|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
يحيى الشيخ
2026 / 8 / 5
لم أُغادر مكاني لنفس السبب الذي جعلني أعتزل في حياتي؛ فكل الذين دُفنوا بعدي لم أسمع منهم ما يُدهش، أو يطرد الكآبة، أو يرطّب العظام... الأحداث التي شهدتها سابقًا خلال ثمانين عامًا والأخبار التي سمعتها، هي ذاتها التي نقلوا تفاصيلها معهم. لم يعد هناك جديدٌ يُغري، ولا مدهشٌ يثير الحنين للعودة إلى الحياة؛ لهذا قررتُ البقاء في قبري، وتخليتُ حتى عن فكرة الانتقال إلى قبرٍ آخر.
سمعتُهم يحفرون بجواري؛ واصلت المعاولُ الحفرَ في جمجمتي، بنشازٍ ينخر العظمَ أشدَّ مما تفعل الديدان، ومع أني ملأتُها بالتراب، ظلَّ الصوتُ يتردد في التجاويف... شهدتُ هذا من قبل حين فتحوا نفقًا بمحاذاة البيت واضطررتُ للانتقال منه دون رجعة.
أما الآن فالأمر مختلفٌ كليًا؛ فالقبور تُباع من قِبَل البلدية أو تُستأجر، وأنا خالي الجيب حتى قبل موتي. وكان من حسنات الموت أنه خلّصني من كابوس اقتناء بيتٍ خاص، وها أنا أقيم على حساب الدولة إلى أبد الآبدين.
بقيتُ طيلة حياتي أتأرجح بين الملاذات، أتنقل من بيتٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى آخر، ومن قارةٍ إلى أخرى. وكنتُ بعيدًا عن البلاد حين مات أبي (الموظف الكبير في وزارة الداخلية)؛ إذ وهب إخواني — من زوجته الثانية — قبل موته كل ما يملك وسجله بأسمائهم، واستبعدني أنا: "الصعلوك المارق" كما كان يحلو له تسميتي، أو "ابن الملاية" في أطيب مزاجٍ له.
كانت أمي موظفةً في المكتبة العامة، ولم تكن تعرف عناوين الكتب وأماكنها على الرفوف أو في الخزانات المغلقة فحسب، بل كانت تستوعب ما في بطونها؛ كانت مرجعًا معرفيًا، وقارئةً نهمة لا تكتفي بالقراءة في المكتبة، بل في البيت وعلى الفراش أيضًا. وكان هذا مصدر نقمته عليها؛ فتزوج ثانية. كانت كاتبةً محترفة تُعنى بتحقيق الكتب القديمة والمخطوطات، ومرجعًا يُشاد بعلمها. وبسبب الخوف منه، كانت تنشر مستترةً باسمٍ مستعار لا يعرفه أحدٌ غيري: "نجمة الملاية"، ولم يكتشفه أبي إلا بعد موتها، حين جاء وفدٌ من المكتبة العامة والمجلة التي كانت تنشر فيها دراساتها لتقديم التعازي... ولم يكن ذلك اليوم يوم رحيل أمي من حياتي، بل يوم رحيلي من بيتها إلى الأبد.
صرخ أبي بما جاد به صوته المبحوح: "الملاية؟ ما وجدتِ غير هذا اللقب الرخيص لتتستري به؟" وطردني في ساعتها من البيت وهو يختضّ من الغضب ويزبد: "اطلع يا ابن الملاية، اطلع ولا أريد أن أرى وجهك بعد اليوم!" وطلعتُ من البيت، ولم يَرَ وجهي بعد ذلك اليوم.
بعد مراسم الدفن التي تُجرى يوميًا في المقبرة، سمعتُ صوتًا أنثويًا يردد مقطعًا قصيرًا من أغنية فرانك سيناترا: "غرباء في الليل". لا أعرف أن كانت تلك الساعة مناسبةً لأغنيةٍ كهذه تُغنّى في القبر! انتظرتُ حتى توقفتْ عن الغناء — انتظرتُ بما منحه الموتُ للموتى من صبر — ثم تسللتُ إلى جانبها. لم يفاجئني جمالها، ولا أنوثتها الطاغية وعريها البديع، بل شخصيتها... يا إلهي، إنها "كارمن العظيمة"، أجمل العواهر، وأكثرهن إثارةً وبذخًا في الأحضان، وأكثرهن وقاحةً وسلاطةَ لسان!
— كارمن العظيمة! وأخيرًا جئتِ لوحدكِ بلا قوّاد... هل تتذكرينني؟
_ كان مئات القوّادين وأولاد الزنا يطوفون حولي... لا بد أنك واحدٌ منهم!
_ قبل عقود، كنا مجموعةَ طلبةٍ في شقةٍ واحدة، لا بد أنكِ تتذكرينهم؛ كنتِ تسمينهم بأسماءَ ساخرة: الأغبر، محراث التنور، العفن... وأنا كان اسمي الجربوع... لا بد أنكِ تتذكرين! كنتِ تزوريننا باستمرار، نسكر ونمارس الحب جماعيًا. في آخر مرة سكرنا تمامًا، لكنكِ هربتِ دون أن نفعل شيئًا، ولم نَرَ وجهكِ بعد تلك الحادثة. أنتِ مطلوبة، ليس للمبلغ الكبير الذي دفعناه، بل لخيانتكِ والهرب من الواجب.
— آه، تعرف يا جربوع؟ حين كنتُ طالبةً لا تعرف غير طريق المدرسة والكتب، عثرتُ على روايةٍ أغراني عنوانها "جولييت"، وكان الأكثر إغراءً اسمُ مؤلفها: الماركيز دي ساد. كانت تلك أولى قراءاتي للأدب، وأولَ درسٍ حقيقيٍّ وصادق في حياتي؛ فهمتُ منه أن الطبيعة البشرية قائمةٌ على القوة، والبطش، والاستغلال، وأن "الأخلاق والفضيلة" مجرد أوهامٍ اخترعها الضعفاء لحماية أنفسهم... بعد انخراطي في السلك لم أسمع أحدًا (لا عاهرة ولا قوّادًا) نطق بكلمة "خيانة"؛ الكل خائن، وشريف، وقديس إذا لزم الأمر... الحقيقة أن كل سلوكٍ هو شرفٌ ما دام بإرادة المرء وبلا مقابل. أنا وأنت كنا نتبادل المصالح! نتواطأ مع أنفسنا لتمرير الصفقة: أنت تدفع أكثر وأنا أتمادى في حضنك أكثر، وهذا يعني أن كلانا خائن، إما لنفسه أو للآخر... وأعترفُ أنه لأول مرة في حياتي مارستُ فعلًا بلا خيانة، وهو هروبي منكم تلك الليلة؛ ولعلمك، كان هروبًا مما كنتُ عليه، من حالتي، ومن الماضي... الحرية هي الشرف الوحيد الذي يفتخر به الإنسان، ونحن أحرارٌ شرفاء في هذه الساعة يا جربوع".
— لكنكِ مطلوبةٌ بدَيْنٍ تضاعفَ ثمنُه على عدد السنين!
— حسناً، أعترفُ بالدَّيْن وأسدده مع الفوائد؛ ولكن كيف يكون السداد؟
— أقيمُ معكِ!
— على الرحب والسعة، وبشرطٍ واحد: ألّا تتحدث عن الماضي، وأن تنساه كليًا!
— عن ماذا نتحدث إذن؟
_ عن المستقبل.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |