أكل الصغير آخر فاصلةٍ..

بلقيس خالد
2026 / 7 / 30

طرقت بابي كأنها تستعجلُ القيامة:
جارتي..
تحملُ شارعاً مطوياً في ملفٍّ أحمر،
قالت: وقعي.. كي نحذف (جاسم)، ونطرد بيتهُ من خارطةِ شارعنا.
اعتذرتُ..
:يدي مشغولةً بسقي أصص الريحان.
جارنا جاسم..
أطفالهُ لا يلعبون بالكرة،
إنهم يركلون ظل العصر
حتى يتأخر المغرب عن موعدهِ،
يصطادون صفير الحَكم
ويطلقونهُ في أذن الغيم،
يربطون ذيل الريح بدراجةٍ مكسورةٍ..
ثم يضحكون حين تتعثر الفصول.
أحدهم يربط الشمس بحبل الغسيل..
فتتأخرُ دقائق الفجر عن الدوام،
والآخر سرق ظل المسجد..
فظلَّ المؤذن طوال النهار يبحثُ عن مئذنةٍ تقفُ تحت الشمس.
والثالث يدرب الحصى على النباح..
حتى صارت الأرصفة تعضُّ المارة.
أما المارة..
يمرون في شارعنا مرتدين خوذاتٍ مصنوعةً من الدعاء.
وجاسم..
يجلسُ على كرسيٍّ من اللامبالاة،
يرشفُ الشاي،
وكلما احترق كوكبٌ بسبب أولاده.
نفخ عليهِ ليبرد.
إذا قيل لهُ: ولدكَ كسر نافذة النهار
قال: الزجاج حساس منذ طفولتهِ
وإذا قيل لهُ: ابنكَ أخاف العصافير
قال: هي أيضاً تحتاجُ إلى الرياضة
وكلما عاد أحد أبنائهِ وفي يده مصيبةٌ جديدةٌ..
ربتَ على رأس المصيبة وسألها:
هل تعشيتِ؟
ذات نهار..
بدلوا أسماء الأيام،
فعاش الأربعاء داخل الجمعة،
وأصبحت العطلة تذهبُ إلى المدرسة،
بينما بقي التلاميذ في البيوت..
أما اللغة..
فكانت ضحيتهم المفضلة،
أخذوا نقطة الباء.. وضعوها فوق الثريا،
فصار الليل يلثغ،
وصارت القصائد تتأتأ
كلما أرادت أن تقول البداية.
وأمس..
أمس..،
أكل أصغرهم آخر فاصلةٍ في اللغة،
فاضطر الجيران أن يتحدثوا نفساً واحداً حتى المساء.
أما جاسم..
فقال وهو يحركُ السكر في استكانةِ الشاي:
الأطفال يحتاجون الكالسيوم.
في الليل..
حين ينام الجميع،
يبقى بيت جاسم يقلبُ الطابوق على جنبيه،
ويهمس للمهد:
غدا سنلدُ مشاغباً يجيدُ فك أزرار القوانين،
ثم يطفئُ المصباح..
وينامُ الشارع بعينٍ واحدةٍ،
فيما تبقى العين الأخرى مفتوحةً..
خشية أن يلد البيت توأماً
وكلما أنجبت زوجة جاسم طفلاً،
ربتَ على كتف البيت قائلا:
لا بأس.. الحي واسع.
امتعضت جارتي ومضت تطوي الشارع في ملفها..
أغلقتُ الباب بيني وبين الشارع
ومضيتُ نحو أصص الريحان..
فاجتاز السياج قطٌّ مذعورٌ،
مقطوع الذيل..
أسقط أصيص (صباح الخير)
تناثرت الزهرات على البلاط،
فيما تعالت من وراء السياج..
ضحكاتُ أبناءِ جاسم.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن