تنافس اليمين الفاشي مع اليمين الصهيوني التقليدي

نهاد ابو غوش
2026 / 8 / 22

الانتخابات الإسرائيلية: تنافس اليمين الفاشي مع اليمين الصهيوني التقليدي
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من اوكتوبر المقبل، تشير معظم استطلاعات الراي العام الإسرائيلية التي تجريها مختلف المراكز البحثية ووسائل الإعلام إلى تراجع مطرد للائتلاف اليميني المتطرف برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وكذلك تراجع حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو إلى المركز الثاني خلف حزب يشار "استقامة" الذي يقوده رئيس الأركان السابق غادي ايزنكوت، أما المركز الثالث فيحتله التحالف المعارض المشكل من رئيسي الوزراء السابقين نفتالي بينيت (يمين صهيوني ديني) ويائير لابيد (يمين علماني)، وقد يشهد هذا الحزب أو ذاك تذبذبا محدودا صعودا أو نزولا، لكن هذه التحركات تظل طفيفة وتجري ضمن المعسكر الواحد سواء بين مؤيدي نتنياهو أو معارضيه ولا تؤثر في الاتجاه العام الذي يؤكد خسارة نتنياهو شبه الحتمية.
لكنّ صعود ايزنكوت، وقبله بروز بينيت أو بيني غانتس، لا يعني انتقال الناخب الإسرائيليّ إلى اليسار، إذ يقوم حضوره أساساً على تقديم بديل لنتنياهو داخل التيّار الصهيونيّ الوسطيّ والأمنيّ، وليس على طرح تحوّل جذريّ في الموقف من القضيّة الفلسطينيّة. بل يمكن القول أن التنافس في الانتخابات المقبلة هو تنافس بين قوى صهيونية يمينية خالصة: يمين شعبوي يتحالف مع المتدينين المتزمتين (الحريديم) واليمين الفاشي العنصري من جهة ، ويمين تقليدي يفضل التحالف مع القوى العلمانية والحفاظ على الطابع الليبرالي (الشكلي) للصهيونية ودولة إسرائيل، في حين يتقهقر اليسار الصهيوني جولة انتخابية بعد أخرى، وفي هذه الجولة من الانتخابات تتجمع كل لا"فلول اليسار من بقايا ميريتس وحزب العمل لتتحد في إطار حزب الديمقراطيين الذي يرأسه- ويا للمصادفة- نائب رئيس أركان الجيش السابق يائير لابيد، ولكن هذا الحزب لم يعد يجرؤ حتى عن مجرد الإشارة لي حوار مع الفلسطينيين والحديث عن حل الدولتين وأقصى ما يطرحه هو الدعوة للانفصال عن الفلسطينيين والحفاظ على "نقاء| الدولة اليهودية.
يشير المختصّ بالشأن الإسرائيليّ نهاد أبو غوش في حديث لـ”أساس” إلى أنّ الخلافات بين المعسكرين الإسرائيليَّين لا تتعلّق بجوهر سياسات الاحتلال تجاه الفلسطينيّين ولبنان أو إيران والقضايا الإقليمية، وإنّما تتمحور حول شخصيّة نتنياهو ، والاتهامات الموجهة له بالفساد، وسياساته الاستبدادية القائمة على تهميش المؤسسات وفرض نمط من الحكم الفردي المطلق، وتجيير كل شيء للاعتبارات الشخصية والذاتية، وطبيعة النظام السياسيّ فضل عن تفضيل التحالف مع الأحزاب الدينيّة المتزمتة وقوى الصهيونية الدينية المتطرفة الأقرب إلى كونها فاشية يهودية. يوضح أبو غوش أنّ سياسات توسيع الاستيطان وقمع الفلسطينيّين ووقف الاتّصالات السياسيّة مع السلطة الفلسطينيّة وحرب الإبادة على غزّة واحتلال أجزاء من جنوب لبنان وسوريا وإقامة مناطق أمنية وخطوط صفراء في الدول المجاورة، والمبادرة بالعدوان على إيران كلها تحظى بتوافق واسع داخل المجتمع الإسرائيليّ، معتبراً أنّ المعركة الحاليّة هي، بدرجة كبيرة، معارضة لشخص نتنياهو أكثر منها معارضة لسياساته.
تتمثّل نقطة ضعف المعارضة الإسرائيليّة في غياب رؤية موحّدة لإنهاء الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، إذ تتّفق أطرافها على إسقاط نتنياهو والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأوّل من عام 2023 وإعادة ترتيب النظام السياسيّ، لكنّها لا تقدّم بديلاً جوهريّاً للسياسات تجاه الفلسطينيّين، وهو ما يعني أنّ التغيير المحتمل قد يطال أسلوب إدارة الصراع أكثر من جوهره.
ويستبعد أبو غوش أن تطرح الأحزاب العربيّة نفسها باعتبارها “بيضة القبّان”، أو أن تنظر إليها الأحزاب الصهيونيّة بهذه الصفة، مشيراً إلى الحساسيّة الإسرائيليّة تجاه تشكيل حكومات تعتمد على أصوات عربيّة، كما حدث في تجارب سابقة. ويحذّر من محاولات محتملة لإقصاء القوائم العربيّة من المعادلة السياسيّة، بما في ذلك السعي إلى شطب قوائم أو مرشّحين، فيما قد تتحوّل زيادة التمثيل العربيّ إلى عامل مؤثّر في الحسابات البرلمانيّة، خصوصاً إذا بقي معسكر نتنياهو دون أغلبيّة.
في هذا السياق، لا يستبعد أبو غوش أن يحاول نتنياهو خلط الأوراق عبر تشجيع تشكيل كتل يمينيّة جديدة واستقطاب أصوات من خصومه، محذّراً في الوقت ذاته من أنّ تراجع وضعه السياسيّ قد يدفعه إلى خطوات تصعيديّة.
يقول أبو غوش إنّ نتنياهو قد يتصرّف “كالوحش الجريح”، ويلجأ إلى مغامرات عسكريّة في لبنان أو سوريا أو غزّة أو الضفّة الغربيّة لإعادة ترتيب المشهد، ولم يستبعد استخدام حلفائه ومجموعات المستوطنين والميليشيات المرتبطة بالتيّار الصهيونيّ الدينيّ للتأثير في الانتخابات.
تبدو الانتخابات الإسرائيليّة المقبلة أقرب إلى معركة على إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام الإسرائيليّ منها إلى انتخابات. ولن تحمل تحوّلاً جذريّاً في السياسة تجاه الفلسطينيّين، فيما يبقى العامل الحاسم في النهاية هو قدرة أيّ معسكر على تجاوز عتبة الـ61 مقعداً، في ظلّ خريطة انتخابيّة قابلة للتبدّل حتّى اللحظة الأخيرة.