انتخابات فلسطينية في مهبّ حرب الإبادة الإسرائيلية

نهاد ابو غوش
2026 / 8 / 23

مصير الانتخابات الفلسطينية في مهبّ الاعتداءات والإجراءات الإسرائيلية من جهة، والحسابات السياسية الداخلية الفلسطينية الحساسة والمتشابكة. فمن جهة الاحتلال تتزامن انتخاباتنا، وانتخاباتهم كذلك مع تصعيد عدواني إسرائيلي غير مسبوق، تحت عنوان حسم الصراع بالقوة وليس عن طريق المفاوضات والاتفاقيات، حيث أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو تسابق الزمن لفرض حقائق مادية جديدة من قبيل بناء مستوطنات جديدة أو توسيع القائمة وشرعنة البؤر الاستيطانية، فضلا عن تهجير الفلسطينيين بدءا من التجمعات البدوية والرعوية وانتقالا إلى القرى فضلا عن تدمير ثلاثة مخيمات حتى الآن. وتراهن على أن ما تصنعه على الأرض الآن سيبقى ثابتا، ويصعب على أي حكومة قادمة أن تتراجع عنه. والإجراءات الإسرائيلية المُعطّلة تجري على صعيدين السياسي والأمني، فمن الناحية السياسية من الواضح أن حكومة متطرفة كهذه لن تسمح بإجراء الانتخابات في القدس وهو السبب الذي دعا القيادة الفلسطينية إلى إلغاء انتخابات العام 2021 مع أنه لم يكن سببا مقنعا حيث كان بالإمكان خوض معركة وطنية وسياسية على هذا الموضوع وكان يمكن للفلسطينيين أن يجدوا دعما دوليا واسعا على شمول القدس الشرقية في الانتخابات، كما أن إسرائيل تبذل كل ما في وسعها من جهود لترسيخ الفصل بين الضفة وغزة، وهي ترفض اي دور للسلطة في غزة حتى أنها قرصنت الأموال المخصصة لغزة من أموال المقاصة. أما الإجراءات الأمنية والسياسية فهي الأقسى والأصعب وبخاصة مع تمسّك إسرائيل عمليا بخيار التهجير ورفضها الانتقال إلى المرحلة الثانية، واستمرار حرب الإبادة والقصف اليومي وإبقاء الناس في غزة فريسة لعمليات القصف اليومي والمجاعة والأوبئة، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة الإنسانية، لذلك من الصعب تخيل اهتمام المواطن الغزي بهم الانتخابات وهو المشغول بهموم تحصيل الحد الضروري للبقاء على قيد الحياة من ماء وطعام وخيمة تقي عائلته حر الصيف وبرد الشتاء. كما لا ينبغي التقليل من أثر التدخل الإسرائيلي الفاشل في منع بعض الشخصيات والاتجاهات من الترشح من خلال عمليات الاعتقال والتنكيل والتهديد السافر حتى لو لم تعمد بعض القوى المشاركة في المقاومة إلى ترشيح شخصيات معروفة بانتمائها لها، يمكن للاحتلال أن يدعي أن قائمة ما مدعومة من هذه الحركة أو تلك لكي يعتقل أعضاءها ويمنعهم عمليا من الترشح.
على صعيد الحساسيات والحسابات الداخلية متوقع ان خيار إجراء الانتخابات أو تأجيلها أو الغائها، أو حتى التدخل في شكلها ومجرياتها مرهون بتوقعات نتائج هذه الانتخابات، وهذا الاعتبار كان حاضرا بقوة خلال التحضير لانتخابات العام 2021 الملغاة، إلى جانب غياب التوافق الوطني والحوارات المسبقة بما يخرج العملية الانتخابية بافضل شكل ممكن، ولذلك رأينا نوعا من الارتجال والتسرع في القرارات بقوانين لتعديل قانون الانتخاب وما يشمل عدد أعضاء التشريعي وشروط الترشح وابتداع صيغة التعيين والتوافق، وإجراء الانتخابات "حيثما كان ذلك ممكنا"، فإذا أضفنا إلى كل ذلك ان إجراء الانتخابات بهذه الطريقة أو تلك هي استجابة لشروط خارجية تضغط لإصلاح السلطة وتجددها أكثر مما هي استجابة لحق دستوري شعبي ومتطلبات داخلية.
لذلك السيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات من ألغاء أو تأجيل، أو اللجوء لإجرائها بشكل جزئي "حيثما أمكن" وتعطيل أو تأجيل إجرائها في بعض المناطق مثل قطاع غزة والقدس وربما بعض المناطق التي تتعرض لهجمات استيطانية وفاشية متواصلة، أو استلهام التجربة السورية البائسة في تشكيل "مجاميع انتخابية" تحل محل الشعب في اختيار ممثليه، وصولا إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات والتعديلات التي تدفع نحو إقصاء بعض القوى والتيارات السياسية، وبالتالي اختزال كل الاستحقاق الانتخابي إلى انتخابات جزئية مسيطر عليها ومضمونة النتائج