|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 8 / 4
أناتولي فاسيليف حين يصبح المسرح طريقًا لبناء الإنسان
منذ ولادة المسرح، لم يكن الإنسان يبحث فيه عن التسلية فقط، بل كان يبحث عن صورته العميقة. فالمسرح كان دائمًا مساحة يختبر فيها الإنسان علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم. فمن الطقوس الأولى التي عبّر فيها عن مخاوفه وأسئلته أمام الطبيعة، إلى المسرح اليوناني الذي منح الفن بناءه وقوانينه، ثم إلى التحولات الحديثة التي جعلت الخشبة مجالًا للتجريب والبحث، ظل المسرح مرآة لتحولات الإنسان ووعيه.
ومع تطور المسرح، لم يعد الاهتمام منصبًا على النص وحده، بل انتقل إلى الإنسان الذي يمنح النص حياته إلى الممثل بوصفه مركزًا للتجربة المسرحية. ومن هنا ظهرت تجارب كبرى أعادت النظر في علاقة الممثل بجسده وصوته ووعيه وحضوره، وكان أناتولي فاسيليف واحدًا من أبرز الذين جعلوا من هذه العلاقة مشروعًا فكريًا وجماليًا.
ولد أناتولي فاسيليف عام 1942 في الاتحاد السوفيتي، ونشأ في بيئة ثقافية غنية بتقاليد المسرح الروسي، لكنه لم يكتفِ بإرث الماضي، بل اختار طريق البحث والتجريب، فحوّل المسرح من مجرد صناعة للعرض إلى رحلة لاكتشاف الإنسان. لم يكن سؤاله الأساسي كيف نقدم الشخصية؟ بل كيف نصل إلى الحقيقة الإنسانية الكامنة خلفها؟
لقد رأى فاسيليف أن الممثل لا يصبح فنانًا حقيقيًا بمجرد امتلاك الأدوات التقنية، بل عبر رحلة طويلة من التكوين الداخلي. فالمسرح عنده يبدأ قبل لحظة العرض؛ يبدأ في التدريب، وفي البحث، وفي الزمن الذي يحتاجه الإنسان حتى يتحول من مؤدٍ للدور إلى كائن حاضر فيه.
فالتلمذة عند فاسيليف ليست مرحلة تنتهي باكتساب المهارة، بل هي حالة دائمة من التعلم والبحث. فالفنان الحقيقي لا يصل إلى نقطة نهائية، لأن كل معرفة تفتح أمامه أسئلة جديدة. والتدريب ليس تكرارًا آليًا للحركات، بل هو بناء للوعي، وإعادة اكتشاف العلاقة بين الجسد والصوت والنص والآخر.
ولهذا كانت البروفة عنده أكثر من إعداد للعرض كانت مختبرًا للتحول. ففيها يتغير فهم الممثل للشخصية، وتتطور علاقته بالنص، ويكتشف إمكانات جديدة في ذاته وفي الفن الذي يمارسه. فالعمل الطويل لا يؤخر الإبداع، بل يمنحه العمق.
ومن هنا تأتي أهمية الزمن في فلسفة فاسيليف. فالزمن ليس مجرد فترة انتظار قبل الوصول إلى النتيجة، بل هو مادة أساسية في صناعة الفن. فالإنسان لا ينضج في لحظة، والفنان لا يكتشف صوته الخاص بسرعة. إن المعرفة تحتاج إلى تجربة، والتقنية تحتاج إلى ممارسة، والمهارة تحتاج إلى زمن حتى تتحول إلى إحساس طبيعي.
إن اللحظة المسرحية الصادقة التي يراها المتلقي قد تبدو بسيطة وعفوية، لكنها تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من العمل والصبر والتأمل. فالعفوية العظيمة ليست غياب التدريب، بل وصول التدريب إلى درجة يصبح فيها جزءًا من طبيعة الفنان.
وعندما يكتمل هذا البناء يظهر مفهوم الحضور. فالممثل عند فاسيليف لا يُقاس فقط بقدرته على أداء الشخصية، بل بقدرته على أن يكون حاضرًا داخلها. فهناك فرق بين الأداء الذي يعتمد على الوسائل الخارجية، والحضور الذي يجعل الكلمة نابعة من ضرورة داخلية، والحركة حاملة للمعنى، والصمت لغة قائمة بذاتها.
الممثل الحاضر لا يختبئ خلف الشخصية، بل يدخل إليها، ولا يقدم إنسانًا وهميًا فقط، بل يكشف من خلالها شيئًا عن الإنسان الحقيقي ضعفه، ورغبته، وصراعه، وأحلامه. وهنا يصبح الجسد أكثر من وسيلة للحركة، ويصبح الصوت امتدادًا للوجود الداخلي للفنان.
ومن هذا الطريق يصل فاسيليف إلى مفهوم الحرية. فالحرية عنده ليست التخلص من كل القواعد، بل امتلاكها وتحويلها إلى قدرة داخلية. فالموسيقي لا يصبح حرًا إلا بعد معرفة أسرار الموسيقى، والكاتب لا يجد صوته الخاص إلا بعد سنوات من القراءة والممارسة، وكذلك الممثل لا يصل إلى حريته إلا بعد رحلة طويلة من التدريب.
إن الالتزام ليس عدو الحرية، بل طريقها. فالإنسان لا يتحرر عندما يرفض كل بناء، بل عندما يكتمل بناؤه الداخلي ويصبح قادرًا على الاختيار بوعي. والجمال نفسه لا يأتي من الفوضى، بل من انسجام عميق بين المعرفة والتجربة والإحساس.
ولهذا تتجاوز تجربة أناتولي فاسيليف حدود المسرح لتصل إلى سؤال إنساني وحضاري كيف نبني إنسانًا أكثر وعيًا وحضورًا؟ فالفن ليس زينة للحياة فقط، بل وسيلة لتطوير الحس الإنساني، والمسرح يعلم الإنسان الإصغاء والحوار وفهم الآخر ورؤية العالم من زوايا متعددة.
لم يكن أناتولي فاسيليف يبحث عن ممثل ينجح في تقليد الحياة، بل عن فنان يستطيع أن يكشف جوهرها. ولهذا أصبح المسرح عنده رحلة داخل الإنسان قبل أن يكون رحلة فوق الخشبة. فالتلمذة تبني الفنان، والزمن يمنحه العمق، والحضور يكشف إنسانيته، والحرية تمنح عمله المعنى.
إن القيمة الكبرى لتجربة فاسيليف أنها تذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يصنع الأعمال فقط، بل يصنع الإنسان الذي يبدعها. فالمسرح ليس مجرد مكان للعرض، بل طريق من التدريب إلى الوعي، ومن الالتزام إلى الحرية، ومن الجمال إلى اكتشاف الإنسان. عرض أقل
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |