|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

علي الأمين السويد
2026 / 8 / 6
تبدأ الثورات في العادة من الداخل، لا من الشوارع. فهي ليست مجرد انفجارات عشوائية بسبب الفقر أو الغضب، بل نتيجة مسار نفسي متدرّج يمر به المجتمع حتى يصل إلى نقطة اللاعودة. ويمكن تبسيط هذا المسار في أربع مراحل رئيسية تفسر كيف ولماذا تثور الشعوب.
أولاً - مرحلة الحرمان النسبي أو تراكم القهر
أول هذه المراحل هي "الحرمان النسبي"، حيث يتراكم الإحساس بالظلم تدريجيًا. لا يثور الناس لأنهم فقراء فحسب، بل لأنهم يدركون فجوة صارخة بين ما يرونه حقًا لهم من كرامة وحياة لائقة، وبين ما يُفرض عليهم من واقع قاسٍ. هذا التناقض يولد إحباطًا عميقًا يتحول مع الزمن إلى غضب مكبوت. وقد أشار عالم السياسة تيد غور إلى أن هذا الإحباط التراكمي يمثل الوقود الأساسي لأي انفجار شعبي.
ثانياً - مرحلة تصدع الشرعية وكسر الخوف
ثم تأتي مرحلة "تصدع الشرعية"، وهي لحظة نفسية حاسمة. في البداية، يقبل الأفراد بطاعة السلطة بدافع البحث عن الاستقرار، لكن مع استمرار الظلم وتجاوزه للحدود المقبولة، تبدأ صورة السلطة في التآكل داخل وعي الناس. تسقط هيبتها أولًا أخلاقيًا، ثم سياسيًا، ومع هذا السقوط يتلاشى الخوف تدريجيًا. وهنا ينتقل الغضب من كونه شعورًا خاصًا إلى موقف علني. هذا التحول يجد تفسيره في "نظرية تبرير النظام"، التي تشرح كيف تنهار القناعات التي كانت تدفع الناس لتقبل الواقع، لتحل محلها رغبة في تغييره.
ثالثاً - مرحلة الهوية الجماعية وذوبان الأنا
أما المرحلة الثالثة فهي "تشكل الهوية الجماعية". عند هذه النقطة، يتوقف الأفراد عن التفكير بمنطق فردي بحت، وتبدأ معاناتهم بالاندماج في سردية مشتركة. يتشكل وعي جمعي يرى فيه الناس أنفسهم كجسد واحد، لا كأفراد متفرقين. هذا الإحساس بالانتماء يمنحهم شجاعة لم تكن ممكنة في حالتهم الفردية. وقد فسّر تايفيل وتيرنر هذه الظاهرة من خلال "نظرية الهوية الاجتماعية"، فيما أضاء غوستاف لوبون على القوة الكامنة في سيكولوجية الجماهير.
رابعاً - مرحلة الفعالية والشرارة أو الانفجار
وأخيرًا، تأتي مرحلة "الفعالية والشرارة"، حيث تلتقي كل هذه العوامل مع حدث مفصلي يشاهده الجميع في الوقت نفسه. قد يكون هذا الحدث حادثة ظلم صارخة أو موقفًا رمزيًا مكثفًا، لكنه يؤدي وظيفة واحدة: إقناع الناس بأن لحظة التحرك قد حانت، وأن الآخرين مستعدون مثلهم. هنا يتحول الغضب الصامت إلى فعل جماعي، وتتحول الإمكانية إلى واقع. وتؤكد دراسات "الفعالية الجماعية" أن الشعوب لا تتحرك فقط لأنها غاضبة، بل لأنها تؤمن أن تحركها المشترك قادر فعلاً على إحداث التغيير.
بهذا المعنى، فإن الثورة ليست لحظة، بل مسار. تبدأ بإحساس داخلي بالاختلال، وتنتهي بانفجار خارجي يعيد تشكيل الواقع.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |