|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مازن الشيخ
2026 / 8 / 5
كان لنبأ وفاة أخي الحبيب لقمان وقعٌ موجع ومؤلم في نفسي، غير أن عزائي أن الموت حق، وأن الإنسان لا بد أن يرحل بعد حياة تطول أو تقصر.
والمهم في النهاية ليس عدد السنوات التي يعيشها الإنسان، بل ما يقدمه خلالها. فالغالبية العظمى من البشر يعيشون ثم يمضون، ويطويهم النسيان مع مرور الزمن، بينما يظل القليل منهم خالدين في ذاكرة الناس بما تركوه من إبداع وتميز وعطاء. ورغم أنني أتحدث عن شقيق عزيز، فإنني لن أبالغ في وصف ما تركه لقمان من أثر خلال حياة امتدت أكثر من واحدٍ وتسعين عامًا، وكل من عرفه أو عايشه سيشهد بصحة ما أقول.
ولد لقمان في 20 نيسان (أبريل) 1935، ومنذ نعومة أظفاره أخذ يرسم على جدران الأزقة في محلة حضيرة السادة وباب المسجد، حيث نشأ وترعرع. ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، وتخرج فيه عام 1956 بتفوق.
وقبل التحاقه بالتدريس في تلعفر، بادر مع مجموعة من زملائه، منهم المرحومون حازم الأطرقجي، وخالد العسكري، وضرار القدو، وآخرون، إلى إقامة أول معرض للفنون التشكيلية في مدرسة الأرمن. وفي ذلك المعرض باع أول لوحة رسمها مقابل عشرة دنانير، وكانت بعنوان «غسالات الصوف»، وقد اقتناها المصور الفوتوغرافي العالمي المرحوم مراد الداغستاني، وحرص على عرضها في واجهة استوديو التصوير الخاص به في شارع الدواسة.
استمر في العمل بالتدريس حتى نهاية عام 1959، ثم أوفد في بعثة دراسية إلى صوفيا، حيث حصل على درجتي ماجستير: الأولى في رسم الجداريات العملاقة، والثانية في تصميم الأقمشة. وقد تميز في هذا المجال عندما أدخل الزخرفة الشرقية والحروف العربية إلى تصاميمه، فكان ذلك أسلوبًا مبتكرًا لفت الأنظار، الأمر الذي دفع دار الأزياء العراقية إلى دعوته عام 1977 لعرض أعماله، وقد حقق المعرض نجاحًا كبيرًا، وكتبت عنه الصحف العراقية آنذاك.
كما صمم ونفذ جدارية مميزة على بوابة السفارة العراقية بعنوان «بوابة عشتار»، وقد أعجب بها المرحوم وكيل وزارة الثقافة فوزي الأتروشي، فدعاه إلى بغداد لتنفيذ جدارية أكبر على مدخل وزارة الثقافة، إلا أن وفاة الأتروشي حالت دون إتمام المشروع.
بعد ذلك تفرغ للرسم، وأسس أسلوبًا فنيًا خاصًا يقوم على لصق الأقمشة على سطح اللوحة ثم الرسم فوقها، لتبدو الأعمال وكأنها ذات أبعاد متعددة، مما منحها عمقًا بصريًا وفنيًا مميزًا.
أقام معارض شخصية في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، كما عرضت إحدى أشهر لوحاته، وهي لوحة «وحيد»، في مزاد الروائع في لندن. ورغم العروض المالية الكبيرة التي تلقاها لبيعها، فإنه رفض التخلي عنها، لأنه كان يعدها إحدى أهم منجزاته الفنية. وقد سبق لي أن كتبت عنها مقالة بعنوان «لوحة ميتافيزيقية».
أما على المستوى الإنساني، فقد كان مثالًا للطيبة والوداعة والتسامح، يبادل الجميع المحبة والاحترام. ولعل أصدق وصف لشخصيته ما قاله المرحوم الصحفي فرات محمد مهدي الجواهري عندما زرناه في جريدة الجمهورية عام 1989، وكان قد عاش معه في القسم الداخلي في صوفيا أربع سنوات، إذ قال له: «يا لقمان، لو أن كل البشر مثلك، لما احتجنا إلى شرطة ولا إلى جيش.» وهي شهادة تختصر نقاء روحه وسمو أخلاقه.
ولم يكن الفن وحده شغفه؛ فقد كان عاشقًا للقراءة في الأدب والفن والتاريخ والسياسة، يمتلك ذاكرة استثنائية. وحتى وهو في عقده العاشر، كان يستعيد أحداث الموصل في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بأدق تفاصيلها، ويذكر الأسماء والوقائع بدقة مدهشة، ثم ينشرها على صفحته في فيسبوك، فكان كثير من الشباب ينتظرون منشوراته ليستعيدوا من خلالها صفحات مشرقة من تاريخ مدينتهم.
إن الحديث عن لقمان يطول، وربما يحتاج إلى كتاب يوثق سيرته ومنجزاته، لكنني أكتفي بالقول إنه كان إنسانًا استثنائيًا، وفنانًا مبدعًا، ترك بصمة لا تمحى في كل مكان مر به.
لقد رحل الجسد، لكنه ترك أثرًا عميقًا في ذاكرة الفن والتاريخ. فقد سجل اسمه ضمن مشاهير القرن العشرين في نينوى، كما ورد اسمه بين كبار الفنانين التشكيليين في موسوعة الروائع في لندن، وأجريت معه لقاءات تلفزيونية عديدة وثقت تجربته الفنية والإنسانية.
رحل لقمان، لكنه سيبقى حيًا في قلوب محبيه، وفي أعماله التي ستواصل الحديث عنه بعد غيابه.
رحم الله أخي الحبيب لقمان، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته الطيبة وأعماله الخالدة صدقة جارية في ميزان حسناته.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |