَّز لي ناكسي هاتفياً ودفعني مروراً بكل سهولة عبر حاجز التفتيش.
نحن السوريون لم نكن معتادين على هذا النوع من المعاملة عند حواجز الأمن في هكذا مواقع ، وبخاصة للسوريين القادمين من الخارج، باعتبارهم الصيد الأثمن لأفراد الأجهزة الأمنية والجمارك ، بغض النظر عما يحملونه أو لا يحملونه. وتجاربي السابقة بالسفر في المطارات والمراكز الحدودية السورية، قبل الملاحقة الأمنية، تذكّرني بأسوأ الأحوال وأبشعها. زهذا ما عاناه كل سوري قادم أم مغادر.
كانت هذه الخطوة الأولى الصحيحة التي لم أكن أتوقعها في أفضل مطارات العالم التي زرتها. لكن عند الوصول إلى دمشق ودخول الفندق، وبداية التعرُّف على أحوال الناس العاديين، كانت الأمور مختلفة كثيراً.
شوارع وأرصفة تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم والصيانة. وأبنية ومحلات شبه متداعية. تزاحم غير معقول في حالة المرور للآليات والمشاة وغيرها. لكن ماكان ملفت للنظر هو المرأة وحريتها في التعبير عن وجودها بالشكل الذي تراه مناسباً لها. وذلك بعكس ما توقعته من تطبيق أفكار ونظرة نظام أصولي متطرف مع خلفية جهادية على المجتمع السوري المشهور بتمدنه رغم تدينه المعتدل عموماً.
لاشك أن النظام البائد ومخلفات سلوكياته الوحشية ترك وراءه من المخلفات المقززة التي تحتاج لعشرات السنين لمحو آثارها السيئة. لكن وبالمقارنة مع قصر المدة للنظام الجديد، هناك إيجابيات لا يمكن التغاضي عنها، وبخاصة حرية التعبير عن الرأي ووجهات النظر المختلفة عما يسعى إليه النظام الحالي.
لقاء الأصددقاء القدامى والتحدث معهم عن مختلف الأمور في قلب دمشق، كان أجمل ماعشته في العقود الثلاثة الأخيرة من عمري، عندما التقيت بقلبي المخطوف ومشاعري المرحَّلة قسراً. هناك معهم، تحت سماء دمشق وعلى ضوء قمرها المشع، وجدت الحياة من جديد.
وأملي الكبير أن يستمر هذا التطور بأسرع وتيرة لتعود دمشق كما كانت، أفضل مدينة في الشرق الأوسط. ولتغدو زيارتي التالية، هروباً حقيقياً من الاغتراب إلى الوطن، ليس لي فقط وإنما لكل سوري أُجبر على الاغتراب.