|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

صلاح الدين ياسين
2026 / 8 / 5
في إحدى الليالي الباردة من عام 1964، تعرّضت امرأة تُدعى كيتي جينوفيز لهجوم وحشي بالقرب من منزلها في نيويورك، حيث تم طعنها مرارًا على مرأى ومسمع من جيرانها. ورغم سماع صرخاتها واستغاثاتها، لم يتدخل أحد، ولم يُبلَّغ عن الحادث إلا بعد مرور أكثر من نصف ساعة. هذا الحدث المروع شكّل الشرارة التي دفعت علماء النفس الاجتماعيين إلى دراسة ظاهرة غريبة ومثيرة للقلق تُعرف اليوم باسم "تأثير المتفرج".
أولا: ما هو تأثير المتفرج؟
يشير تأثير المتفرج (Bystander Effect) إلى ميل الأفراد إلى عدم التدخل أو تقديم المساعدة لشخص في محنة أو خطر عندما يكون هناك آخرون حاضرين. فكلما كان عدد الشهود أكبر، قلَّ احتمال تدخل أحدهم. هذه الظاهرة تتحدى الفطرة السليمة، إذ قد يُفترض أن وجود عدد كبير من الناس يزيد من فرص تقديم المساعدة، ولكن ما يحدث في الواقع هو العكس.
وقد أجريت أولى الدراسات التجريبية على يد عالمَي النفس بيب لاتانيه وجون دارلي عام 1968. وفي إحدى هذه التجارب، طُلب من مجموعة من الطلبة الجامعيين التحدث مع بعضهم البعض عبر نظام اتصال داخلي، وكان أحد المتحدثين ممثلًا يدعي أنه يعاني من نوبة صرع. كانت النتيجة صادمة: كلما زاد عدد الأشخاص الذين يعتقد المتطوع أنهم يشاركون في المكالمة، قلَّت احتمالية تدخله لمساعدة الشخص المصاب.
وفي العصر الرقمي، ينتشر تأثير المتفرج بطرق جديدة، حيث يصوّر الناس حوادث عنف أو حوادث سير بدلًا من التدخل أو استدعاء الإسعاف، مثلما حدث في بعض حوادث التحرش الجماعي في مصر أو الهند، حيث يتجمع المئات ويصوّرون بدل أن يمنعوا الاعتداء.
كما تشير الدراسات إلى أن تأثير المتفرج قد يظهر بدرجات متفاوتة حسب الثقافة. فمثلًا، المجتمعات ذات النزعة الفردية (كأمريكا والدول الغربية) قد تُظهر معدلات أعلى من التردد في التدخل مقارنة بالمجتمعات الجماعية أو التقليدية، حيث يُنظر إلى التدخل كواجب اجتماعي أو أخلاقي.
ثانيا: الآليات النفسية لتأثير المتفرج
لفهم سبب حدوث هذا التأثير، من المهم التعرف على الآليات النفسية التي تفسره:
- تشتت المسؤولية (Diffusion of Responsibility): عندما يكون هناك عدد كبير من الحاضرين، يفترض كل فرد ضمنيًا أن شخصًا آخر سيتحمل مسؤولية التدخل، مما يؤدي إلى تقاعس جماعي.
- التفسير الجماعي (Pluralistic Ignorance): في المواقف الغامضة، يميل الأفراد إلى مراقبة ردود أفعال الآخرين لتحديد ما إذا كان هناك خطر حقيقي. إذا بدا أن الجميع هادئون، يفسر كل فرد أن الوضع ليس خطيرًا، حتى لو شعر داخليًا بالخطر.
- الخوف من التقييم (Evaluation Apprehension): يتردد بعض الأشخاص في التدخل خوفًا من أن يُحرجوا أو يُساء فهمهم أو يُقيموا بشكل سلبي إذا اتضح أن الموقف ليس خطيرًا أو أنهم تصرفوا بشكل غير ملائم.
- الامتثال الاجتماعي (Social Conformity): يميل الأفراد إلى تقليد سلوك الجماعة. فإذا لم يتصرف الآخرون، يُحتمل أن يحذو الشخص حذوهم حتى لا يشعر بالاختلاف أو العزلة.
وعلى الرغم من رسوخه في السلوك الإنساني، فإن تأثير المتفرج ليس ظاهرة حتمية. إذ يمكن تقليص حجمه عبر التدريب والتوعية، مثل إعداد الناس للتعامل مع المواقف الطارئة من خلال دورات في الإسعافات الأولية، أو الدفاع المدني. كما ينصح بعض الخبراء بضرورة تحديد المسؤولية عند طلب المساعدة، إذ يجب أن يكون النداء مباشرًا ومحددًا: "أنت، صاحب القميص الأزرق، اتصل بالإسعاف من فضلك"، مما يقلل من تشتت المسؤولية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |