من يحكم غزة بعد الحرب؟

رامي الغف
2026 / 8 / 6

بقلم: رامي الغف*

لم تعد المعركة في غزة تدور فقط حول وقف إطلاق النار، أو عدد الشاحنات التي ستدخل، أو حجم الدمار الذي خلفته الحرب. المعركة الأكثر تعقيداً بدأت الآن: من يملك حق رسم مستقبل غزة بعد الحرب؟

فخلف العناوين الدبلوماسية، وخلف الحديث عن المراحل الخمس والجدول الزمني الممتد لـ210 أيام، يجري صراع سياسي عميق حول شكل القطاع، وطبيعة السلطة التي ستديره، وموقع الفلسطينيين أنفسهم في معادلة اليوم التالي.

غزة لم تعد فقط ساحة حرب، بل أصبحت ساحة اختبار لمشاريع متعددة: مشروع إسرائيلي يريد ضمانات أمنية طويلة الأمد، ومشروع دولي يبحث عن إدارة مستقرة، ومشروع فلسطيني يريد الحفاظ على القرار الوطني والحق في تقرير المصير.

وبين هذه المشاريع يقف أكثر من مليوني فلسطيني يسألون سؤالاً بسيطاً لكنه حاسم: هل ستكون المرحلة المقبلة بداية حياة جديدة، أم مجرد انتقال من حرب مفتوحة إلى وصاية مفتوحة؟

الاتفاقات لا تصنع السلام وحدها

إن تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاغتيالات والانسحاب إلى الخطوط المتفق عليها، إضافة إلى إدخال المساعدات وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس والمخابز، كلها خطوات ضرورية، لكنها لا تكفي لصناعة مستقبل مختلف.

فغزة لا تحتاج فقط إلى إسعاف آثار الحرب، بل تحتاج إلى معالجة الأسباب التي جعلت الحرب تتكرر جيلاً بعد جيل.

المساعدات الإنسانية قد تمنع الجوع، لكنها لا تبني مستقبلاً. الأموال قد تعيد إعمار المباني، لكنها لا تعيد بناء الثقة. واللجان قد تدير الملفات، لكنها لا تمنح الشرعية السياسية إذا غاب صوت أصحاب الأرض.

اللجنة الوطنية… بين فرصة تاريخية ومهمة شديدة التعقيد

الدور المقترح للجنة الوطنية لإدارة غزة يضعها أمام مسؤولية غير مسبوقة. فهي مطالبة بإدارة ملفات حساسة: الأمن، والخدمات، والاقتصاد، وحقوق الموظفين، وعلاقة المؤسسات والقطاع الخاص بالدولة.

لكن نجاح أي إدارة جديدة لن يتوقف فقط على قدرتها الإدارية، بل على مدى قدرتها على إقناع الفلسطينيين بأنها ليست أداة لإدارة ما بعد الحرب، وإنما طريق لاستعادة الحياة السياسية والمؤسسات الوطنية.

فغزة ليست شركة تحتاج إلى مدير، وليست منطقة منكوبة تحتاج إلى إدارة طوارئ دائمة. غزة قضية شعب وحقوق وتاريخ.

أخطر سؤال: من يقرر مصير غزة؟

السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيدير غزة؟

بل: من سيملك القرار فيها؟

هل سيكون القرار نابعاً من إرادة الفلسطينيين، أم من تفاهمات دولية تُفرض عليهم تحت عنوان إعادة الإعمار؟

فالتاريخ أثبت أن أي مشروع يتجاهل أصحاب القضية قد ينجح مؤقتاً في إدارة الواقع، لكنه يفشل في صناعة الاستقرار.

السلام لا يُبنى فقط بإزالة السلاح، بل بإزالة أسباب اليأس. ولا يتحقق فقط بإعادة بناء المدن، بل بإعادة بناء الأمل والكرامة والحقوق.

المال والسياسة… اختبار ما بعد الدمار

إن الدعم المالي لإعادة تشغيل الاقتصاد ومعالجة مستحقات الموظفين والقطاع الخاص، بما في ذلك التعهد الإماراتي بتقديم 400 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، يمثل خطوة مهمة لتخفيف الانهيار الاقتصادي.

لكن غزة لا تحتاج إلى صندوق مالي فقط، بل تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية متكاملة. تحتاج إلى معابر مفتوحة، وحرية حركة، وفرص عمل، وبيئة تسمح للناس بأن يعيشوا لا أن ينتظروا المساعدات.

العالم أمام امتحان جديد

لقد شاهد العالم دمار غزة، واستمع إلى الوعود، وسمع التعهدات. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

فإذا تحولت المرحلة المقبلة إلى إعادة إعمار حقيقية، واحترام لإرادة الفلسطينيين، وفتح طريق سياسي واضح، فقد تكون هذه اللحظة بداية تحول تاريخي.

أما إذا اختُزلت في ترتيبات أمنية وإدارية هدفها فقط منع الانفجار القادم، فإن غزة ستبقى تنتظر حرباً جديدة بعد سنوات أو ربما أشهر.

المعركة القادمة ليست معركة طائرات ودبابات فقط. إنها معركة على شكل المستقبل.

من يحكم غزة بعد الحرب؟
هذا السؤال لن تحدده غرف التفاوض وحدها، بل ستحدده قدرة العالم على فهم حقيقة بسيطة: لا يمكن بناء استقرار دائم فوق شعب يشعر بأنه فقد حقه في تقرير مصيره.

غزة لا تحتاج من يدير أنقاضها فقط… بل تحتاج من يساعدها على استعادة حياتها.


الإعلامي والكاتب الصحفي

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن