إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر

سعد العبيدي
2026 / 8 / 6

قبل أن تكشف البحيرة زرقتها للزائر، تستقبله حجارة إزنك أولًا. أسوار عتيقة تمتد حول المدينة، تتخللها بوابات شاهقة وأبراج صمدت قرونًا طويلة، تحمل في صمتها حكاية مدينة ما تزال تعيش داخل تاريخها. هنا تغدو القلعة إطارًا يحتضن الأسواق والبيوت والمساجد والبحيرة، رسمه الرومان، وعززه البيزنطيون، وحافظ عليه العثمانيون.
وما إن يدخل الزائر السوق عبر أحد بواباتها، حتى يجد نفسه أمام واجهات تمتلئ بالأطباق والمزهريات والأواني المزخرفة بالأزرق والفيروزي، فيدرك أن الخزف في إزنك لغة ما زالت المدينة تتحدث بها منذ قرون. هنا بلغت هذه الصناعة أوجها في العصر العثماني، حتى زينت بلاطاتها المساجد والقصور من بورصة إلى إسطنبول، وحملت اسم المدينة إلى العالم بوصفها إحدى أرقى مدارس الخزف الإسلامي. ولا يقتصر الأمر على ما تعرضه المحال اليوم، فغير بعيد عنها يقف الزائر أمام بقايا المشغل التاريخي الذي ما تزال أعمال التنقيب تكشف عن أجزاء جديدة منه.
هناك، لا تبدو الحفريات بحثًا عن جدران قديمة، وإنما استعادةً لمكان ازدهرت فيه صناعة الخزف، قبل أن تبلغ ذروتها في العصر العثماني، في مدينة كانت، يومًا، أحد أهم مراكز القرار الكنسي في العالم المسيحي. وبينما يواصل علماء الآثار استخراج الماضي قطعةً بعد أخرى، يواصل حرفيو إزنك في الورش المجاورة تشكيل الطين، لتبقى الصلة قائمة بين ما يخرج من باطن الأرض وما يخرج من أفران الخزافين.

ومن الخزف، تقود الخطوات إلى آيا صوفيا، أكثر مباني إزنك قدرة على اختصار تاريخها. شُيدت كنيسةً في العصر البيزنطي، وشهدت أحداثًا دينية مفصلية في تاريخ المسيحية، وما تزال بعض عناصرها المعمارية وزخارفها شاهدة على تلك الحقبة. ثم تحولت، بعد دخول العثمانيين المدينة عام 1331، إلى مسجد بأمر السلطان أورهان، فأضيفت إليها المنارة والمحراب، ولا تزال تؤدي دورها مسجدًا إلى اليوم.
على امتداد الساحل تنتشر مطاعم متخصصة بتقديم أسماك البحيرة، تتشابه في بساطتها وتتباين في إطلالاتها. من طاولاتها تنبسط البحيرة كمرآة واسعة، تمدها الجبال المحيطة بروافدها. يتدرج لون مائها بين الأزرق الصافي والشذري، حتى ليخال للناظر أنه يتبدل مع كل غيمة عابرة أو ميلٍ للشمس نحو الأفق. تتوزع على الشاطئ شواطئ صغيرة للسباحة، يقصدها عدد قليل من الزوار، بينما تتعانق صفحة الماء مع التلال الخضراء وبساتين الزيتون في مشهد تغمره السكينة. وسرعان ما يصبح ذلك المشهد جزءًا من الطريق نفسه؛ إذ يمتد على طول الساحل بمحاذاة البحيرة، تحفه بساتين الزيتون من جانبيه، فيتراجع التاريخ المكتوب على الحجارة، مفسحًا المجال لتاريخ آخر كتبته الأرض. حتى ليخال المسافر أنه يعبر غابة من الأشجار الفضية، كثير من أشجارها تجاوز عمره مئات السنين، وما يزال يثمر كما أثمر لأجيال تعاقبت على هذه الأرض، حتى غدا الزيتون رمزًا للاستقرار الذي عرفته ضفاف البحيرة عبر القرون.

وبين منعطف وآخر، تكشف الأشجار عن مدينة أورهان، القائمة على الضفة الغربية للبحيرة، والتي تحمل اسم ثاني سلاطين الدولة العثمانية، بعدما أمر بإنشاء نواتها الأولى عقب فتح المنطقة، ومن بعدها تستعيد الطبيعة حضورها؛ تعود البحيرة إلى مرافقة الطريق، وتتوزع القرى الصغيرة بين بساتين الزيتون، قبل أن تلوح معالم بورصة، حينها يكتشف الزائر أن إزنك لم تكن رحلة إلى مدينة أثرية، بل إلى معنى. مدينة تعلم أن التاريخ لا يعيش في المتاحف وحدها، وإنما في الأمكنة التي تعرف كيف تحفظ ذاكرتها، وتواصل حياتها في الوقت نفسه. ولهذا تبدو إزنك واحدة من تلك المدن التي تبقى مرافقةً لزائرها طويلًا، في الحجر والماء والشجر، وفي ذلك الانسجام النادر الذي جمعها عبر القرون.
***

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن