|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

هاشم معتوق
2026 / 7 / 23
عرش بغداد حين تتحول المدينة إلى ذاكرة شعرية وفضاء للإنسان
يمثل ديوان عرش بغداد تجربة شعرية تستعيد علاقة الإنسان بالمكان بوصفها علاقة تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى أعماق الذاكرة والهوية والوجود. فالشاعر لا يتعامل مع بغداد باعتبارها مدينة فحسب، بل باعتبارها كيانًا حيًا تتداخل فيه الطفولة والتاريخ والحلم والجراح. ومن خلال قصائده تتشكل صورة مدينة تحمل مجدها وآلامها، وتبقى حاضرة في الوعي رغم المسافات والتحولات.
إن قراءة هذا الديوان تكشف عن حساسية شعرية تجعل من المكان منطلقًا للتأمل في مصير الإنسان، حيث يتحول الحنين إلى فعل إبداعي، وتتحول التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني واسع. فبغداد ليست مجرد ذكرى تستعاد، بل تصبح رمزًا للانتماء وللجذور وللبحث عن المعنى في عالم تتغير ملامحه باستمرار. ومن هنا تأتي أهمية الديوان في قدرته على المزج بين جماليات الصورة الشعرية وعمق التجربة الإنسانية، إذ يلتقي فيه الخاص بالعام، وتتحول سيرة الذات إلى مرآة تعكس أسئلة جيل كامل عاش التحولات والحروب والاغتراب.
لا تظهر بغداد في ديوان عرش بغداد بوصفها مكانًا جغرافيًا عابرًا، بل تتجسد بوصفها كائنًا شعريًا حيًا، يحمل ذاكرة الشاعر ووجدان الإنسان العراقي بكل ما فيه من حنين وألم وأسئلة. فالمكان في هذا الديوان ليس خلفية للأحداث، وإنما هو جوهر التجربة الشعرية؛ إنه البيت الأول، والطفولة البعيدة، والذاكرة التي تقاوم التلاشي أمام تحولات الزمن وقسوة الواقع.
يحمل عنوان الديوان دلالة رمزية عميقة؛ فـالعرش لا يشير إلى السلطة بقدر ما يشير إلى المكانة الروحية والجمالية التي تحتلها بغداد في قلب الشاعر. إنها مدينة متربعة على عرش الذاكرة، لا تفقد حضورها مهما ابتعدت المسافات، لأن المدن الكبرى لا تسكن الجغرافيا فقط، بل تسكن الأرواح التي عاشت فيها وتركت فيها جزءًا من وجودها.
تتجلى تجربة المنفى في القصائد بوصفها حالة إنسانية تتجاوز حدود الرحيل المكاني. فالشاعر لا يغادر بغداد تمامًا، بل يحملها معه في تفاصيله الصغيرة، في الصور التي تستعيد الشوارع والوجوه والبيوت والأصوات القديمة. وهنا يصبح المنفى حوارًا داخليًا بين حاضر مختلف وذاكرة لا تهدأ، بين عالم جديد يحاول أن يفرض حضوره، ووطن قديم يستمر في تشكيل الوعي والهوية.
أما الحرب، فتظهر في الديوان بوصفها جرحًا عميقًا أصاب الإنسان قبل أن تصيب المكان. فالشاعر لا يكتفي برصد آثار الخراب الخارجي، بل ينفذ إلى الخراب الداخلي الذي تتركه الحروب في النفس: فقدان الأحبة، انكسار الأحلام، وشعور الإنسان بأنه يحمل تاريخًا من الألم لا يمكن محوه بسهولة. ومع ذلك لا تتحول القصيدة إلى مجرد رثاء، بل تصبح فعل مقاومة جمالية، حيث تتحول المعاناة إلى لغة، والذاكرة إلى طاقة تحفظ للإنسان إنسانيته.
إن بغداد في هذا الديوان تتجاوز صورتها الواقعية لتصبح رمزًا للحضارة والهوية والطفولة والبحث عن المعنى. إنها ليست مدينة مفقودة فقط، بل حضور دائم في الوعي، وكلما ابتعد عنها الشاعر ازدادت قربًا في اللغة والصورة والإحساس. فالمكان هنا لا يُستعاد بوصفه ماضيًا جامدًا، بل بوصفه حياة متجددة داخل النص.
وتكمن أهمية التجربة الشعرية في عرش بغداد في قدرة الشاعر على تحويل الخاص إلى عام؛ إذ تتحول تجربته الشخصية في الفقد والاغتراب إلى تجربة إنسانية مشتركة تمس كل من عرف معنى الانتماء والرحيل والبحث عن الجذور. فالشعر لا يصبح تسجيلًا للسيرة الذاتية، بل مساحة تتقاطع فيها ذاكرة الفرد مع ذاكرة الجماعة.
أما اللغة الشعرية في الديوان فتقوم على التوازن بين البساطة والعمق، وبين التفاصيل اليومية والإيحاء الرمزي. فالصورة الشعرية لا تأتي للزخرفة، بل تكشف حالات داخلية عميقة، حيث تتحول الأشياء العادية إلى علامات تحمل دلالات واسعة. ومن خلال هذا الاقتصاد الجمالي في التعبير، يمنح الشاعر للقصيدة قدرتها على الإيحاء وفتح فضاءات متعددة للتأويل.
ويؤكد ديوان عرش بغداد أن الشعر قادر على إعادة بناء الأمكنة بعد أن تهددها التحولات والنسيان، فبغداد التي يقدمها الشاعر ليست مدينة من الماضي، بل حضور متجدد في الذاكرة واللغة والوجدان. إنها صورة للإنسان الذي يبحث عن جذوره، ويحاول أن يحفظ معنى الانتماء وسط عالم تتبدل فيه الأمكنة والوجوه.
لقد استطاع الديوان أن يحول التجربة الفردية إلى أفق إنساني واسع، وأن يجعل من الحنين قوة إبداعية لا حالة انكسار. فالكلمة هنا لا تبكي الغياب فقط، بل تستعيد الحضور، والشعر لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يمنحه معنى وجمالًا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |